رسالة إلى من لا يهمه الأمر

2

هذه الورقة وجدتها داخل كتاب قديم عن الأدب العربي القديم مكتوبة بخط اليد، ولم أتردد في مشاركتها معكم، لأنها تحوي مشاعر مختلفة مؤلمة ومبهجة في نفس الوقت، أصابت قلبي بالتوتر نوعًا ما، فوجدت عيني تدمع والابتسامة تنير وجهي في لحظة واحدة، فشعرت أن مشاركة رسالة صديقتي من العالم المجهول هي أقل ما يمكن أن أقدمه تقديرًا لمشاعرها وقلبها الطاهر، سأترككم مع الكلمات الذهبية للرسالة التي لن تندموا يومًا علي قراءتها.

“أتممت اليوم ثمانين عامًا، عادة في هذا العمر؛ يفتقد الكثيرون أيام الشباب، إلا أن الأمر مختلف معي تمامًا، فأنا لا أشتاق إلى أي من أيامي السابقة، ليست لأنها كانت حياة قاسية وبائسة، وليس لأني كنت المغامرة التي لم تترك مدينة أو فكرة إلا ونفذتها، أنا أتذكر أنني في كثير من الأوقات كان خياري أن أمكث في غرفتي، بعيدًا عن دوشة العالم الخارجي، وأتذكر أيضًا أني كنت أفضل الذهاب إلى كثير من الحفلات والمهرجانات، وأنني كنت أذهب إلى بلاد كثيرة ومختلفة لأرى العالم بأعين أخرى.

والأمر مختلف معي أيضًا في تذكري لتفاصيل حياتي، فكل ما قرأته في الروايات والأفلام، أني سأرى حياتي في النهاية كأنها شريط من الصور المتتالية، أمر لا يحدث معي إطلاقًا، فأنا أتذكر فقط شعوري تجاه تفاصيل حياتي المختلفة، لا زالت أذكر شعوري باليتم وفقدان الأب والسند الذي عرفته قبل أن أعرف كيف أتكلم وأعبر عما بداخلي، ولكن لا أذكر الكثير من طفولتي ولا أعلم ما السبب؛ ربما شيخوختي أو ربما كان شعور اليتم وفقدان الأب يحوي من الألم والمشاعر ما يكفي لطفولتي، لكنني أذكر مرحلة المراهقة وشعور الخجل الجميل الذي كان يمتلكني من الجنس الآخر، كانت مرحلة ناعمة مليئة بالمشاعر الرقيقة، كانت مخيلتي تصور لي أن العالم كان يحاول أن يضع لمسة لطيفة لمرحلة المراهقة؛ لكي أنسى طفولتي المؤلمة نوعًا ما.

ربما مرحلة شبابي أخذت نصيب الأسد من مشاعري، فأنا أذكر شعوري جيدًا في أول يوم ذهبت فيه  إلى الجامعة، كان شعوري مختلف عن صديقاتي تمامًا؛ فمن هن من كانت سعيدة بالحياة الجديدة ومن هن المضطربة القلقة، أما أنا فشعوري كان مجموع مشاعرهن كنت سعيدة قلقة مضطربة حزينة لعدم تحقيق رغبة أمي في دخول جامعه أخرى، أشعر بالرهبة من عالمي الجديد وأشعر بالانتصار لاختياري مجالي المفضل، وبعد الجامعة مررت بمرحلة العمل ولكني عرفت في هذه المرحلة شعورًا واحدًا وهو فرحة الإنجاز والسعادة الممزوجة بالسعي، ولا أذكر كثيرًا من المشاعر في هذه الفترة لسبب لا يعلمه إلا الله، لكن أذكر مشاعري في الفترة التي تليها، فشعوري عندما قابلت زوجي أو كما أدعوه دومًا رفيق الأمل والألم، كان مختلفًا عن الروايات فلم أشعر أن قلبي يرقص فرحًا، ولم أشعر بالخوف أيضًا من حبي الجديد والحياة الجديدة، لكني شعرت شعورًا غريبًا نوعًا ما، يشبه شعور القهوة في حياتنا؛ التي تأتي في الصباح لتفتح أمامنا الطريق لنملأ الكون عملًا ونشاطًا، وتأتي في منتصف اليوم لتعطينا قسطًا من الراحة عن العالم بأكمله، وتأتي في نهاية اليوم لتضع حدًا لصراعاتنا الداخلية وتفكيرنا المشتت، ولم تتركنا حتى في يوم العطلة أو المناسبات أو حتى لحظات الحزن، هكذا أتذكر شعوري نحو أيامي مع رفيقي وزوجي أتذكر شعوري أيضًا عندما أصبحت أم، هذا الشعور لم أشعر به يوم ولادتي إلى ابنتي الكبيرة ولا ابني الصغير، هذا اليوم كان عندما أصيب كلاهما بالحصبة الألمانية، لا زلت أذكر شعوري في هذا اليوم واستغرابي من مشاعري الجديدة، فكان من الطبيعي أن أشعر بالحزن أو القلق ولكن الجديد أنني كنت أشعر بتأنيب الضمير، أشعر أنني لم انتبه جيدًا لهم فأصابهم هذا المرض اللعين، ولم يهدأ قلبي حتى بعدما أخبرني الجميع أنه لا ذنب لي في ما حدث، هنا لأول مرة عرفت مشاعر الأمومة، ربما عرفتها في وقت متأخر عن الأمهات أو أنني لم ألاحظها جيدًا لكن هذا ما حدث معي.

بعد مرحلة الشباب والرحلات الكثيرة والأحداث الاجتماعية في هذه الفترة، انتقلت إلى مرحلة أخرى وهي أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعين من عمري؛ هذه مرحلة لا تحوي مشاعر مختلفة لا أذكر فيها سوى مشاعري تجاه موت أمي، كانت مشاعري في هذه الفترة متهتكة بدرجة كبيرة فلم أجد الوقت لأحزن على وفاة معلمتي الأولى لماهية الحياة، كل ما أذكره أن هذه الحياة لم تعطني الفرصة لأحزن واستعيد قوتي، فكان زوجي ينتظر مني أن أشاركه نجاحه وتقدمه الوظيفي بسعادة، وأولادي ينتظرون مني أن ابتسم لهم في صباح اليوم التالي؛ ليملأ الأمان قلوبهم لمواجهة العالم، ولكن مرت الأيام والشهور والسنين وكما لم تعطني الحياة وقتًا للحزن؛ لم تكن بخيلة وتركت لي مرض السكري حتى لا أقول يومًا أنها لم تؤرخ لي هذه الحادثة.

أحدثك اليوم وأنا مررت بفصولي الأربع، فالشتاء جاء بقوته وعصف بوجداني يوم فقدان أمي ويوم هجرة ابني ويوم مرض أخي الكبير ويوم إصابة زوجي بآلزهايمر؛ الذي لم يعد قادرًا على التعرف على وجهي بين الكثيرين وجاء الصيف ونسمات البحر التي تداعب قلوبنا بالبهجة والأمل يوم ولادة حفيدي الأول وسهرتي مع أسرتي نشاهد فيلمًا جديدًا من تأليف ابنتي وجاء الربيع بلمسته العطرة علي قلبي يوم زفاف أبنائي ورجوع أخي من سفره البعيد، ولم يبتعد الخريف كثيرًا عني فجاء في كل الأيام الرمادية التي تساوى فيها العقل مع القلب؛ في الشعور بالحيرة والفرح معًا، كيوم هجرة ابني الصغير وحزني لفراقه وفرحتي لنجاحي وتوليه منصبًا هامًا في أكبر جامعة على مستوى العالم.

اصطحبتك معي يا عزيزي خلال رحلة مشاعري هذه؛ لتعرف لماذا لم أندم على أيام شبابي، لأنني ببساطة اخترت كل تفاصيلي بإرادتي، فأنا من اخترت طريقي بنفسي، أنا من اخترت هذه الجامعة البعيدة التي أخذت الكثير من المجهود الجسدي والنفسي، أنا من اخترت زوجي الذي راوده التفكير في مرحلة ما من حياتنا الزوجية أن يتركني وحيدة، ولو عاد بي العمر سأختار نفس الطريق فكما تذوقت مرارة الألم تذوقت الفرحة يومًا بعد يوم، لم تنتهِ الحياة بعد ولم تنتهِ مشاعري ولن تنتهي حتى أقرر الندم على حياتي السابقة أو أغمض عيني ذات يوم لأبدأ في رحلتي الأبدية، واخترت لك هذا العنوان لأنه ربما عندما تقرأ هذه الرسالة ستعترض علي هذا الفكر ولن تهتم لأمرها، لكني على ثقة أنك في نهاية العمر ستفهم قصدي جيدًا، وستتعرف على السبب وراء مشاعري المختلطة والتائهة نوعًا ما”.

 

2