عن الحياة كفأر تجارب .. تجربتي مع الإدمان!

7

مجهول

هناك صورة نمطية عن الشخص المدمن، وهو أنه ناتج حياة سيئة بكل المقاييس.. عنف أسري، جهل، فقر، أصدقاء سوء، إلى آخر هذه الأسباب التي حفظناها جميًعا عن ظهر قلب، لكن بالنسبة لي لم يمض الأمر على هذا النحو،  فبالرغم من أنني لم أعاني من أي هذه المآسي، ولم أعهدها في حياتي مطلقًا،  إلا أنني لم أكن ببعيد عن الوقوع بين فكي الإدمان، حتمًا تتسائلون عن الدافع هنا، فما الذي يدفع بشخص يعيش حياة جيدة على كافة النواحي أن ينتهي به الحال على هذا النحو؟ لالا ليست أيضًا حياة الرفاهية، أؤكد لكم أني بعيد عن كل هذه الأسباب الدرامية التي صدعتنا بها الأفلام والمسلسلات العربية ..

حقيقة لا أعرف كيف أصف لكم الحماس الذي مضت به قدماي وسبقها عقلي في هذا الطريق، الأمر أشبه بأن تكون ماض في طريقك في منتهى الهدوء والسلام وفجأة قدماك تغير الطريق، بدون أدنى شعور أو إدراك أو نية أو قرار مسبق، فكرة قفزت إلى ذهني، مع سؤال: هل نجرب؟ أطعت هذه الفكرة الشيطانية وهززت رأسي بكل بساطة وابتسمت: فلنجرب!

كيف حدث؟ من أين ابتعت المخدرات؟ كيف تعرفت على الوسطاء؟ إلى آخر هذه الأمور، كلها مضت في انسيابية عجيبة وفي لمح البصر، مضت سريعًا إلى الحد الذي يجعلني أشعر بأن كل ما حدث كان مجرد حلم، حلم ثقيل على نفسي وروحي، فجأة أصبحت كل الطرق سهلة ومتاحة، أذكر أول شخص طلبت منه أن يعرفني على من يبيع لي المخدرات، لم يكن مدمنًا بمعنى الكلمة، لكنه جرب كل شيء وكان ذا صيت بأنه الخبير بهذه الأمور، لم يستوعب طلبي أول مرة وظن أني أمزح معه، لكني أكدت له رغبتي في التجربة، فقال لي: بما أنك جديد على هذا النادي يكفيك الترامادول لا تبحث عن شيئًا أكبر!

شعرت بغضب شديد من الطريقة التي تحدث بها، أقسمت على أثبت له أني لست بحاجة له وأن لي طرقي، وبدأت في التعرف على أشخاص كثر، شخص تلو آخر حتى تعرفت على تاجر شهير لبيع الحشيش، وأصبحت أتردد عليه بشكل مستمر، وكنت كلما تعمقت في عالم الحشيش ازداد جوعي واشتعلت رغبتي في تعاطي المزيد،  بدأت أتعاطى كميات أكبر، حتى وصلت إلى درجة أن هذه الجرعات المكثفة لم تعد تمنحني الشعور ذاته، وقررت أن أبحث عن ما هو أقوى واتجهت بلا تردد إلى الهيروين!

سافرت من مدينتي إلى مدينة أخرى بعدما نصحني أحد الأشخاص الذين تعرفت عليهم خلال ترددي على شراء الحشيش، بأن هناك تاجر في مدينة أخرى يبيع أفضل الهيروين، أخذت منه العنوان وذهبت بسيارتي 3 ساعات على الطريق وأنا أتلهف لمقابلة منقذي الجديد، وصلت إلى المكان أخيرًا بمجرد دخوله شعرت بأن روحي قبضت، لكني لم ألقي بالًا لمشاعري وقتها، كل ما أكنت أبحث عنه مخدر جديد يفوق تأثير الحشيش بكثير، وبالفعل اشتريت منه بكل المال الذي كان معي حينها، عدت إلى بيتي وبدأت في اكتشاف هذا العالم الجديد، نعم هذا ما كنت أبحث عنه، هذا ما كنت أتوق إليه، أخذني إلى عالم آخر تمامًا، لم أشعر بهذه الراحة والسعادة من قبل، إنه رفيق طريقي الجديد، كل أسبوع كنت أسافر لشراء الكم الذي يكفيني حتى أسبوع آخر، بدأت أموالي في التلاشي شيئًا فشيئًا، اتجهت لبيع كل ما أملك، لم يبق لي إلا السيارة، هل سأبيعها؟ إنها وسيلتي للسفر لا يوجد أي وسائل مواصلات تؤدي إلى هذا المكان الموحش، ما العمل إذن؟

بدأت في اختراع وتأليف الحجج والأكاذيب على عائلتي وأصدقائي، حتى أتمكن من أخذ المال منهم دون أن يكتشفوا شيئًا من أمري، لكن دائمًا نظراتهم كانت تعلن لي بأنهم على دراية بأن هناك سر ما أخفيه عنهم، لكني لم أكن أبالي، وفي مرة ومن المرات أثناء وجودي في تلك المدينة وقبل أن أقترب تمامًا من المكان، لمحت سيارات الشرطة تحيط بالمكان من كل جانب، تفتيش للسيارات وأشخاص كثيرون تم القبض عليهم، حينها استفقت فجأة وكأني استيقظت لتوي من هذا الحلم البغيض، لم أعرف كيف أتصرف، لكن ما فعلته أني ذهبت بعيدًا عن الأنظار، هربت بالسيارة كنت أركض بسرعة مجنونة إلى أبعد نقطة عن هذا المكان، يستحيل أن تكون هذه نهايتي!

بقيت في السيارة أفكر في حياتي، أفكر في تلك اللحظة الملعونة التي ألقت بي في هذا الطريق، أفكر في العودة لحياتي الطبيعية التي شعرت أنها أبعد ما يكون عني، كنت أشعر بالغضب والخوف الشديد والحزن على نفسي، أدركت حينها بأني دخلت في طريق لا يشبهني أبدًا، اتبعت لحظة حماس مجنونة قلبت حياتي رأسًا على عقب، أتت اللحظة ذاتها التي باغتتني من قبل، لحظة الحماس المجنون والإصرار الغريب على التجربة، لكن هذه المرة كان إصراري على النجاة، أنا الذي بكامل إرادتي دفعت نفسي داخل هذه الدائرة وأحكمت إغلاقها عليّ، ها أنا أهرول بداخلها كالمجنون أبحث عن المخرج.

عام انقضى في أبشع تجربة مررت بها، عشت الحياة وكأني فأر تجارب، عشت كالفئران أقتات على ما ينثره بائعو السم على أطراف الشوارع، عشت كاللص لا أظهر إلا في الظلام، كاللص الذي يشعر أن جميع من في العالم يحدق به بعيون غاضبة، نظرات احتقار وازدراء ولا غير ذلك، لقد عشت جبانًا لا أقوى على فك أسري، لكن لم تكن خطواتي نحو النجاة بالسهولة والانسيابية نفسها، لقد كنت أقطع في الخطوة الواحدة شوطًا كبيرًا، أمضي نحو النجاة بكل عزم وإصرار لكن المقاييس اختلفت، الخطوة لم تعد بالسرعة ذاتها كما السابق، الخطوة الواحدة كانت بمثابة زمن طويل لا أقوى على حسابه، المخدرات لم تصيب أعصابي فقط بالارتخاء، بل أصابت إرادتي وقوتي وروحي، كنت أسير كما لو كانت قدماي مكبلة بأطنان من الحديد، كنت أشعر بأن هناك كائن ما ضخم وعملاق يسحبني بقوة للخلف، الخطوة التي أخطوها للأمام هى معركة طويلة بيني وبينه، لطالما انتصر فيها وضربني بقوة على رأسي وأسقطني أرضًا، وكثيرًا ما كنت أهرب منه إليه، كنت كلما شعرت بالإحباط أو بالغضب أو حتى بالرغبة الشديدة في النجاة، أركض نحوه وأختبيء فيه كفأر تجارب!

كرهت حياة الفئران وأقسمت أن أعود كما كنت، أن أعود إنسانًا، ومهما ثقلت الخطوة، ومهما كلفني الهرب من هذا الوحش العملاق سأهرب ولو كلفني ذلك حياتي، لا أريد أن أموت فأرًا جبانًا، خطوة تلو أخرى، معركة تلو أخرى حتى بدأت أشعر بنفسي من جديد، بعقلي الذي قضيت دهرًا لا أشعر به، كنت أعيش كما لو كنت في غيبوبة، هلاوس مستمرة دون انتهاء، كنت على شفا خطوة من الجنون.

كان أول تحدي بالنسبة لي لكي أتمكن حقًا من النجاة والبدء في العلاج، هى أن أخبر عائلتي أو حتى صديق لي يساعدنى على هذه الرحلة الطويلة، وبعد طول حيرة وتردد ويأس، وبعد انتكاسات وإحباطات بعدد شعر رأسي، أخبرت عائلتي وسط صمت وذهول ونظرات مضطربة من هول الصدمة، رغم التغييرات الكثيرة التي لاحظوها على حد قولهم، إلا أنه لم يخطر في بالهم ولو للحظة بأن ابنهم مدمن مخدرات، الذي أنقذني هنا هو أنه عادة في هذه المواقف عادة يكون الصمت سيد الموقف، وبعد صمت طويل بدأ سيل الاتهامات بعدم المسؤولية والجنون، والصراخ بالكثير من الأسئلة عن الأسباب، وعن الشياطين الذين سحبوني من عنقي لهذه الهوة، وأخيرًا حدث ما كنت أبحث عنه وأتلهف لحدوثه بشدة.. التسليم بالأمر والقليل من الاحتواء، ولو كان بأعينهم فقط.

بعدها التحقت بمركز للعلاج وإعادة التأهيل، وبعد 10 أشهر من العلاج من الصراع المستمر، من الشعور بتأنيب الضمير ومن جلد الذات، 10 أشهر وأنا أقاوم رغبتي في العودة، أتحمل كل أشكال الألم النفسي والجسدي، لأعثر على ذاتي من جديد.. ها أنا ذا، عدت إنسانًا، عدت لعملي لكتبي لأشيائي الصغيرة والبسيطة التي أحبها جدًا، والتي تسعدني بحق أكثر مما كانت تفعل المخدرات، لم أكن أتخيل أن أسرد تجربتي لأحد يومًا، لطالما كان السر المدفون بأعماقي، لكن لأني جربت الحياة كفأر تجارب، أردت أشارككم بقصتي هذه حتى أبعد كل من تسول له نفسه التجربة،  لا تذهب بقدميك للهلاك المحقق وتظن أن النجاة لحظة إرادة، بالطبع بدون الإرادة لن يتغير شيء، لكن الأمور لا تمضي بهذه البساطة، كل خطوة تخطوها بإتجاه طوق النجاة تعادل عمرًا كاملًا، عمرًا كاملًا من الصراع والقتال والهزيمة والخوف.

لكن على الرغم من بشاعة كل ما عشته، إلا أنني تعلمت درسًا غاليًا لا أحسبني أنساه يومًا، وهو أن “التجربة” تجربة أي شيء ولو كان من باب “التجربة” لا ينتهي بهذه السهولة، إن أي تجربة أشبه بوشم يلتصق بك للأبد، مهما حاولت التخلص منه لن تقدر، هناك تجارب تستحق بالفعل أن تخوضها، تستحق أن تتباهى به، وهناك تجارب خُلقت للفئران فقط، فلا تكون فأرًا .. لا تسمح لرغبة مجنونة في التجربة أن تسحبك من ذيلك كالفئران وتلهو بك، وأنت لا تقوى حتى على قول لا!

 

مدونات أراجيك

في مدونات أراجيك نتساوى جميعًا كقراء وكتّاب، حيث الكل يسرد قصته التي لمس منها درسًا مهمًا كان لابد من مشاركته مع الآخرين. لن نقدم لك نصائح أو معلومات أو أخبار، بل سنتلقى منك أيها القارئ العزيز تجاربك الملهمة في الحياة، والتي خرجت منها شخصًا جديدًا للعالم، وسنشاركك أيضًا تجاربنا لنتبادل المعرفة والفهم ونتعامل مع الحياة بشكل أنضج.

7

شاركنا رأيك حول "عن الحياة كفأر تجارب .. تجربتي مع الإدمان!"