أبي “المجنون” الذي غيّر حياتي

أبي
10

تدوينة: ابراهيم صباحي.

في آخر ليالي أيلول الممطرة، وقفت أمام نافذة غرفتي في السكن الجامعي ساندًا رأسي على ساعدي أفكر في مستقبلي المجهول، فقد انتهت دراستي الجامعية، وها أنا أعد أغراضي لمغادرة المدينة، والعودة إلى قريتي من جديد.

كان الغضب يملأ صدري تجاه حياتي، إلى جانب أوضاع البلد، وأحوال الناس، وأمّا ما كان يضاعف ألمي فهو عودتي إلى الظلام مجددًا حيث أعباء أسرتي، ونمط حياة القرية الممل. كنت أحلم بالبقاء، والنجاح في إقناع إحدى دور النشر، بطباعة كتابي الذي داومت على كتابته طيلة سنوات دراستي في الجامعة. كنت أرى فيه طريقًا لإصلاح هذا الواقع المفروض على الإنسان في مجتمعي.  لكن ها أنا الآن أرى حلمي يبعد عني، مثل بُعد النجوم في السماء، فنسب البطالة في المدينة مرتفعة، ناهيك عن تكلفة استئجار شقة، ونسب التضخم العالية.

اكتفيت بضرب الحائط عدة لكمات، ثم أزحت بعنف حقيبتي من على السرير، ودفنت جسدي داخله.

استيقظت صباح اليوم التالي متأخرًا، فجمعت حقيبتي وهرولت إلى محطة الحافلات دون حتى تسليم مفتاح الغرفة إلى مشرف الطابق. هكذا ودعت المدينة. وداعٌ جاء عكسًا لما كنت أحلم به دومًا. وكأنني كنت قابعًا في سجن وحان موعد الخلاص. بالفعل هكذا لحقت بحافلتي هاربًا من مدينة أحلامي.

ولدى وصولي القرية، لمحني أحد المارة من أمام المحطة أنزل من الحافلة فأسرع نحوي، وبدأ بالترحيب بي، ثم سرعان ما انتقل إلى قصة دين اقترضه منه والدي منذ شهور ولم يسدده، فأغمضت عيني، ورفعت رأسي للسماء، وقد أدركت للتو شكل حياتي الجديدة.

بدت حياة القرية مملة يغلب عليها السطحية، رجالها يعيشون في أوهام متنوعة، محلية، وقومية، ودينية. ولعل أكثر موضوعاتهم حساسية هي أسعار الأرز والذرة. أمّا النساء فشغلهن الشاغل هو ما يجري داخل البيوت. وأبناء جيلي، فيسعى معظمهم إلى تقليد نمط الحياة في المدينة. وقليل منهم تسوقه مشاعره إلى جلسات الوعاظ، حيث عالم ميتافيزيقي يسيطر عليه الآمال والأمنيات، ولا يعبأ بحقائق هذه الحياة.

أمّا أسرتي فأمي كما عهدتها دومًا، مصدر للحنان، لا أرى فيها شيئًا غير العواطف، وأختي صاحبة الستة عشر ربيعًا تعيش مع صديقاتها في عالم يسيطر عليه ماركات مستحضرات التجميل.

في حين كان يبدو أبي دومًا لغزًا محيرًا، ورغم قرائتي لمئات الكتب إلا أنني عجزت عن فهمه. يعمل مُعلمًا في مدرسة ابتدائية، وأمي هي المسؤولة عن إدارة المنزل، ونهاية الشهر تستلم راتب والدي، وتوزعه حسب خطتها الشهرية.

كنت أرى أبي مجنونًا، لا أفهم كلامه، ولا أفعاله، يبقى في المدرسة حتى بعد الظهر، ثم يعود للبيت، وسرعان ما يهرب منه، أو بالأحرى من شكاوى أمي وأختي، بسبب الحاجة للمال، والديون المتراكمة، وتهديدات شركة الكهرباء بقطع الخدمة حتى تسديد الفاتورة المتأخرة. كان يسير في طرقات القرية الضيقة غير آبه بالوحل الذي يملؤها، ويجد نفسه في النهاية في بيت جدي المهجور أعلى التلة الخضراء، يجلس هناك في غرفته القديمة. يشعل سيجارته، ويخرج صحيفته من معطفه، ويتجول بين سطورها، حتى يصل في النهاية إلى مفترق الكلمات المتقاطعة.

كان زملاء أبي في العمل يبغضونه، لأنه غريبًا عنهم، لا يهوى الخوض في أحاديث عن البلدية، ومديرية التعليم، والرواتب. وأمي كانت دومًا تتشاجر معه، لكنها كانت تمدح لي أيام شبابه، وتسرد لي كم كان شخصية مثقفة، معروف بأفكاره الفريدة عن الحياة، وهذا بالتحديد ما دفعها للزواج به رغم رفض أهلها، متوقعةً أن مستقبلًا مشرقًا في انتظارها.

فيما كنت أنا غاضبًا منه دائمًا، لا أشاركه شيئًا، أراه فاشلًا، مجنونًا، وأحيانًا أحمقًا، لا تأثير لحضوره أو لغيابه، أحيانًا يركز عيناه في وجهي لحظة غضبي، ثم يتركني ويرحل، وأحيانًا يبتسم في وجهي، وأحيانًا يناديني لمساعدته في أعماله الغريبة، وفي لحظات ضعفه، كان يطلب مني على استحياء نقودًا لشراء سجائر، لخشيته من طلب نفس الشيء من أمي.

مرت الأيام والشهور في القرية، ولا جديد، وغضبي يزداد يومًا بعد يوم، لا أمل في هذا العالم، الفساد لا يسيطر على الحكومة وحسب، بل هو متفشٍ في البلديات، ومؤسسات المجتمع المدني أيضًا، وحتى في المكتبات العامة ودور النشر. كلهم يرفضون الاستماع لي، أو حتى الاطلاع على مسودة كتابي، أشخاص فارغون، يدعون أنهم قوميون، أو يساريون، أو محافظون، لكنهم بعيدون كل البعد عن هذه التيارات، بل هم حتى يجهلون طبيعة هذه الحياة، لا يشغل بالهم ماذا يفعلون، وإلى أين هم ذاهبون؟ جميعهم تقريبًا ملتزمون بدورهم داخل القطيع. صاروا عبيدًا لمجتمع تسيطر عليه الرشاوي والمحسوبية.

في النهاية، قررت أن أخاطر وأسافر إلى المدينة، وتواصلت مع أحد الأصدقاء ميسوري الحال ليضمنني لدى صديق لعائلته يعمل مسؤولًا في بنك، وبشكل ما حصلت على قرض، وسرعان ما توجهت لإحدى دور النشر، وخلال أيام كانت نسخ كتابي المنتظر بين يدي. كتابي الذي سيُغير المجتمع.

وزعت مئات النسخ على المكتبات في مدن مختلفة، فضلًا عن نسخ خاصة إلى أمي وأختي وأصدقائي. في الحقيقة ترددت في إهداء نسخة من كتابي لأبي، لكن في النهاية امتنعت، وكنت متأكدًا أنه لن يعبأ بأفكاري. وجلست في انتظار الضجة التي سيفجرها كتابي. حتى أحيانًا كان يسرح بي الخيال أنه وخلال أيام معدودة ستتوالى الاتصالات تطلب نسخ إضافية، ومن ثم الطبعة الثانية والثالثة، وقد يرفع بعض أصحاب النفوس الضيقة دعاوي ضدي، بسبب ما تضمنه الكتاب من أفكار نقدية وأحيانًا ثورية.

مر الشهر تلو الآخر، ولا اتصالات، ولا حتى أية ردود فعل، وضاق بي الحال مع اقتراب تاريخ تسديد دفعات القرض، فخطر على بالي الهروب إلى الجيش، وهناك أنجو مؤقتًا من هذا الوبال، وعندما أخرج بالتأكيد سيكون الوضع مختلفًا.

بعد شهور، أصبت برصاصة في قدمي اليسرى أثناء إحدى نوبات الحراسة، ومن ثم انتهت خدمتي العسكرية، وعدت إلى قريتي من جديد، لكن هذه المرة معاقًا أتوكأ على عكاز، فيما بدأ بركاني الداخلي في الخمول، فقسوة الجيش غيرت داخلي الكثير، والنظر إلى السماء زاد من وحدتي، ودفعني إلى طريق آخر، بدأت أفكر بمعجزة هذه الحياة، فهمت أنه من المستحيل وضع كتالوج أو فهرس لها. آمنت أن الحياة ليست عبارة عن الظواهر الاجتماعية التي نشاهدها حولنا يوميًا.

عدت من الجيش باحثًا عن أبي، آمنت أنه يحمل داخله لغزًا. علمت أن منذ تقاعده وهو يقضي معظم وقته في المراعي. أمّا أمي فقد حصلت على مكافأة نهاية خدمته، وصرفتها مع أختي في شراء أجهزة منزلية وملابس جديدة. وإلى جانب الأجهزة الجديدة، فوجئت بمئات النسخ من كتابي تملأ غرفتي وقد غرقت في ماء الأمطار. هكذا كان مصير كتابي الذي لم تُباع منه ولو نسخة واحدة في عموم البلاد.

كرهت نفسي حينها وأغلقت ضوء الغرفة، وسقطت طريحًا خلف الباب، أضرب وجهي ورأسي، ثم توقفت فجأة، وشعرت بحنين غريب إلى أبي، فخرجت أهرول وأنا أتعكز على عكازي، والأمطار تهطل على رأسي وكأنها صواعق تشق جسدي وتحرقه. لم أكن أعرف إلى أين أتجه، لكنني كنت واثقًا أنني سأصل إليه. سرت نحو التلة الخضراء، دخلت كوخ أبي الذي يهرب فيه من عالمنا، لم أجد سوى سرير من القش، وكرسي بجانبه طاولة عليها لمبة بدائية، لكن لا أثر لأبي. شعرت أنه هو من يهرب مني الآن، كما كنت أهرب منه في الماضي، ودون وعي انهالت دموعي، وفي لحظة سقطت عيني على محفظة نقود أبي التي أظن أنني لم أره يستخدم غيرها طول حياتي، التقطها بسرعة، وفتحتها أفتش عما فيها، لكنني فشلت مجددًا، ولم أجد داخلها سوى هويته، وقبل طرحها أرضًا، جذب انتباهي صورة هويته وهو شاب، فهممت باستخراجها، فإذ بورقة مقصوصة من صحيفة مختبئة وراء الهوية، أخرجتها، فإذ بها خبر ترويجي عن كتابي نشره أبي في صحيفة القرية، ومحتفظ بها وراء هويته!

أبي المجنون الذي رأيت أن لا جدوى من إهدائه كتابي، قرأ كتابي، وكتب خبرًا، ونشره بماله!

هل هو حقًا مجنون في حياته الفريدة هذه؟ أم نحن المجانين في هذه الحياة الزائفة؟ هل من يكشف حقيقة هذه الحياة يصير مثل أبي؟ هل أبي إنسان حقيقي، ونحن مزيفون؟ لماذا يفعل الخير ويخفيه عنا؟ لماذا ينأى عن الكلام؟ هل الكلام شر؟ لماذا لم يدعوني إلى عالمه؟

كل هذه التساؤلات كانت تعصف بعقلي لحظة وصول أبي مع أغنامه إلى الكوخ، عندما سمعت ضحكاته وحديثه إلى كلبه حيث كان يحتفل بولادة نعجة لعضوين جديدين في عالمه الذي نجهله.

10