قليل من الذكريات المصبوغة بالقلق الاجتماعي

القلق الاجتماعي
3

تدوينة: مادلين أوكيان

لا أتذكر كيف وصلت إلى المسرح وأمام الميكروفون. كل شيء تلاشى من ذهني، كل الصور فيه مشوشة.
يبدأ جسدي بالارتجاف، رغم أننا في الربيع. دقّات قلبي تتسارع بمعدّل يبدو واضحاً أنه غير طبيعي. أرى وجوهاً… الكثير من الوجوه التي تستهجن وجودي، وترافقها أصواتٌ غير واضحة، فيقنعني عقلي أنها تعليقات ساخرة من الحضور.

أبدأ بالتعرّق. تنقلب الدقائق لساعات، وكل شيء يفقد توازنه، تتمدد الأبعاد وتتقلّص. تبدو اللحظة سريالية.

“أريد الهرب” … “أريد الهرب. لو أنني أختفي”.
هذا كل ما يُسمعني إياه الصوت الغريب بداخلي.
كيف أهرب من قاعة مليئة بالعيون المحدقّة نحوي؟

أسمع الصوت مجدداً: “يعرفون كم أنك غبية. لقد لاحظوا توترك. اهربي!” أفكر “ليس مجدداً”. لكن لا شيء يتغير.
لا أجد سبيلاً للتخلص من الموقف. كل شيء يبدو أثقل مما أستطيع تحمّله، فأبكي. أبكي قليلاً وأهرب للكواليس.
أعود إلى المنزل مع خيبة جديدة، وإحساس خانقٍ بالفشل.

هذا السيناريو عشته مراراً خلال سنوات دراستي. لم أستطع حينها إيجاد المصطلحات التي تساعدني على فهم “غرابتي”. لم أعلم بوجودها حتى، ولا أحد شكك بمعلوماته والبحث عن أسباب لتصرفاتي غير كوني “غريبة الأطوار”. حتى أنا -ربما- لم أكن لأجد العزاء حينها باعتبار الأمر اضطراباً.
حين بدأت البحث عن الأعراض، وسماع تجارب غيري، تكرر مصطلح القلق الاجتماعي كثيراً.
أخيراً، كلمتان تبرران “غرابتي”. كنت سعيدة باكتشافي هذا، وشعرت بأن الحياة الآن ستصبح حياتي أسهل، ويفهم الناس تصرفاتي… إلخ.

كنت حالمة أكثر مما يجب، أكثر من المعتاد لشخص يُتهم بالواقعية عادة. ففي اللحظة التي شاركت المعلومة مع أصدقائي جرفت أحلامي سيل الضحكات التي صدرت منهم. لسبب ما، لم يكن الأمر جدياً بالنسبة لغيري؛ بالنسبة لمن اعتاد نسج الأحاديث بسهولة، لم ترعبه المكالمات، لم يملك صوتاً داخلياً ينتقد كل كيانه، لم يقنعه عقله بأن كل الأحاديث في الشارع هي سخرية منه، لم تخنقه المناسبات الاجتماعية…

تحتاج لبعض الوقت، والقليل من العلاج من مختص، لتقتنع أن الآخرين لن يفهموا دائماً كون الأمر خارج إرادتك. ليس سهلاً على الجميع تفهّمك. ولست مضطراً لتكون مصدر معلوماتهم وموجّههم. تذكّر أنك مسؤول عن راحتك وصحتك النفسية، فقط.

3