رحلة الألف ميل التي ضاعت بخطوة

5

تدوينة: عبد الرحيم طرفاني

قد نعجز عن إيجاد اثنان يتفقان اتفاقًا تامًا عن ماهية الغباء البشري أو ما الذي يجعل فكرة، شخصًا، أيديولوجيا ما غبية… لكنها واضحة على أرض الواقع، كالنجوم في السماء لا يخطئها البصر.

الغباء أمر مركب ومعقد يقوم على تفاصيل وصفات صغيرة منها التسرع وهو الشروع في عمل ما قبل التأكد من قدرتنا الحالية على إتمامه، لا يملك المتسرع خطط محكمة، كل ما بحوزته مجرد أضغاث أحلام يداعب بها نفسه في الأمسيات المملة دون أن يبدي أي إستعداد لبذل الوقت والمجهود اللازم لترجمة تلك الأحلام للغة الواقع، عبر أفعال مدروسة بخطوات واثقة.

وبما أن التسرع جزء من الغباء، فلا بد من أن يكون التريث والتمهل في إتخاذ القرار ، والبحث المطول هو لب الذكاء وعين الصواب، أو على الأقل هذا ما نخبر به أنفسنا.

بات معنا في عصرنا السريع هذا كمية مهولة من المعلومات بخصوص كل شيء، وبات بإمكان أي كان أن يصل إليها بسهولة، علوم الأولين المسطورة على المجلدات أضحت على بعد نقرة، والكورسات والمقالات المطولة والتفصيلية التي أفرغ أصحابها خبراتهم فيها تنتظر من يتقدم لينهل، مع كل هذا الزخم أصبح التعلم الدائم فرضا وواجبا على كل راغب في النهوض بنفسه، ولا يحق لأي طالب تغيير أن يسعى لمبتغاه بعيدا عن المكتبة، لكن ..

مشكلة الإنسان الأولى أنه لا يلتزم بالحدود أبدا ولا يعرف وسيلة للتوقف وهنا يكمن الخطأ، فإذا كان التسرع إبتعادا عن جادة الصواب فكذلك حال المماطلة وإن ألبست ثوب التحري والبحث. والساعات التي نقضيها في تعلم ما يفيد وما لا يفيد بدعوى التزود لرحلتنا وأننا بفعلتنا هاته نتحصن ضد عقبات الطريق إنما هي جزء من هاته العراقيل ،عملها فينا يشبه عمل المخدر إذ يلهينا عن العمل والفعل، ومهما قرأ المرأ عن البحر فإنها وحدها الأمواج التي ترسم داخله معناه وكذلك الحال عند كل تجربة بحلوها ومرها، بمدها وجزرها.

والتعلم المبالغ هو موضة هذا العصر وآفته، جعله الناس جدار عازل يمنعون به أنفسهم عن العالم الحقيقي ليسكنوا إلى راحتهم دون شعور بالذنب، يواسون أنفسهم بأن يخبروها: ”ما زال الوقت مبكرًا، لا عليك“ لم يصبهم بعد القول التالي: المجد لمن سعى، لا لمن سكن.

هل أعني بهذا أني ضد العلم والتعلم الدائم؟ ما من رجل سوي كان لينفر عن العلم وإنما قصدت بكلامي أن الفرد، مثله مثل المجتمع، لا نهضة له إلا بالعلم النافع، وأقول أن داخل كل واحد منا زهور متعطشة للعلم تزهر بمن سقاها، ولكن أتم كلامي فأقول: إنما العلم ما نفع، وأشد الكذب وطأة هو كذب المرأ على نفسه حين يطفأ لهيب حرقتها عبر مواساتها بأحلام يقضة لا تسمن ولا تغني من جوع، وبدل أن يشمر على يده بعد أن أجتمع له ما يغنيه عن سواه، يواصل بحثه حتى يدمي حلمه، ولماذا؟

لأنه رسم داخل عقله العشرات بل المئات من المعيقات يبثها كالسم في خياله فكانت العثرة قبل أن تبدأ رحلة الألف ميل حتى، حال أحلامه والعلم شبيه بالنبتة/الحلم التي تسقى بالماء/العلم حتى ترتوي فيأبى صاحبها إيقاف السيل حتى تصاب بالغصة ويكفن الحلم ليرقد للأبد، بل أزيد فأشبهه بدمشق حينما يقول عنها نزار:

“دمشقُ دمشقُ.. ويا طفلاً جميلاً من ضفائره صلبناهُ، جثونا عند ركبته.. وذبنا في محبّتهِ، إلى أن في محبتنا قتلناهُ..”

وتماما مثل دمشق تموت أحلامنا العذراء إذا ما عجزنا عن انتشالها من برجها العالي ولا يبقى عندها أمامنا سوى الأطلال، لنبكي بكاء الجاهلية!

والحل؟ بسيط وواضح وضوح الغباء. طالما أن القليل من الدواء فيه علاج لنا وفي الإكثار منه إدمان هو أصل الداء فهاته دعوة مني للتفكر في حلمك، هل هو حقًا صعب مثلما تحسبه ويحتاج تريثًا وتمهلًا وحذرًا، إذا كان كذلك فلا تبالي بما قرأت وأذهب وأنهل من كل ما أمكن وأسعى إن شئت للكمال، أما إذا كان عقلك لا حلمك هو المشكل فأقول لك ما قاله جون ماينارد كينز:

عندما تتوضح الحقائق أغير أفكاري. أخبرني سيدي، ما الذي تفعله أنت؟

أتغير أفكارك أم تراك تغير الحقيقة.

5