دفاعاً عن المعنى

0

لم أكن أعتقد أن العدمية بهذه الدرجة مِن السوداوية والبؤس إلا عندما راسلني صديقي قبل بزوغ الفجر بلحظات مُتكلّماً عن مُنغصات حياته. وجهة النظر المُسبقة لدي عن هذا التوجه كانت محكومة بالرؤية المنطقية والأخلاقية. خصوصاً النقاط التي أشار إليها نيتشه وأسس لها، كمفهوم أخلاق العبيد والسادة وما ترتب عليه.

أما تأثيرها المُباشر وهالتها الأشبه بأثير البؤس المُنعكس على حياة الفرد اليومية، فلم أكن أراها صراحةً إلا في بعض المسلسلات الأمريكية التي يتقمّص البعض أدوار أبطالها. مِن نمط هاوس الطبيب العبقري الكئيب بسبب ذكائه وغباء من حوله. وريك العجوز السكير شبيه هاوس أيضاً.

لدرجة كبيرة، وبدون التطرّق لموضوع صحة وخطأ أي فكرة من الأفكار وتوجه من التوجهات. أرى أن «الأفكار النافية» للأيدلوجيات من نمط، الإلحاد: «نفي الإله» العدمية: «نفي المعنى» اللاحياتية: «نفي أهمية الحياة» واللاإنجابية: «نفي أهمية التكاثر» من غير السوي أن تناقش صدامياً على طريقة اليوتيوب المشهورة. تحت عناوين من عيار: 3 خطوات للتخلص من إيمانك وثلاث خطوات للتخلص من إلحادك. أو اللافتة الأخرى ذات شكل: عالم أعصاب يدمر العقيدة الفلانية. وعالم بيولوجيا يدمر النظرية العلانيّة، وهلمّ جراً على مصطلحات تدل على مدى بساطة مَن يأتي بها.

تدمير، نسف، خرق، حرق، «بعج».. إلخ. تشعر نفسك في ورشة للحدادة أو للصرف الصحي، وليس في نقاش فكري تخوضه انتلجنسيا مُعيّنة ما.

المهم في مثل هكذا نقاشات هو التشابك الفكري المعروف بالجدل. إذ أنّ كلمة جدل لا تعني الشجار بين طرفين كما هو معروف، بل تُشير لربط فكرتين مع بعض لتوليد معنى جديد، كما يُجدل الشعر مع بعضه. فليس المهم كسب الطرف الآخر وجلبه لصفك كي يضع لايك للفيديو أو المنشور ويضغط على متابعة، فتزداد بذلك الفكرة مُشجعاً جديداً -راجع تدوينة عقدة المشجع هنا– بل المهم أن تتضح الرؤية إن كان همهم أساسًا إيضاح الرؤى.

أن نعرف الفكرة الأخرى على الأقل قبل أن تقوم «بتدميرها» يا عزيزي، مع التحفظ على هذا المصطلح كما قلت مُسبقاً. ومن سخرية القدر أيضاً أن معظم مَن يريدون نسف أي فكرة وتوجه خصوصاً على الميديا الجديدة لا يدمرون أحداً. على العكس أصحاب التوجه المُستهدف الحقيقين غالباً ما يضحكون عندما يجدون ما يتبنون من توجّهات يُعامل بهكذا مصطلحات إقصائية.

تخيل أنك تحب الملوخية وتكره البامية. ترى فيديو من نمط: تدمير محبي الملوخية وإثبات خطأهم. غالباً أنت لن تعطي أهمية لهكذا أشياء. لأنها غير موجهة لك بقدر ما هي موجهة لأصحابها، بمعنى أن من سيراها ليس محب الملوخية. بل محبي البامية الذين يريدون فقط أن يتأكدوا أن الآخرين لا يزالون على خطأ!

كفى كلاماً بالعموميات لننتقل إلى شيء مِن التخصيص. أريد أن أوضح أن التدوينة فقط إثارة لملاحظات سريعة بدون تعمق. لأنه كما قلت دائماً وخصوصاً في دفاعاً عن الكتب. هكذا مفاهيم لا تناقش هنا وليس مكانها أبداً. بل فقط من باب محاولة طرح إضافات للتوجه العدمي يجب أن يتم أخذها بعين الاعتبار ليس إلا.

النقطة الأولى:

التشغيب الأوّل حول العدمية المعرّفة مُبسّطاً كفقدان للمعنى أو أن الحياة في صلبها بدون هدف، أمر مُتسق ظاهرياً لكنه ينطلق مِن مُقدمة منطقية خاطئة. فهو أقرب ما يكون لنتيجة صحيحة اشتقت من فَرض غير صحيح أبداً.

لنفترض التسليم بهذا التعريف، وأن الحياة بلا معنى. الآن نطرح تساؤلاً مهماً. لماذا افترضت أن الحياة في أساسها يجب أن تحمل معنى؟ أي أنك لو لم تضع هذا الافتراض منذ الأساس في عقلك، لما وصلت إلى نتيجة أن الحياة بلا معنى. أي أنك تحقق ردة فعل على فعل لم يحصل!

ليتضح الأمر أكثر دعنّا نجرّد الموضوع ونعود إلى فترة الطفولة. تخيّل أنك لم تُربى من قبل أهلك ولا من قبل توجهاتك الدينية والفلسفية والاجتماعية على أن هناك معنى يجب أن يحدث وراء كل فعل. هل كان بإمكانك أن تصبح عدمياً؟ لا. لأن ردة الفعل العدمية ناتجة مِن «الطفح المعنوي» الذي تم حقنه في الصِغر كخطأ تربوي قاتل. بمعنى أنه عندما يُربى الأطفال على أنك يجب أن تكبر لتصبح طبيباً وتصبح طياراً وتصبح مُهندساً وغيرهم، يكونون حينها بطريقة غير مُباشرة يزرعون داخل ذلك الفتى الصغير لغماً مؤقتاً سينفجر يوماً ما. أي أن العدمية ستكون ردة فعل على تضخيم المعنى بشكل عنيف في الصغر.

مثال آخر، تدخل إلى المكتبة وتشتري دفتراً لتكتب عليه. تفتح الدفتر وتجده مكتوباً ومليئاً بالكلام. ما هي ردة فعلك؟ مُطالبة الإنسان بمعنى جاهز مقولب يأتي مع طرد الحياة أمر خاطئ. الحياة دفتر الواجب في خطّه وملؤه يقع عليك. أما أنك تُريد دفتراً يأتي مكتوباً جاهزاً فهو كما قلت فيما سبق ردة فعل على فعل خاطئ من أساسه! على افتراض لم يصرّح به أحد أصلاً!

النقطة الثانية:

النقطة الثانية مُرتبطة بالغاية. السلوك الذكي هو السلوك الذي يهدف لتحقيق نتائج مُحددة بدقة مُسبقاً، مثل سلوك الهواتف الذكية تماماً، تُعطيها أوامر فتقوم بتنفيذها. بشكل مُباشر وصريحة وباتجاه واحد.

سلوكيات الإنسان أيضاً معظمها ذكية، لا سيما أنه الكائن العاقل أو الأعقل إن صح التعبير. فهو يدرس كي يحصل على شهادة ويعمل ويعيش. هو يتعلم أكثر ليفهم أوسع وبالتالي يحيا أفضل. يأكل ما هو صحي لتجنب التدهور المُبكر لأعضائه. وهلم جراً. كلها سلوكيات ذكية حتى لو لم تتعمد فعلها، إلا أن نتائجها صحيحة.

في موضوع العدمية تحديداً لا يمكن أن نصفها بالسلوك الذكي. لماذا؟ لأنه لو سلّمنا جدلاً بأن الحياة لا معنى فيها. نعم، سنسلم بهذا. لكن ما الفائدة؟ ماذا سأربح؟ هنا المعيار ليس صح أو خطأ. الحكم على التوجه بهذا الميزان أمر غير صائب. السوي أن نقول هل العدمية مفيدة أم لا؟

لا يعنيني أن تكون صحيحة أم خاطئة. تعنيني فائدتها. لماذا؟ لأن هذا هو أساساً تعريف السلوك الإنساني العاقل. السلوك الذي يتجه لتحقيق نتائج محددة.

«يمكن أن نقول أن العدمية أشبه ما تكون بالشذوذ بالوجودي، فهي قد تكون مُتسقة ظاهرياً لكنها سلوك غير ذكي. أي أنها لا تحقق أي غايات واضحة»

هناك سلوك عدمي ذكي هل تعلم ما هو؟ الانتحار. نعم نعم. رغم قساوة الأمر لكن فعلاً الانتحار سلوك ذكي لأن صاحبه يتجه لما وجده من نتيجة بشكل مباشر. حياة بلا معنى إذاً لا فائدة منها، إذًا لننهيها. هذا فعلاً سلوك ذكي. لكن أن تؤمن بعدم وجود معنى وتعيش على مبدأ العدمية الإيجابية كما تسمى، أي أنه ليس لديَ شيء لأخسره دعنا نعيش. فهذا ما سيقودنا للنقطة الثالثة.

أقسام العدمية:

تُقسم العدمية لنوعين: الأوّل معروف باسم العدمية الإيجابية. وهو أن تؤمن بلا معنى للحياة لكنك لا تتوقف على مستوى الفعل. أي أنك تدرس وتعمل وتستيقظ وتمارس اطراح الفضلات كل يوم بانتظام، لكن بدون إطار لديك يجمع كل هذه الأمور ويبلورها ضمنه. النوع الثاني وهو الأشد المعروف باسم العدمية السلبية، وهو التوقف على مستوى الفعل.

أي أن الحياة بلا معنى فلا تقوم أساساً بالفعل لأنك مؤمن بلا أهميته، فلا تدرس ولا تعمل ولا تستيقظ. وغالباً في النهاية المصير المعروف لدى الجميع.

سنغض الطرف عن السلبية لنتحدث عن الإيجابية لأنها الأكثر انتشاراً. المشكلة مع العدمية الإيجابية هي مشكلة أخلاقية. نعم الحياة بلا معنى إذن لألعب لعبتي بالطريقة القاسية كوني لن أخسر شيئاً. أليس هذا هو الأثير السائد عند محاولة الاقناع بالعدمية الإيجابية؟

المشكلة أنه هنا تماماً يتم إعدام الأخلاق. اختصار العدمية بتعريف لا معنى للحياة أمر مخل جداً لأنها مُشكلة فلسفية أخلاقية أكثر من كونها مشكلة وجدانية لها ارتباط بعلاقة الإنسان مع العالم والحياة بأسرها.

أن تلعب الحياة بقوّة لأنه ليس لديك ما يُخسر هو مُبرر لفعل أي شيء. مثلاً، تيد باندي سفاح النساء الشهير يمكنه أيضاً أن يطبق هذا المبدأ كونه لن يخسر شيء ولن يحاسبه أحد. العبثية الأخلاقية وعدم الالتزام بضابط معياري للأخلاق يضع التوجه العدمي كله على المحك. وهي النقطة التي أثارها نيتشه تكراراً.

«إن لم تستطع أن تأمر، فيجب عليك أن تطيع» – نيتشه.

لذلك تجد نوعاً من الحقد في الوسط الفلسفي على فريدريك نيتشه. لأنه الفيلسوف شبه الوحيد الذي أثار هذه النقطة ودعا إلى سحقها. فكرة العدمية الأخلاقية وهدم معيار القيم، ومن ثمّ قيام الإنسان المتفوّق الذي يضع الأخلاق بنفسه على مقاسه.

الخلاصة:

كتكثيف للنقاط السابقة يمكن قول التالي: العدمية ردة فعل على تضخيم المعنى أكثر من كونها ردة فعل على وجود معنى أو لا. والحكم بأصحية أو خطأ توجهاتها أمر غير صائب لأن المعيار هنا مدى فائدة السلوك وكمية ذكائه. فلربما الكثير سيرغب في أن يختار توجهات غير مقبولة أو دعنا نقول خاطئة إلا أنها مفيدة له في حياته.

حالة شبيهة جداً بأن يأتيك أحد بهدية للمنزل خلّاط ياباني ليس له مثيل. ويقول لك أن هناك مشكلة واحدة به. ما هي؟ أنه لا يعمل في منزلك!

لا لا، أنا أريد خلاط عادي أو ليس متفوقاً جداً. لكن على الأقل يعمل لدي!

نفس الأمر مع فكرتنا. لا يهم إن كانت صحيحة أو خاطئة لأن طريقة صياغتها المنطقية مِن أساسها معطوبة. المهم أننا بحاجة لفكرة ذكية تعمل لدينا كوننا نصنف الكائن الأعقل. وقد نضطر في بعض الأحيان أن نتنازل عن الدقة والجودة فقط في سبيل ما يتماشى معنا وينفعنا كنوع بشري.

0