كيف أصبحت مدمنًا؟

1

تدوينة: مجهول

في البداية كنت أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي عندما يتسنى لي الوقت، بعد العمل، في العمل، بعد ساعتين من الدراسة، في انتظار أحدهم. تطور الأمر معي الى أن أصبح عندي تصفح الفيسبوك يأتي مثل حزمة مع أي نشاط أقوم بفعله، ليس على هوامش النشاط فقط، بل في داخله، أثناء جلوسي مع أصدقائي في المطعم، اجتماعنا في حديقة، أو حضورنا لمناسبة معينة.

بالرغم من ذلك لم أعتبر هذا الأمر عائق، أو سببا في مشكلة.

كنت بالتوازي مع هذه العادة (السوسة) أقوم بإنجاز الكثير من الأمور شخصيًا ومحيطيًا، أنجز دراسيًا و أجتاز فصولًا، أقرأ، أمارس عملي بكفاءة، أزور أصدقائي ويزورونني.. الى أن وجدت نفسي داخل أزمة حياتية، مشكلة كبيرة في العمل ترافقت مع مشاكل عاطفية وأزمة اقتصادية، ولدت هذه الكوكبة من المشاكل شعور احباط عظيم.
شعرت به بعدم وجود معنى من أي شيء أصنعه، فأنا محاط بجدران سميكة عازلة، وطريقي مليء بقطاع الطرق ولم يعد لدي طاقة لمواجهة مايجب علي مواجهته. وبما أنني أمتلك عادة التصفح قديما، تحولت من تسلية مفيدة، الى تزجية دائمة للوقت في ظل الإكتئاب الذي أواجهه، الأمر لاشعوري، شيء أمامك يخلق لك مهربًا من نفسك المحبطة، ومن تساؤلاتك التي بلا أجوبة، القلق الشديد، وحالة انعدام النوم، و الكسل، و الخمول، والشعور باللامعنى.

ماذا فعل التصفح؟

زاد كل شعور الى أقصاه، كيف؟… الإيغو الذي يملكه الناس لا يكف عن الظهور في أي مناسبة، أو منصة، والفيسبوك منصة تعريفية عن الذات، وانجازاتها، ومشاركة أفكارها. ونحن نعلم أنه من المفيد و اللائق مشاركة مايرفع من سويتك الاجتماعية ومايزيد من تقبل الآخرين لك، وعلى ذلك ماذا ستشارك؟ أحزانك؟ أم نجاحاتك؟
بالطبع ستريد أن تشارك نجاحاتك وانجازاتك، لتشرع الأبواب أمام الآخرين لمحادثتك و التواصل معك، والحديث عنك بالجيد، الأمر الذي يفتح لك أبواب عمل, ودراسة، و نجاح أكبر..

أما اذا كنت محبطا وتقوم بالتصفح؟ ماذا سيحصل؟

هذا ماحصل لي، أوقعت نفسي في شرك مقارنات لانهائية، على قدر ما أملك من أصدقاء، وصفحات، و إعلانات على حسابي… الأمر كان كارثيا. نحن نعلم أن الفيسبوك وغيره من مواقع الأخبار السريعة والمعلومة المبسطة، تقوم بتشتيت الإنتباه، حيث أن المتصفح خلال ربع ساعة من التصفح يمكن له أن يقرأ 20 منشور شخصي عن نجاحات (شهادات، صور في مناسبات، شروع في عمل جديد) أو أفكار شخصية تعتمل بال آخرين، 10 منشورات أخبارية حول العالم من سياسة، اجتماع، صحة، اقتصاد، 6 منشورات تحتوي على معلومات علمية، 10 منشورات إعلانية عن منتجات، 3 فرص عمل، 7 إعلانات عقارية، 2 منشورين فلسفة، فيديو عن لعبة الكترونية، فيديو لايف يعرضه أحد الأصدقاء، منشور لنتائج مباريات الدوري الإنكليزي، منشور عن تطبيقات اندرويد، ويرد على محادثتين أو ثلاث واتساب، و في الوقت نفسه يشغل أغنية في خلفية التصفح!

كيف يمكنك مطالبة هذا الإنسان بالتفكير العميق في شيء؟ أي شيء؟

مع الوقت ستنتبه مثلما انتبهت، الى أن يدي متعلقة بالهاتف المحمول بشدة، وكأنه عنكبوت، وأشعر بضيق في التنفس كلما أطلت الجلوس على الفيسبوك، أو الانستغرام خاصة، الأمر يصبح وكأنه خارج السيطرة. تترك الجوال بعد معاناة، وتقوم باشغال نفسك في أمر آخر، سرعان ماتشتاق و ينشغل بالك ماذا حدث؟ هل أتاني اعجاب؟ هل أتتني رسالة؟ ماذا يحدث في العالم في الخارج، لقد مللت سأتسلى قليلًا… وتعاود الكرة مرارًا وتكرارًا..

تتكرس حالة البلادة، واللافعل، وتتعاظم حالة المقارنة مع الآخرين الى الدرجة التي يمكنك معها أن تشعر أنك لاشيء، لا شيء تماما. الكل يمضي في حياته، الا أنت، مخبول تستهلك الأخبار.

ماذا ستفعل، لاتعلم. هل التصفح سيجعلك أكثر علما بحالك؟ أم أبعد عن حالك؟ ويكرّس سلبيتك؟ بالطبع سيكرّس سلبيتك وخمولك ويدفعك الى المزيد.. اذا كانت في حالة مشابهة، أغلق تطبيقات التواصل و ضع لنفسك هدف وان كانت لديك الكثير من الشكوك والأسئلة اتركها، ستأتي حلولها ديناميكيا أثناء اشتغالك.

سترى تحسنا في أدائك، وقدرة أعلى على التركيز في أفعالك، فقط خلال يومين من انقطاعك.. مابالك اذا استمريت بالإنقطاع؟ هذه ليست دعوة لمقاطعة مواقع التواصل، بل دعوة الى تجنب أن تكون هذه المواقع مهربًا أو ملهاة لأنها في الحقيقة هاوية تمزّق قدرتك على استجماع قواك، والتركيز في أمر بشكل عميق، وكيف لا وأنت في داخل الفيسبوك أشبه بحمام مقطوعة مياهه، كل من هب ودب يعلق، ينشر، ومن أي مكان، ومن أي منظور، فوضى عارمة تجعل عقلك يبتلعها طوال اليوم.

لك شيء في هذا العالم، فقم!

1