بيني وبينك

تدوينة مشاعل
2

في مُعْتَرَكِ الحياة الماديّة التي نعيش فيها اليوم، وفي وسط ثقافة البيئة السعودية تعيش “قمرا” في صحراء “نجد” الذهبية مع أسرتها على مقربة من قرية نائية، تكاد تكون مهجورة. لم تعرف “قمرا” الكثير عن الوسط الاجتماعيّ الذي تعيش فيه؛ بسبب البيئة والعيش الذي جعلها تعيش في شبه انعزال عن العالم وما حولها.

“قمرا” بطلة أقصوصتنا جريئة، ومغامرة، تستكشف وتبحث دائمًا عن الأجوبة لأسئلتها، وفي يوم من أيام الصيف الحارة، وعند بدء الإجازة الصيفية وانتهاء الدراسة، قَدِمَتْ قبيلة من قرية مجاورة -ولأول مرة- للبحث عن مكان آخر، وللهجرة لمكان أفضل.

كانت عائلة “قمرا” إحدى المحطات التي توقفت عندها تلك القبيلة لتشقَّ طريقها باتجاه شمال المملكة، حطَّت القبيلة متاعها بعد السلام والاستئذان بالجلوس لمدة يوم واحد للاستراحة؛ لإكمال رحلتهم في الغد، كانت القبيلة ثلاث عائلات من بَنِي عمومة واحدة، يعيشون سويًّا متنقلين؛ بحثًا عن الماء، والهواء النقيّ، ومصادر الغذاء الطبيعية. ولأول مرة تتوقف فيها قبيلة، وتصطدم “قمرا” بواقع الحياة الاجتماعية هنا.

كانت “قمرا” تجتاحها التساؤلات، لماذا قد يفصل أبي مجلسنا عن مجلس الرجال؟ ولماذا لا يدعني أبي أشاركهم المجلس أثناء الطعام؟ كانت تفكر كثيرًا، وأثناء إعداد أمها العشاء لنساء ورجال القبيلة، طلبت أمها منها البحث عن مجموعة من الحطب؛ لإضافة المزيد من أصناف الطعام على العشاء؛ ذهبت “قمرا” مسرعةً بحثًا عن مصدر لإضرام النيران، ولكن فجأة اصطدمت بجدار بشريّ كان أضخم منها بكثير! سيف ولد القبيلة الرحالة، كان ذلك الشاب أشعث الشعر، ضخم البنية؛ اعتدلت “قمرا” قائمة، وهي تحاول نفض الغبار عن وجهها بعد الحادث.

قالت غاضبة: ألم تحاول مجرد المحاولة أن تفتح عينيك جيدًا؟

رد سيف بنفس لهجتها مخاطبًا: الحقيقة أنني حاولت، ولكن لم أكن مصدقًا ما أرى!

قاومت رده قائلة: إلهي، ارحمني، أنا لستُ مخلوقًا قد نزل من السماء للتوّ!

رد عليها سيف مخاطبًا: لم أكن أقصد ذلك، ولكنني كنتُ مستغربًا؛ فالنساء عندنا لا يخرجن عادةً لقضاء الحوائج.

أخذت “قمرا” نفسًا طويلًا، وهي تحاول استجماع قواها، لكن أفجعها ما سمعت: اعذرني أيها الغريب، أنا لا أملك وقتًا حتى نتسامر ونقضي وقتًا هنا، أتمنى لو أن تبحث لي عن مجموعة من الحطب بدلًا من هذا الهراء الزائد!

سريعًا تحول وجه سيف للون الأحمر الداكن، وكاد أن ينفجر غاضبًا لولا أن تمالك أعصابه قائلًا: أظن أنك جريئة، وتتجاوزين الحدود معي يا امرأة، أنا لستُ هنا مُخَوَّلًا حتى بتقديم المساعدة لكِ، أظن أن صحراءكم هنا لم تُحسن تربيتك على أكمل وجه!

انفجرت “قمرا” ضاحكة: ومتى كانت هذه الأرض المسكينة لها ذنب بما يحصل معنا الآن؟! أشاح سيف بوجهه بعيدًا قائلًا: هيا ارحلي قبل أن تكثر عنك الأقاويل، وتتلبّسين بجريمة لا تنتمي لكِ، ويُقال: كانت، ولكم يكن!

توقفت “قمرا” لحظة، وهي ممسكة براحة يدها على فمها: أمَّا أنا فأتساءل عن العالم الذي جئتَ منه، وجعلك غبيًّا، جاهلًا، مثيرًا للشفقة، ولم تَرَنِي سوى قطعة جسد بلا عقل أمامك.

ردَّ سيف مغتاظًا: يبدو أنك معتادة على المواجهة مع الجنس الاخر، كما تملكين جرأة الحديث معي. ردت “قمرا”: هل أصبح مجرد الحديث معك معصية؟ لا، بل ربما تعُده عارًا عند قبيلتك، لا بأس، لقد التقيت بي من العالم الآخر الذي لا يُلائم معيشتك، على أي حال ستقضي أيامك هنا مُجبرًا لا مختارًا، حبذا لو تعتاد على ذلك، بل يجدر بك!

توقف سيف لبرهة مُتَسَمِّرًا بوجه خالٍ من أي تعابير، أكملت “قمرا” حديثها قائلة: نعم، لديَّ ما أود إضافته أيضًا، يفصلُنا عن بعضنا الآن مسافة المبدأ والعار والخطيئة التي تتحدث عنها، يتطلب الأمر مبادرة واحدة فقط!

رد سيف وكأنهُ يسمع كلامًا بلغة أخرى: ماذا تقصدين؟ ردت “قمرا”: لا شيء، سَتُعَلِّمُكَ المواقف لاحقًا.

وقبل أن تستدير “قمرا” تمامًا وتغادر المكان؛ أنهت حديثها قائلة: عليك أن تعتاد الاختلاف، ووجودي هنا، ستراني أحوم في الأرجاء كثيرًا، لا تخف مني بقدر ما تخاف من نفسك.

2