هل تريد أن تكون قالبا مثلهم

هل تريد أن تكون قالبا
8

تدوينة: يمنى معوض

هذه ليست تجربتي الخاصة إنما حربي ضد كل الذين حاولوا أن يثبتوا لي أن الخروج عن الطريق المعتاد هلاك وضياع وقت.

أنا أكتب من سن الثامنة تقريبًا خطابات إلى جدتي المتوفاة والتي أقنعتني والدتي أني بهذه الوسيلة أستطيع الوصول إليها، ومنها عرفت والدتي أني أملك موهبة الكتابة، وانطلقت من حينها ولم أتوقف حتى الآن. وصلت إلى الثانوية العامة وحصلت على نسبة 99% التحقت بسببها بكلية الصيدلة “كنت أحبها”، ولكني منذ اول يوم دخلت فيه، شعرت أني حصلت على فرصة لممارسة موهبتي في النور، شعرت أني جعلتها تنتظر طويلًا بداخلي بسبب المذاكرة والتركيز في الامتحانات.. أما الآن فكفى.. ألفت قصائد شعر وألقيتها في الجامعة، مارست الكتابة طويلًا.. وعملت بالإذاعة في تقديم برنامج عن الروايات والأدب، وذاكرت كثيرًا وكان لا يعلم أحد كم هو صعب التوازن بين موهبتك وواجبك! ولكني فعلتها.. ونشرت أول رواية لي في السنة الرابعة لي في الجامعة بعد انتظار سنتين، ورفض سنتين من دور النشر ومن الناس، وعِند وإصرار من ناحيتي..

في السنة الخامسة في الجامعة أصدرت كتابي الثاني.. ثم تخرّجت من الجامعة ثم واجهتني الحقيقة: دنيا العمل والحياة عامًة، في الوقت الذي عقد فيه المجتمع من حولي اجتماعاته لتزويجي وزجّي في مشاريع لا شأن لي بها، جلست في غرفتي أكتب كتابي الثالث.. سنتين وأنا أصم أذني عن تلميحاتهم وترتيباتهم لشؤوني وكأن لا دخل لي، لقد درّبت عقلي كثيرًا حتى لا يتأثر بهم، بكل ما يحاولون فعله، بكل ما يحاولون إثباته: “كل ما تفعلينه لا يهم، في النهاية زوجك وبيتك، الكتابة والنشاطات والهواية والموهبة وكل ذلك كان لعب أيام الجامعة.. ما الفائدة من كل ما تفعلينه؟” وأشياء كثيرة من هذا القبيل ولو أني لا أؤمن بذاتي ما كنت صمدت كل هذا الوقت، ولو أن أمي وافقتهم للحظة ما كنت صمدت إلى هذا الوقت، ونشرت روايتي الثالثة هذا العام 2019.

خرجت لهم بعد انعزال سنتين برواية جديدة وقد ظنوا أني سأخرج لهم بقبول لفكرة تزويجي مثلًا، والكارثة أني أرى في عيونهم حسدًا لأني أنجح، لأني أعيش حياتي كما أريدها، يحسدونني لأني استطعت أن أحارب ولم أسر في التيار مثلهم.. ولم أتقولب مثلهم.. هم يجذبونني نحوهم لا لأني خطأ، بل لأنهم يريدون أن أكون قالبًا آخرًا مثلهم ولكني لا أستطيع.. لا أستطيع أن أنسلخ من موهبة تلتصق بي، ولم أسمح أن تأخذني الصيدلة منها أبدًا، ولن أعطي الفرصة لشيئ أو شخص لدفن موهبتي.. التي صارت بالفعل حقيقة وممارسة ولها أثر ورقي بل لها ثلاث.

من يظن أن المجتمع سيفرش له الطريق ليسير طريقه فهو واهم، إن كنت تمتلك موهبة حقيقية وطريق غير طريقهم المعتاد فاستعد لحرب شرسة.. إن فزت فيها عشت الحياة بذاتك، وإن خسرت فيها واستسلمت عاشتك الحياة هي بذاتها.. وستبقى للأبد تشاهد الدور الذي تلعبه وكأنك تشاهد أحدًا غيرك ولكنك في النهاية ستدرك أنك كنت أنت.. أنت لا أحد غيرك.

استعد لأكثر جملة ستسمعها “ما الفائدة من كل ذلك.. ما الفائدة من كل ذلك” ستكون كالوسواس في أذنك وستكون أخطر أمّارة بالسوء.. احفظ الفائدة من كل ذلك في نفسك ولا تخبرهم حتى.. يكفي أنك تعرف.

8