انتهى زمن الاتكالية … أنت من تصنع مستقبلك !!

الاتكالية
1

تدوينة: توفيق مكراوي

“الاعتماد على الآخرين ضعف، الاعتماد على النفس قوة، والعتماد المتبادل هو قمة القوة …”
ستيفن كوفي

كنت في وقت مضى مهتمًا بأحد برامج الحاسوب، وكان لزامًا عليَّ تعلم كيفية التحكم في هذا البرنامج، كون الكثير من وظائفي مرتبطة بشكل مباشر ووثيق به، ولأني وجدت صعوبة في تعلمه، فضلت الاعتماد على زملائي- جزاهم الله خيرًا-  ممن يحسنون ذلك في إنجاز مهامي وتسليمها لي بعد ذلك، فكانت النتيجة:

  • تذمر مستمر من قبلهم  وتحجج بالانشغال.
  • تأخر في الاستلام.
  • ازدحام قوائم المهام.
  • كثرة الأخطاء ونتائج العمل غالبًا ما تكون غير مرضية لي، أو مخالفة لما تم الاتفاق عليه.
  • التحسرعلى عدم تعلم البرنامج، والسخط بشكل مستمر.

فقررت بعدها تعلم ذلك وإنجاز مهامي بمفردي، وفعلًا قصدت أحد المتخصصين في المجال، وكان لي ما أردت، وتمكنت من التخلص من الاتكالية، وإنهاء مهامي بشكل أكثر سرعة وإتقانًا، وطبعًا كان في هذا صون لماء الوجه بدلًا من الاعتماد على الآخر.

إن العلاقة بين الاتكالية والفشل هي علاقة السبب بالنتيجة، فكثيرًا ما تتصف جموع الراسبين بالتقاعس والكسل وعدم الثقة بالنفس، الأمر الذي يدفعهم نحو الجنوح إلى الدعة وإهمال واجباتهم وجعل الآخرين يقومون بها بدلًا عنهم، لأنهم يرون أنفسهم غير قادرين على القيام بها، أو أن قدراتهم أدنى مما تتطلبه الوظيفة، وهذا ما يعمق من شعورهم بالنقص وانغماسهم في مطَبَّة الاتكالية. لكن ينبغي أن ننتبه إلى أنه إذا كان الغرض من الاستعانة بالآخرين هو الاستفادة والتعلم ثم التطبيق فهذا جيد، أما إذا كان الاتكال بسبب التكاسل عن أداء المهام فهذا يؤدي للفشل سريعًا. الاتكالي لن يفعل شيئًا ولن ينجز شيئًا إذا وجد نفسه وحيدًا، وفي هذا يعلق أحدهم بالقول: “كان له صديق يتكل عليه في شواء اللحم إذا ما خرجا في رحلة، فكان إذا خرج رفقة أهله أكل اللحم نيئًا أو محروقًا” و كما قيل: ما حك جلدك مثل ظفرك.

لكن…

ما المقصود بالاتكالية

يقصد بالاتكالية في معجم علم النفس تلك الحالة التي يتوقع فيها الفرد المساعدة من الآخرين، أو يبحث بنشاط عن الدعم العاطفي والمادي وكذلك الحماية والرعاية اليومية، وغالبًا ما يستند في قراراته إلى آراء غيره، تهربًا من المسؤولية وتبعاتها.

هل تؤثر الاتكالية سلبًا على صاحبها؟

لا شك أن اعتماد الفرد على الآخرين بشكل مطلق يسبب له مشاكل عدة، ولعل أغلب هذه المشاكل يدور حول التالي:

  • تعلم الفرد التكاسل واللامبالاة، وحرمانه روح المسؤولية، مما يجعله يقلل من شأن أهدافه، ليقرر في النهاية التنازل عنها، والتوقف عن السعي لتحقيقها.
  • يجعله دائم الارتباط بغيره وغير قادر على الاستقلال عنهم، ولا يمكنه إنجاز مهامه بنفسه، وإن حاول ذلك فإنه لن يكون راضيًا عن النتيجة.
  • الاتكالي يكون عالة على غيره، كما قد يكون- في العادة- مصدر تذمر من طرفهم حتى ولو لم يظهروا له ذلك، وهذا ما قد يحط من شأنه أمامهم، لأن الذين لا يعتمدون على أنفسهم يعرضونها للمهانة والمذلة، فهذا يرفض طلبهم، وهذا يستهزئ بقدراتهم، وذاك يطردهم، بينما كان بإمكانهم تفادي كل هذا فقط لو وثقوا بأنفسهم.
  • كما أن الاعتماد على الغير  يفقد صاحبه الاستمتاع بطعم النجاح- إن كُتب له ذلك- لأنه ليس ثمرة عمله، بل نتاج جهود غيره؛ فمهما كانت النتيجة رائعة للعمل الذي قام به الغير، تبقى من غير طعم، وليس له أن يحفل بها، لأن الفرح والافتخار يكونان بالقدرة على فعل الشيء وليس نيله من غير جهد ولا نصب.

كن كالشمس في استنادك إلى نفسك فإن نور الشمس يشع من نفسه.

إن السبب وراء تحركك في الاتجاه الخاطئ هو أنك تفضل الاعتماد على من حولك بدلًا من البدء في التنفيذ بنفسك، وهذا نابع من شيئين: هشاشة ثقتك بنفسك وعدم تحمل المسؤولية، فتكون بذلك قد فوت على نفسك فرصة المغامرة و تحدي الأعمال الجديدة.

ما مقدار أهمية هاتين الصفتين في حياتنا؟

إن المتأمل في تعاليم الإسلام يجده يعزز من ثقتنا بأنفسنا، ويعلمنا الاعتماد على أنفسنا وتحمل تبعات ما كسبته أيدينا، وذلك بتذكيرنا بالمسؤولية الفردية يوم القيامة، “وكلهم آتيه يوم القيامة فردا” ( سورة مريم- الآية 95)، وأن كل إنسان سيقف وحده ليُسأل عما قدم، ولا يُسأل أحد سواه عن الأعمال التي قام بها. وتجري محاورات كثيرة يوم القيامة بين من يلقون المسؤولية على غيرهم في ضلالهم بالرغم من الحرية التي منحهم الله إياها في الاختيار، وبين من عرضوا عليهم هذا الضلال، ومن هده الحوارات ما ذكره الله تعالى في قوله: “ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين” ( سورة سبأـ الآية 31و 32 )؛ فربما ظن أولئك الراسبون الفاشلون أنهم يستطيعون النجاة من العذاب بإلقاء المسؤولية على الذين اتبعوهم، وتعليق أخطائهم على مشجب الآخرين، كعادتهم في الدنيا بالتهرب الدائم من المسؤولية.

فالاعتماد على النفس هي عقيدة الفرد الناجح، لأنه يعي أنه هو من يجني ثمار أعماله في الدنيا والآخرة، وهذا ما يؤكده قول الله تعالى: “وأن ليس للإنسان إلا ما سعا وأنه سعيه سوف يرى” (سورة النجم- الآية 39و 40) وقوله : “لا يكلف الله نفسًا إلّا وسعها لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت” (سورة البقرة- الآية 286)، وقوله: “كل نفس بما كسبت رهينة” (سورة المدثر- الآية 38)، وقوله: “بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره” (سورة القيامة- الآية 14 و 15).

فمن خلال الآيات السابقة يتضح أن الإنسان بصيرة على نفسه وعقله وقلبه، رهينة بما كسبت يداه، مسؤول عن أفعاله، وأن من الكمال الطبيعي للنفس والعقل تحمل تبعات كل الأقوال التي تصدر عن الإنسان، والنهوض لإنجاز المهام اللازمة بنفسه، لأن الاعتماد على النفس يبرز الطاقات الشخصية للإنسان وينمي خبراته، ليجعل منه المؤمن القوي الذي قصده النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو هريرة أنه قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير) ( صحيح مسلم- رقم 4822- كتاب القدر- باب الأمر بالقوة)؛ فالقوة المراد بها في هذا الحديث عزيمة النفس والقريحة، ولا يكون هذا للاتكالي المتكاسل، لأنه يخالف بتصرفه هذا الفطرة التي فطره الله عليها، بل حتى المخلوقات من غير الإنسان تأبى الاعتماد على غيرها، وما ذاك إلا لأن قيام كل فرد على شؤونه سنة كونية.

كتب أحد العلماء تجربة فريدة، حيث رأى حشرة في شرنقتها تحاول تمزيق الشرنقة، فمد يده لمساعدتها على تمزيقها، فما كان منها إلا أن ماتت عندما خرجت منها، و كأن استخدامها لأيديها وأرجلها لتمزيق الشرنقة هي القوة التي تحتاجها لتبدأ حياتها بقوة على وجه الأرض، و لئن ماتت هذه الحشرة بسبب تقديم يد العون لها في عمل كان من المفترض أن تقوم به بمفردها، فإن همم البشر وإبداعاتهم تموت عندما يقوم غيرهم بما يفترض أن يقوموا به بمفردهم، فتحمل المسؤوليات من أخص سمات الناجحين.

لو افترضنا وجود الاتكالية بشكل مطلق في مجتمع من المجتمعات- وإن كان حاصلًا فعلًا في بعض المجالات في بيئتنا العربية- لأضحى الأمر أشد وطأة وأعظم خطرًا، إذ بتخلي كل فرد عن مسؤولياته مهما صغرت تعم الفوضى، ولا يجد المتقاعسون من يكلون إليه مهامهم، فالكل متكل على الآخر، ويصير الحال إلى تلك القصة التي تحكي عن مدينة نزلت بها الفاقة و حلت فيها المجاعة، فطلب الملك من أهل المدينة طلبًا غريبًا في محاولة منه لمواجهة خطر القحط والجوع … وأخبرهم بأنه سيضع قِدرًا كبيرًا في وسط المدينة، وأن على كل رجل وامرأة أن يضع في القدر كوبًا من اللبن بشرط أن يضع كل واحد الكوب لوحده من غير أن يشاهده أحد. هرع الناس لتلبية طلب الملك…  وكل منهم تخفى بالليل وسكب ما في الكوب الذي يخصه، وفي الصباح فتح الملك القدر .. وماذا شاهد؟ شاهد القدر وقد امتلأ بالماء … أين اللبن؟؟ و لماذا وضع كل واحد من الرعية الماء بدلًا من اللبن؟ الجواب: إن كل واحد من الرعية قال في نفسه: “إن وضعي لكوب واحد من الماء لن يؤثر على كمية اللبن الكبيرة التي سيضعها أهل المدينة”. وكل منهم اعتمد على غيره … وكل منهم فكر بالطريقة نفسها التي فكر بها أخوه، وظن أنه هو الوحيد الذي سكب الماء بدل اللبن.

والنتيجة التي حدثت.. عم الجوع هذه المدينة ومات الكثيرون منهم، ولم يجدوا ما يعينهم وقت الأزمات..

فلو تكاثر هؤلاء الاتكاليون الفاشلون أو ساكبو الماء- كما أحب أن أسميهم- لانهار المجتمع، لأنهم يتسمون بالأنانية وحب الذات، وإن حدث وامتنع أحد عن مساعدتهم أبدوا له العداء والبغض لأنهم يرونه معيقًا لهم، ولهذا تراهم يميلون للنظر لمن حولهم على أنهم مساعدون أو عقبات لهم، وعند وصفهم للآخرين غالبًا ما يستعملون كلمات من قبيل: شخص داعم أو مساعد أو غير متعاون، أي يحددون الآخرين في سياق النظر ما إذا كانوا يريدون المساعدة أو عرقلة الجهود التي يبذلونها، أما الناجحون فهم يعرفون النجاح بطريقة مختلفة وفريدة؛ فالآخرون ليسوا مجرد وسيلة لتحقيق الأهداف، بل الهدف خلق النجاح للجميع بمن فيهم أنفسهم.

لكن …

هل يعني اعتمادنا على أنفسنا الاستغناء المطلق عن الآخر؟ وهل طلبنا للمساعدة يحط من قدرنا؟ وما ضابط الاستعانة بالغير كي نميزها عن الاتكالية؟

الجواب: قطعا لا .. فلا حرج أن تطلب الدعم من غيرك وتستشيرهم قبل أخذ قراراتك، لكن لا تجعلهم ينجزون أعمالك أو يقررون بدلًا عنك.

تذكر دائمًا…

لا يمكن لأحد أن يقوم بعملك مثلما تريد إلا نفسك، اغتنم أوقاتك واحرص على ملء الأكواب لبنًا ولا تكن من ساكبي المياه.. كن في الصدارة أو على الأقل في نفس الخط مع الآخرين .

مدونات أراجيك

في مدونات أراجيك نتساوى جميعًا كقراء وكتّاب، حيث الكل يسرد قصته التي لمس منها درسًا مهمًا كان لابد من مشاركته مع الآخرين. لن نقدم لك نصائح أو معلومات أو أخبار، بل سنتلقى منك أيها القارئ العزيز تجاربك الملهمة في الحياة، والتي خرجت منها شخصًا جديدًا للعالم، وسنشاركك أيضًا تجاربنا لنتبادل المعرفة والفهم ونتعامل مع الحياة بشكل أنضج.

1