كيف نجحت في فك شفرة ابنتي؟

فهمت ابنتي
4

 تدوينة: دنيا علي السيد

تعرضت مثل كل الأمهات الجدد لصدمة الطفل الأول، إحساس التائه في الصحراء بلا ماء ولا طعام، حتى أن بعض الأمهات يتحدثون عن شعور يشبه الغرق من كم المسؤوليات المفاجئة والإجهاد في أشهر أطفالهم الأولى. مسؤولية كاملة عن إنسان من نقطة البداية لا يعرف شيئًا ولا يستطيع التعبير بشكلٍ واضح حتى بعد مرور سنوات، حيرة وخوف وألم جسدى ونفسي يسبب للأغلبية الانهيار وفي أحيان كثيرة الاكتئاب.

لم يخفف هذا الشعور المتناقض بالوجع والغضب وفي نفس الوقت الإحساس بالذنب الدائم تجاه طفلتي سوى القراءة والبحث عن كل ما نمر به معًا، وانصب كل شغفي بالحياة على فهم تلك الصغيرة التي لا يتعدى طولها سبعون سنتيمترًا تقريبًا، ودائمًا كنت أجد تفسيرات بل أبحاث علمية عن كل تطور يحدث لها بالتفصيل، فكنت أهدأ واطمئن أن لا حيلة لها في ذلك وإنها تمر بما يحدث لكل الأطفال في عمرها وعلي الأم الصبر و وإيجاد طرق لمرور الأمر بسلام.

عرفت في أولى أيامنا معًا أن هذا الصراخ المتواصل ليس تعذيبًا لي، وأن له الكثير من الأسباب التي تخرج عن إطار الشعور بالجوع والمغص أو الرغبة في النوم وقضاء حاجتها. قد يولد طفل بطبعه يخاف من الضوضاء فيبكي أو يحبها، يبكي من الصمت الشديد. قد يكون كارهًا للدفء المبالغ فيه وقد يكون محبًا له، قد يشعر بالخوف من هذا العالم الذى وجد نفسه به بلا استئذان، حتى مرحلة النوم التي تشكل أكبر أزمة للأمهات، فهمت من بعض المواد المترجمة أن الطفل يبكي حين يرغب في النوم لأنه لا يفهم ما يشعر به ويبكي عندما يستيقظ لأن هذا الإحساس يخيفه وليس لديه وسيلة للتعبير سوى البكاء، أي أن هذا الكائن لديه أسبابه الخاصة دائمًا ولكننا نجهلها فقط.

بعد انتهاء دوامة وصدمة العام الأول، اقتربت ابنتي من بلوغ العامين، ودخلت في حالة جنونية من نوبات الغضب والأنين المستمر، العناد الشديد والإصرار على أشياء غريبة رفض لكل شىء كانت تعتاده قبل ذلك، رفض لأنواع طعام كانت تحبها، توتر رهيب وحالة عصبية كلما التقينا بالأصدقاء والأقارب. كانت مرحلة صعبة ومرهقة وضاغطة عصبيًا، وكلما انهرت أمامها تزداد الحالة سوءًا. ذهبت أسأل الأمهات عن ما يحدث لها ففوجئت بمعلومة أن هناك مرحلة نفسية يمر بها الطفل عند اقترابه من العامين تسمى”terrible twos“، مرحلة يبدأ بها الشعور بأن لديه شخصية مستقلة يريد إثباتها، يريد أن يعتمد على نفسه وفي نفس الوقت يشعر بأمه تبتعد عنه مع الوقت؛ فيصاب بالخوف والفزع، يعي أن مشاعره تنمو وتتنوع من غضب وخوف…قلق ….إحباط لا يستطيع التعبير عنهم لأنه بالكاد يعرف بعض الكلمات ويصاب بنوبات من الغضب.

 منذ ذلك الوقت تقريبًا دخلت مع ابنتي في صدام كنت أظن أني سأصل إليه عندما تدخل مرحلة المراهقة مثلًا وليس بهذه السرعة، بين ما تريد هي وما أريدها أن تفعله، معركةٌ كل واحد منا يستخدم بها أسلحته من الصراخ والبكاء والعقاب، وأدركت أن تلك هي بداية المرحلة التي تشمر الأمهات عن سواعدهن بها لتقويم أولادهن ويظهر معها أدوات مثل ركن العقاب وأحيانًا “الشبشب”، نتفق في الهدف ونختلف في الطريقة، كلنا نريد النتيجة الجيدة، أطفال مهذبون أذكياء هادئون نريدهم أن يكونوا النسخة التي نرضاها نحن.

ولكن قد تسفر الطريقة عن نتائج عكسية تمامًا؛ العقاب المستمر ومحاولات التقويم الصارمة المحاصرة والمنع، أبواب الغرف المغلقة كلها، لم أجدها بكل وضوح وسائل فعالة بل بالعكس تزيد من عنادهم الذي يدفع الجميع للشكوى المستمرة والبحث عن طرق أخرى للعقاب فنسمع الجملة المشهورة “أنا جربت مع أولادى كل حاجة مفيش فايدة” وللأسف كل هذه الطرق التي لا تحترم عقل ومشاعر الطفل لا تؤدى إلا لنتيجتين: إما طفل غاضب عنيد غير مستجيب لأي توجيه، أوطفل خائف يطيع الأوامر  هربًا من العقاب فقط. 

مع الوقت وكثرة تأمل الأطفال والقراءة المستمرة لكثير من الكتب المترجمة التي تتحدث عن علاقة الأطفال بوالديهم في تلك المراحل الصعبة مثل”كيف تتحدث فيصغي الصغار إليك ويتحدثون فتصغي إليهم؟”، إديل فابر وإلين مازليش، وكتب تهتم بفهم ما يدور في عقل الطفل مثل “التهذيب بدون دراما” لدانيال سيجل والتي تعلي من أهمية مشاعر الطفل وكيف تشكل طريقة عمل عقله وتتحكم في تطوره وتعليمه. آمنت بحقيقة قد تكون بديهية لكنها غائبة بشكل كبير عن الأمهات بالخصوص في مجتمعنا، أن هذا الطفل هو إنسان كامل الشعور مثلنا ليس دمية ولا حيوان أليف نروضه أو نحاول برمجته كما نحب، لديه عقل نساعده نحن على تشكيل شبكاته العصبية الخاصة بالتعلم والتعاطف ومساعدته بحيث يتغلب على مشاعره السلبية التي تتضاءل بشدة عند إخراجها ومساعدته على إدراكها مثلما يقول دانيال سيجال في كتابه” Mindsight“.

 بالعكس تقر الدراسات ومنهج التربية الإيجابية ذو الشهرة الواسعة الآن أن طفلك لن يتعلم أو يتلقى معلومة منك بمعني أن يتأثر سلوكه  للأفضل، إلا إذا حاول المحيطون به فهم مشاعره وماذا يحدث داخل عقله،  الدوافع التي تحركه، وآمنت بفكرة أن كل خطأ منه هو فرصة لتعلم شيء جديد بالتجربة والاكتشاف لا فرصة لعقابه دون أن يتعلم شيء.

الحقيقة وجدت تلك الأفكار تساعدني أنا شخصيًا كثيرًا قبل أن تساعد ابنتي في تحقيق قدر من السلام النفسي، تجعلني  أكثر تعاطفًا واقترابًا منها، دون هذا الشعور بالهلع والنقمة عليها مما تمارسه على من ضغوط، وجدتني أجد مبررًا لنشاطها الزائد بسبب أنه مرت بضعة أيام لم تجد فيها الفرصة لتجري وتلعب وتقف، أتفهم إذا بدأت بالصراخ عندما تريد شيئًا بشدة، وعندما تحدث تلك الفوضى العارمة في المنزل رغبة في اكتشاف كل شىء، عندما تدمر بعض الأشياء لأنها ببساطة لا تعرف كيف تتعامل معها بشكل صحيح، تعاطفت مع رغباتها جميعها دون تدليل ودون كبتها بلا داعٍ لراحتي أنا فقط.

لا أجبرها على تناول الطعام ولكن امنع عنها فقط الأطعمة غير الصحية قدر المستطاع ليكون هناك مساحة للطعام الجيد، بدأت أتفهم مشاعرها إذا توترت من وجود أشخاص غرباء عنها وكانت في حالة مزاجية تفسد علينا وقتنا، وإذا انتزعت شيئًا من يد طفل آخر لأنها ببساطة مازالت تتعلم معاني المشاركة والاستئذان، أعرف أنها تشعر بالملل الشديد إذا رافقتني في كل ركن في المنزل وبدأت في مشاكستي، بالطبع هدوئي في بعض الأحيان وردود أفعالي غير المنفعلة تثير الآخرين ويتهمني البعض باللامبالاة وبأني أفسدها بهذا التساهل معها، والحقيقة أن تعليقاتهم وتدخلهم هو ما أصبح يشكل ضغطًا على ويشعل التوتر داخلي ويجعلني أتصرف معها على نحو لا يرضيني.

ببساطة الأمر يتلخص بأنها إنسان مازال يحاول أن يعرف ويتأقلم مع الحياة التي لا نزال نحن الكبار نتعلم فيها كل يوم وكل لحظة، كما أن المرحلة العمرية التي تمر بها لها خصوصياتها مثل كل المراحل التي نمر عليها على مر حياتنا، المنطقى أن نحاول نحن باستمرار أن نفهم منطق هؤلاء الصغار وأن نعلمهم بالطريقة التي لا تتجاهل مشاعرهم وأفكارهم فيها، ولا شك أننا سوف نخطىء ونصيب،  سوف نفقد صبرنا في بعض الأحيان ولكن يجب ألا ننسى الهدف الأساسي وهو تربية إنسان سوي يحترم أفكاره ومشاعره حتى يتمكن من احترام الآخرين وشق طريقه بينهم بسهولة.

4