أنا أيضًا أتغير يا أولمان

كتب أتغير
4

أقرأ كتاب “أتغير” للممثلة النرويجية ليف أولمان، عادة قديمة في قراءة كتب السير الذاتية للشخصيات المفضلة لي، نوع من التلصص المشروع على حياة آخرين بإرادتهم الشخصية.

لكن منذ الصفحات الأولى أشعر أن تلك السطور ليست فقط مجرد تلصص على حياة أخرى، بل كلمات تخاطبني أنا على الأخص، تقول لي الصفحة بعد الأخرى لست وحدك.

“في البدء جاءت الوحدة”

بدأت حياتي الواعية بالوحدة، كنت طفلة تفكر طوال الوقت، تفكر زيادة عن اللازم، لا تستطيع أن تترك شيئًا دون أن تحلله بصورة تبدو أكبر من سنها.

أكسبني ذلك اعجاب البعض، وكراهية البعض الآخر الذي رأوا في فهمي لأفكارهم وقاحة، وفي نظراتي الناضجة سفالة تفوق سنوات عمري.

لازمتني الوحدة صغيرة، نضجت معي خطوة بخطوة، ألفتها وأنا بين أقرب الأشخاص لي، فلم تعد موحشة، بل تعلمت أن أحبها.

ربما كانت تلك الخطوة الأولى فيما اسميه “علاقتي المثالية بنفسي”، فقد آمنت أن أقرب شخص لي هو أنا، وكل العلاقات الأخرى على قربها ليست بهذه الحميمية، لذلك لو كان عليا الاختيار بين احترام ومحبة الأخر ومحبة احترام  نفسي لاخترت الأخيرة بكل وضوح وصفاقة وأنانية لو أردت أن تقول ذلك.

لسنوات طويلة لم يدعمني شخص إياي، رغب الكل في تقويم هذا الكيان المعوج، ولم يفهموا أن هذا ليس اعوجاجًا في حد ذاته ولكن فروع شجرة تجد طريقها الخاص للوصول للشمس.

“أنا كذلك أتغير يا أولمان”

التغيير هو سمتي الأساسية الثانية بعد الوحدة.

أتغير طوال الوقت، لا أعرف هل أتقدم أم أتأخر، لكن من المؤكد أن تلك لست أنا من عشر سنوات، ولا من خمسة عشر سنة.

مع كل عام تتساقط أوراق قديمة، وتنمو جديدة، لكن على عكس الشجر، تلك الجديدة تظهر كل مرة مختلفة، فأبدوا إنسانة أخرى.

منذ سنوات اكتشفت أن لدي القدرة على اتباع شغفي واكتشافه حتى النخاع، ولكني ملولة، أعرف ما أريد، أصل إليه أو لخطوات واسعة منه، وأرغب في التجديد، أخاف القولبة والاستمرار والأيام المتشابهة.

لذلك بعد انتهاء الموسم وتساقط الأوراق القديم “أتغير”.

لكن بت أخاف هذا التغيير، أخافني، أخاف قدرتي على إسقاط أشياء كانت أساسية من حياتي عند اللزوم في سبيل أشياء أخرى.

أنا مضطرة لذلك، فلا الوقت ولا إمكانياتي الشخصية تمكنني من الحفاظ على كل الاهتمامات والأشياء والأشخاص في ذات المكانة طول الوقت.

عمليات من الإبدال والإحلال والتراجع والتقدم دائمة.

بخطوات بطيئة أحيانًا وسريعة أحيان أخرى تسقط الأوراق وتظهر أخرى، وعندما أنظر حولي وألاحظ ما تساقط لا أحزن عليها بشكل خاص، ولكن خوفًا من فقدان شيئًا ثمينًا يومًا ما في أحد أطوار التغير.

“أنا أعلم ما أحب .. وما أحب يعلمني وتلك المسألة”

أترك العمل المتراكم، والمواعيد النهائية، وتوقعات المديرين والزملاء لأكتب تدوينة لا طائل من ورائها سوى طاعة تلك التي في صدري تبغى الحديث.

كانت دومًا موجودة تحتلني، كنت طفلة تشغف بالأوراق الخالية والأقلام، تعلمت من وحدتها وعدم ثقتها في الآخرين أن تلك المساحات الخالية ليست فقط خير صديق، ولكن كذلك أمنهم جانبًا، ومستمع دائم لشكوك مبتذلة ساذجة.

كل مرة قبل الكتابة وبعدها أشعر أن هناك أفضل، تنتابني الشكوك كأنني مبتدئة وعلى الرغم من مديح الأصدقاء أبقى متشككة حتى أقرأ سطرًا يعجبني فيما كتبته يشفي غليلي.

لكن لا أستطيع تجاهل نداء تلك التي في صدري لو حضرت، سواء كنت سأكتب شيئًا يستحق القراءه أم لا، فالفعل نفسه هو أنا.

لذلك كلما خفت “التغير” علمت أن هناك من تكبر وتنمو وتنضج وتتغير لكن لازال لديها حقائق ثابتة.

أنا أتغير يا أولمان وضميري أحيانًا يعذبني لأني أحب هذا التغير بشدة، لأني أحبني رغم أني أسقط البعض من حساباتي أحيانًا وأتجاهل اهتمامات قديمة أحيانً أخرى.

أنا أتغير ولا أعلم إلى أين ذاهبة، ولكن لو علمت لمت الآن بمحض إرادتي، فذلك الخوف والقلق والاحتمالات اللانهائية هي الدافع الأهم لي في الحياة.

4