ماذا تعلمت من زيارتي القصيرة لبيت المرايا؟

0

مريم أنيس – مصر

كانت أمتع اللحظات لي وأنا أصطف مع أصدقائي في طابور طويل للدخول لهذه اللعبة المذهلة، كنت أفضل تلك اللعبة بعينها رغم ما تتصف به من ملل ورتابة؛ فليست بها حركة أو خوف أو ما يدعو للصراخ كما أعتادنا في ألعاب الملاهي. لا أحد يفهم مغزاها أو الفكرة التي تقوم عليها تلك اللعبة غير أنها لعبة تدعو لبعض السخرية والضحك وتقوم علي الخدعة فقط، كانت تلك اللعبة موجودة كلعبة أساسية في أي مدينة ملاهي عندما كنت طفلة صغيرة، فلم يكن لبرنامج الفوتوشوب هذه المكانة والسطوة التي ينعم بها اليوم في هذا العصر؛ لذلك كان لها سحرها الخاص عند البعض: مثلي، لم أكن أدرك علة حبي لتلك اللعبة ولهفتي الشديدة للدخول والاستمتاع بها ولكن عندما تذكرت منذ فترة حبي لها، أيقنت السبب وراء ذلك الشغف الشديد!

كانت اللعبة تبدأ بمتاهة صغيرة ندخل بها وراء بعضنا لنكتشف بعد ذلك أن كل طفل ذهب بطريق وليس مع صديقه الذي كان يمسك بيده، كانت المتاهة هي عبارة عن ممرات ضيقة محاطة بجوانب مكساة بمرايا كثيرة ويوجد جانب واحد فقط مفقتوح للدخول وهكذا في كل ممر، وكانت هنا الخدعة الأولى عندما تخطئ تقدير الجانب المفتوح للدخول فتصطدم بمرآة من شدة سرعتك و هرولتك للوصول إلى النهاية، وهنا يتماثل الموقف مع الحياة عندما نبدأ طرق كثيرة مع أحباب وأصحاب ولكن تأخذهم المتاهات في دروب متابينة لنفترق ولنعلم أن تلك هي الحياة، رغم كل الوعود، رغم كل الحب، تجبرنا الحياة على ذلك ولا تعطي لنا فرصة الاختيار ويجب أن نتقبل بكل انكسار ألم الفراق ونصدم بالواقع المرير والكبوات المفاجئة ويجب أن نواصل السير ونجري لاهثين في دروب المتاهة الكبرى وهي الحياة.

وبعد عدة صدمات وضحك مع بعض القلق البسيط لطول الممرات نصل إلى داخل البيت فنجد أصدقائنا الذي أصطحبناهم في بداية المتاهات، وها قد تقابلنا مجددًا والغموض الذي كان يحيط عقلنا بماهية هذا البيت قد تكَشف، وجدنا عدة مرايا مختلفة الطول والعرض والشكل بل والأبعاد، أخذنا ننظر في كل مرآة، الواحدة تلو الأخرى، وتنساب منا الضحكات الطفولية العالية، كسيل جارف حتي أننا كنا نسمع صدى صوت ضحكاتنا الممزوجة ببعضها البعض، كان السر وراء هذه الضحكات أن كل مرآة تعطي شكل لأجسامنا مختلف عما نعرفه، فالمرآة الأولى كانت تعطي شكل قصير لجسدي، كنت أضحك بشدة متسائلة من هذه ؟!

كنت أبدو شديدة القصر،  وأتجهت نحو المرآة الأخرى وإذ اجد نفسي بدينة جدًا بل شديدة البدانة لدرجة جعلتني أشك في ذاتي ونظرت إلى جسدي لأتحقق!

توجهت إلى واحدة أخرى واذا بها النقيض للمرآة الأولى، كنت جمة الطول، فرحت بتلك الابعاد حتى لو لم تكن حقيقية حيث أنني كنت من أقل الأطفال طولًا، فتبسمت في خيلاء لزملائي وصرت أتباهى بطول قامتي الجديد ! وكانت هناك أشكال وألوان من المرايا التي تغير شكل الجسم وتبدل ملامحه، فكانت الغاية الوحيدة هي الضحك والسخرية في تلك اللعبة العجيبة التي لم يعد لها مكان في وقتنا الآن.

كنت أستمتع بكل لحظاتي في هذه التجربة القصيرة، كنت أتفاخر بما ليس حقيقي ولا أملكه من سمات جسدية أيضًا كنت أتبادل السخرية مع أصدقائي لما تبدو عليه أشكالنا الجدية المزيفة في تلك المرايا العجيبة، ذكريات بدأت تروادني منذ فترة بسيطة لتذكرني بذلك الوقت الحافل بالحيوية والضحك النابع من القلب، وهنا جال بخاطري أن أتأمل في هذا البيت الجميل الذي كنت ألهو به واتمتع بأسعد الأوقات، تحققت أن سبب حبي له كان نابع من فكرة عميقة كانت مترسخة بكياني ولازلت أؤمن بها،  هي فكرة تستحق أن يؤمن بها الجميع ويقدرها لأنها واقعية جدًا، لا تظلم نفسك وتظن أن صورتك الحقيقة هي التي تراها بالمرأة أو بعيون الناس، وأن تعددت المرايا أوشخصيات الناس المحيطين بك، قد ينذرك البعض إلى عيب أو ينهبونك أصدقائك المخلصون الحقيقيون إلى ثغر في نفسك لترممه لأنه لن يراه إلا من كان قريبًا منك حقًا وهذا جيد لانه يقودك لتكون في وضع أفضل، أما صورتك الحقيقية والأبعاد الفعلية لشخصيتك وقوتك الكامنة وطموحاتك الشخصية أنت فقط من تدركها، أنت فقط من تحددها، لا تجعل صورتك تهتز بآراء الاخرين، لا تتهاوى عندما تتلقي النقد، لا تصدق كل مرآه تريد أن تبث بك أبعادها وتعكس من خلالك مواطن حرجها لترمي بك سمها وتخفي ما تخجل منه في دواخل نفسك، لا تصدق من يريد أن يسئ إلى نفسك بأنه يتحكم بك ويؤثر علي طموحاتك وملامح واقعك الحقيقي.

آمن بنفسك، ثق بقدراتك، وأدرك مواطن قوتك لتستفيد بها،  وأعرف نقاط ضعفك لتعمل على إصلاحها، لا تسمح لأحد بأن يعطيك تصورات خاطئة عن شخصيتك أو خططك أو أحلامك، لا تجعل أحد يرسم معالم حياتك، لا أتحدث هنا الوهم أو الغرور أو الكبرياء، لست أقصد أن ننتهج هذه الصفات البغيضة، فليس هناك أصعب من سجن الوهم والخيلاء المزيفة لكني أتمنى أن يعتنق الجميع فلسفة معرفة الذات المعرفة الحقة حتي لا نتخبط في مآسى الحياة أو نبني حياتنا وفقًا لما نراه  في عيون الناس.

و أدركت أن الدرس الحقيقي الذي كان يجب أخرج به من بيت المرايا بجانب شحنة الضحك المكثفة هي الثقة بالنفس مهما كانت مؤثرات الفشل وصياحات اليأس وقهقهات الزيف، أدركت حينها أن لا أجعل أحد يجعلني أشعر بالسوء تجاه نفسي عندما أقابل خديعة مؤسفة أو صداقة مزيفة أو صفعة مؤلمة لأني سوف أنظر الي معالمي وذاتي الحقيقية في حينها، وأعلم انها كانت مجرد أبعاد مزيفة حتى لو لم أجد مرآة بأبعاد حقيقية، سوف أتلمس ملامح وجههي بيدي لأتيقن أني على حق!

مدونات أراجيك

في مدونات أراجيك نتساوى جميعًا كقراء وكتّاب، حيث الكل يسرد قصته التي لمس منها درسًا مهمًا كان لابد من مشاركته مع الآخرين. لن نقدم لك نصائح أو معلومات أو أخبار، بل سنتلقى منك أيها القارئ العزيز تجاربك الملهمة في الحياة، والتي خرجت منها شخصًا جديدًا للعالم، وسنشاركك أيضًا تجاربنا لنتبادل المعرفة والفهم ونتعامل مع الحياة بشكل أنضج.

0

شاركنا رأيك حول "ماذا تعلمت من زيارتي القصيرة لبيت المرايا؟"