النظارة… الوضوح وما نحتاجه في الحياة

7

تدوينة: مي عزمي إبراهيم محمد

في هذه الحياة يبقى الإنسان يبحث عن ذاته، من أين يبدأ؟ وكيف يسير؟ ومتي وأين يتوقف؟ فالتعايش شيء سهل ولكن تحقيق الذات ليس من السهل الوصول إليه، ولكنه أيضاً غير مستحيل.

في مرحلة الطفولة هي فترة طبيعية حيث التصرفات العشوائية والبراءة الطفولية… لا يلتفت أياً منا إلى من هو؟ وماذا سيكون في الغد؟ ولكن تكون هناك علامات تلقائية غير مقصوده تظهر علينا، حيث يستطيع من حولنا التنبؤ بمكانتنا مستقبلياً، فهناك من يطلقون عليه لقب الدكتور، العالم، المهندس، المحامي… ونحن نستقبل هذه الألقاب بدون وعي حيث نستمد فرحتنا بهذه المسميات بمن حولنا ومن هنا يأتي دور “النظارة” ليست تلك النظارة التي تحتاج إليها العيون، ولكنها هنا كناية عن الوضوح وما نحتاجه في الحياة لكي نصل إلى ما نتطلع إليه.

ففي مرحلة الطفولة نكون بحاجه إلي نظارة كي نستطيع أن نمر بسلام دون أي عواقب مستقبلية ولهذا السبب نرتدي “النظارة العائلية” وهي تلك النظارة التي نرى بها أنفسنا بعيون عائلتنا فهم من يقومون بتوجيهنا إلي الطريق الذي نستطيع السير فيه، وبفضل هذه النظارة نتفادي عواقب الحياة، فبالرغم من أنها مرحلة بديهية بسيطة ألا إنها بها عواقب تتمثل في “الكسل”، النظر لمن حولك وتقليدهم، عدم القدرة علي الإستيعاب، وأول عاقبة أنك طفل لا زال هناك قصور في الفكر والقدره علي التعبير ولذالك هذه النظارة تكون بمثابة يد العون لك والتي تحميك من شر ذاتك وتكون هي عامل أساسي لنجاحك. وهي أيضاً تمثل علامات الحذر في طريقك والتي تلازمك دون تعب. فإنك لا تشعر بقيمه تلك النظارة في الوقت ذاته ولكن تدرك هذه القيمة على المدي الطويل.

الحياة لا تقف فهي تسير بدون حساب نحن فقط من المفروض أن نضع الحسابات لحياتنا ولذالك عندما تمر تلك المرحلة، تأتي مرحله أخري وهنا لا بد من استبدال النظارة بأخرى كي تلائم التقلبات النظرية والكونية.

وهنا يستوجب على الإنسان استعمال “نظارة المواقف” حيث أنه في هذه المرحلة تكون بحاجه إلى الاستكشاف لكل ما حولك حتى تستطيع ترتيب أفكارك وأهدافك فالمواقف خير رفيق وخير معلم فهي أكثر شيء تستطيع أن تتعلم منه فتجعلك حكيم، صاحب نظرة صائبة، لا يخدعك مظاهر ولا كلمات مغلفة بالنفاق. فتصبح مثل الصقر في دقة تطلعاته ونظرته التي لا تخيب ظنه.

تلك النظارة قادرة على أن تجعلك صاحب رصيد قوي في خططك المستقبلية. حيث أنك لا بد أن تتحلى بالذكاء حتى تستطيع أن تستفيد على الوجه الأمثل منها وتحدد نقاط حياتك وأعمالك وأهدافك.

النجاح في الحياة يتطلب أن تجبر نفسك على النظام والترتيب فهو لم يأت من الفراغ ولكنه يحتاج مثابرة ومعرفة حدود قدراتك والعمل عليها حتى تبني جدار الثقة بنفسك، فهذا الجدار مهم كي تصبح شخصاً يحتل اسمه مكانة مرموقة يعرفها الجميع وليس البعض.

وعندما تصبح على يقين بأنك تلقنت دروس الحياة التي تجعلك أستاذاً بمادتك هنا لا بد من المغادرة وإعطاء السلام لتلك المرحله.

وتبدأ مرحله جديدة، مرحلة انتقالية هامة تسمو بها إلى تطلعاتك التي باتت تحلم بها ومن هنا تبدأ بالحاجة إلى نظارة من نوع آخر.

“نظارة الحياة” هي النظارة التي تفتح لك آفاق النهوض وتضع قدميك على بداية طريق التقدم وإثبات ذاتك وتحويل كل الخطط الورقية إلى أعمال واقعية تجعل منك كتلة متوهجة تنير أي مكان وكأنك تستمد وقود تقدمك بالحياة من تجارب وخبرات سابقة من الممكن أن تكون أخذت من وقتك ولكنها تركت أثر إيجابي بداخلك.

وكما قال الدكتور مصطفى محمود عن الحياة “إن للحياة أهمية عظيمة للإنسان ولكن الإنسان الجدير حقاً هو من يعرف أن هذه الحياة تمهيد لحياة أخرى دائمة وأن الأعمال الذي يفعلها في هذه الحياة ما هي إلا أمور بسيطة ولكنها مفعمه بالتفاصيل التي تجعل حياته إما حياة مبهجة أو حياه مليئة بالتعاسة وعلى الإنسان أن يقرر ماذا يرغب أن يعيش حياته”.

وبناءً على هذا الكلام نرى أهمية تلك النظارات بحياتنا فهي تعطينا الوضوح وتنقي الواقع وتجعلنا نرى ما لا يراه الآخرين ونصبح أكثر تفهماً وإدراكاً فنختار الأصلح لنا ونرى الطريق واضح أمامنا كي نسير فيه بخطى منضبطة نحو هدفنا.

وفي هذا الوقت يصبح الإنسان كتله متجانسة خالية من أي خلل فقد أصبح إنساناً متزناً يعرف من هو؟ وماذا يفعل؟ ومع من يتعامل؟ وكيف ومتى سيصل بإذن الله؟

ومن هنا يأتي دور النظارة الأخيرة وهي “نظارة الاستقرار” حيث الهدوء والسكينة والرؤية الأكثر اتزاناً، في هذا الوقت يشعر الإنسان بأنه يميل للعزلة الإيجابية، تلك الشعور الذي يجعله يستمتع بنجاحه في تخطي رحلة الحياة بنجاح حيث أنه يستحق أن يكافئ نفسه بعد كل هذا فهي لها عليه حق، حق الراحة والاطمئنان بعد كل هذا العناء فلا مانع أن يبني الإنسان عالمه الخاص الذي يحلم به ويتطلع إليه.

لا بد أن ننظر للمستقبل منذ أن ندرك وجودنا فمستقبلنا يستحق المغامرة والجهد حتى نصل ونحصل علي حياة يرضى عنها الله ويكرمها المجتمع ونبني سيرة لا يمحوها الزمن ونصبح قدوةً لغيرنا ونكون لهم الدافع والروح التشجيعية لحياة أفضل.

ونكون دائماً على يقين أننا ليس فقط ملك لأنفسنا ولكن من الممكن أيضاً أن نكون سبباً في إسعاد من حولنا ورسم الأمل في ملامح حياتهم. ولذلك دوماً غامر وجاهد وكافح كي تصبح على ما حلمت به يوماً.

7