حين اكتشفت نفسي في الثلاثين من عمري…

5

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

كثيراً ما نصحو ونجد أنفسنا في منتصف طرقات ربما لم نخترها، ولم نرغب بدخولها، وأحيانًا لم نستوعب أننا بدأنا بخوضها حتى تبدأ المشكلات بالتهافت علينا الواحدة تلو الأخرى قبل أن نعي ما يحصل لنا.. ونقع في مآزق لم نتخيل حتى في أسوأ كوابيسنا أن تحصل لنا..

لكنها الحياة، فهي لا تعطينا مهلة قبل أي شيء، ولا تستأذننا قبل أن توقعنا في امتحاناتها العجيبة.. فلا نملك في تلك الأوقات إلا أن نقف وقفة صغيرة مع أنفسنا لنعود ونراجع ما فعلناه وأين نحن منها وكيف أخطأنا حتى تحولنا إلى هذا الحال الذي وصلنا له.

ورُبًّ لحظة نقف فيها مع أنفسنا ونقيم حالنا فلا نرضى عنه، أو منشور صغير نقرؤه قبل النوم، أو ملاحظة نسمعها بشكل عارض من أحدهم، أمرٌ صغير لا نولي له أهمية لكنه يفتح علينا آفاقاً جديدة و يعطينا مفاتيح أبواب مغلقة في ذواتنا لنفتحها ونتعرف على أنفسنا من جديد..

من عرف نفسه فقد عرف ربه، ومن ظن أنه عرف نفسه فقد جهل، وإذا كان العلم نتلقاه من المهد إلى اللحد فإن معرفة نفوسنا لا تتوقف ولا تنتهي، وربما نموت وتظل فينا زوايا مجهولة وخبايا لم نستطع الوصول لها أو فك شيفرتها.

مؤخراً خضت رحلة لمدة شهرين في تجربة فريدة من نوعها بالنسبة لي، فريدة على جميع الأصعدة ولكنها كانت من أمتع التجارب التي خضتها في حياتي وأعتقد أنها أكثر تجربة استطاعت أن تعرفني نفسي وترتب ما كنت أعرفه من أفكار متشابكة وعشوائية لا أقدر على توظيفها في حياتي، لأرسم مسارًا مهنيًا لي بإشراف وتوجيه مرشد مهني معتمد من مؤسسة  CAPT وهي مؤسسة حقيقية غير وهمية تقوم بتدريب Career counselor وتأهيلهم بشكل أكاديمي لتقديم استشارات مهنية احترافية.

ورغم أن الأمر بدأ كاستشارة مهنية أو تحديد مسار مهني، لكنه لم يكن مجرد وضع خطة شخصية على صعيد العمل أو التخطيط لمشروع ما أقوم به.. بل كان أكبر من هذا، كانت تلك التجربة بمثابة إمساك الخيوط التي تسيرني وأتحكم بها أنا، لأبدأ بالتعلم كيف أقود نفسي إلى حيث تحب وترتاح دون أن تقودني هي فلا أعرف ما تريد، كأني أضعها تحت مبضع الجراح وأبدأ بتشريحها لمعرفة ما فيها، وفهم طريقة عمل كل جزء منها وكيف يعمل ويتحرك لأصل إلى شيفرة التشغيل الأساسية، فأكون قادرة على التحكم بها.

أولى التجارب الجديدة كانت الوسيلة التي قامت عليها الاستشارة وهي الشبكة العابرة للقارات، لكن لم يكن هناك خيار آخر لأقوم بهذه التجربة، لذلك لم أفكر أني قد أجد صعوبة في الفهم والتركيز عبر الصوت فقط إلا عندما بدأنا في المرة الأولى، فكان أن أحضرت ورقة وقلمًا وصرت أكتب رؤوس أقلام مع المستشار كي أعود إليها لأفهم وكي لا أدخل حالة الشرود وأحلام اليقظة.

أقول في المرة الأولى لأن الأمر لم يكن كلامًا تنظيريًا توجيهيًا لساعة أو ساعتين، بل استمرت الجلسات على فترات متقطعة لمدة شهرين، تخللتها وظائف قمت بها ساعدتني لأفهم ما يقوله وأسقطه على نفسي، مما جعل الأمر أكثر فعالية من مجرد الكلام والخروج بنتائج نظرية قد لا تكون عملية في كثير من الأحيان.

يختار المستشار الاختبارات الأنسب للشخص وفي تجربتي كان هناك اختباران بدأت الاستشارة بهما وعلى أساس النتائج والتقارير الناتجة عنهما تابعنا العمل على الخطة النهائية:

1- تقرير MBTI Career Report

تقرير مهني يقيس النمط وفق معيار Myers-Briggs،  Developed by Allen L. Hammer، وحقوق النشر والتطوير ملك حصري للناشر العالمي CPP حيث لا يحق لأي شخص عادي اجراء الاختبار والحصول على التقرير، إلا من خلال مرشد مهني مجاز من CPP حصرًا وبإشراف دقيق من قبلهم حماية لحقوق الأشخاص طالبي الخدمة الاستشارية ولتأمين أعلى درجات الجودة لهم.

2- تقرير: Strong Interest Inventory® and Myers-Briggs Type Indicator® Career Report with Strong Profile

تقرير مهني يقيس 171 قيمة احصائية تتعلق بالميول والاهتمامات والمهن مصنفة ضمن أربع تصانيف (GOTs BISs OSs PSSs)
Developed by Judith Grutter and Allen L. Hammer

يتيح التقرير الأخير للمرشد المهني ميزة الدمج بين نتائج التقريرين السابقين للحصول على قياسات بدقة أعلى تساعد المرشد المهني والشخص المستشير في جلسات الاستشارة و الإرشاد لتكوين تصور شمولي تام حول طبيعة وتكون الشخصية المهنية والسايكولوجية للشخص المستشير وفق معياري STRONG  / MBTI معًا.

ناتج الاستشارة ليس توجيه المستشير إلى مهنة أو فرع جامعي، إنما هو رسم خريطة الخيارات، و محاولة تصميم أفضل مهنة / دراسة جامعية / تدريب مهني مناسب لهذا الشخص وفق شخصيته و ميوله ومكونه الخلقي.

يمكن القول أن الناتج هو خريطة إحداثيات متكاملة لكل ما يمكن أن أقوم به، ومرجع يساعدني في تحديد الخيارات المستقبلية من خلال المقارنة بين فرص العمل ورؤية الأنسب بما ينطبق على هذا الجدول، والذي يتضمن الإجابة على أهم الأسئلة الوجودية التي تظل تراودنا وهي: (من أنا؟/ لماذا أفعل هذا؟/ ماذا يمكنني أن أفعل؟/ أين يمكنني أن أفعل هذا؟)، وطبعاً لن يخبرك عن أسماء الشركات أو المؤسسات التي يمكن أن تعمل بها أو البلد الأكثر توافقاً معك لكنه يركز على المهام التي يمكن أن تبدع بها وتقوم بها بالشكل الأمثل والبيئة التي تحقق لك هذا الجو من الراحة، وأعتقد أن أحدًا لا يدقق كثيرًا في موضوع بيئة العمل لكنه عامل مهم جدًا في نجاحك أو فشلك في العمل، فالبعض مثلًا لا يستطيع أن يعمل في بيئة مغلقة ولا يحتمل الجلوس خلف مكتب طوال النهار، وقتله مهنيًا بوضعه في هذا المكان، وآخرون لا يقدرون على التركيز والتفكير إلا في هذا الجو.

لا أدري كم مرة جلست مع أحدهم وبدأ يصفك بشكل مفصل للغاية وأنت تكاد تقفز من فرط الدهشة وتقول له: نعم…نعم..هذا أنا..كيف عرفت هذا؟، هو لا يقول كلامًا عامًا على غرار (أنت شخص حساس/ أنت إنسان طيب/ تغضب بسرعة/ لديك أفكار كثيرة، إلخ) بل الأمر أكثر عملية من هذا، أكثر واقعية وفائدة.

ماذا بعد هذه الاستشارة؟

بدأتُ من جديد، لم أذهب في اليوم التالي وأنا ممتلئة بالحماس وأتقدم باستقالتي ثم أندم على ذلك، ولم أبدأ مشروعي الخاص فورًا أو أتقدم لجامعة جديدة لأعيد بدء الدراسة من جديد، لم تنقلب حياتي فجأة ويتغير كل شيء فيها،  لكني صرت قادرةً على معرفة ما يجعلني لا أعمل بشكل جيد، أو ما يجعلني أبدع في مجالات معينة.. بدأت أعيد رسم طريقي لكن هذه المرة بيدي.. أضع الخيارات التي أريدها، أترك مساحة فارغة للفرص القادمة وحين تأتي أسقطها على معاييري الشخصية لأكون قادرةً على المفاضلة بينها وفق معايير جديدة تمامًا، ليس لأن هذه فرصة جيدة وعلي أن أنتهزها، وليس لأن هذه الوظيفة تحقق لي دخلًا عاليًا، بل سأرى ما يحقق لي نفسي ويجعلني أكون أنا بعيوبي ومميزاتي وقدراتي التي منحها الله لي لأقوم بتوظيفها في الحياة ومن خلالها أحقق مفهوم خلافتي فيها.

يمكنني أن أشبه الأمر برسم هرم ماسلو الخاص بي والذي أضع فيه ما يلبي احتياجاتي الخاصة بالتدريج والتي تختلف عن الآخرين، عندما تتبع معايير الآخرين ستكون حياتك متوترة وربما أرجعت الأمر لأسباب مادية أو ظروف العمل أو الظروف الاجتماعية وحاولت تغييرها وفي النهاية رضخت للأمر الواقع..

جميعنا نبحث عن شيء لا نعرفه في حياتنا، نسعى خلف مجهول في طريق مجهول، ونجرب ونفشل وإذا كان حظنا جيدًا قد نجده صدفة بعد سنوات من التجربة، لكن في الحقيقة نحن نبحث عن ذواتنا، عن تلك القطعة الناقصة في داخلنا، فإذا لم نجدها فلن نشعر يومًا أننا حققنا شيئًا ما، وأعتقد أني بدأت أجد القطع الناقصة وأنا في الثلاثين من عمري.

5