تجربتي مع بيت المرايا

تجربتي مع بيتي المرايا
1

تدوينة: مريم أنيس

كانت أمتع اللحظات لي وانا اصطف مع أصدقائي في طابور طويل للدخول لهذه اللعبة المذهلة، كنت أفضل تلك اللعبة بعينها رغم ما تتصف به من ملل ورتابة؛ فليست بها حركة أو خوف أو ما يدعو للصراخ كما اعتدنا في ألعاب الملاهي. لا أحد يفهم مغزاها أو الفكرة التي تقوم عليها تلك اللعبة غير أنها لعبة تدعو لبعض السخرية والضحك وتقوم علي الخدعة فقط. كانت تلك اللعبة موجودة كلعبة أساسية في أي ملاهي عندما كنت طفلة صغيرة، فلم يكن لبرامج “للفوتوشوب” هذه المكانة والسطوة التي ينعم بها اليوم في هذا العصر؛ لذلك كان لها سحرها الخاص عند البعض مثلي. لم أكن أدرك علة حبي لتلك اللعبة ولهفتي الشديدة للدخول والاستمتاع بها ولكن عندما تذكرت منذ فترة لهوي بها، أيقنت السبب وراء ذلك الشغف الشديد!

كانت اللعبة تبدأ بمتاهة صغيرة ندخل بها وراء بعضنا لنكتشف بعد ذلك أن كل طفل ذهب بطريق وليس مع صديقه الذي كان يمسك بيده. كانت المتاهة هي عبارة عن ممرات ضيقة محاطة بجوانب مكسوة بمرايا كثيرة ويوجد جانب واحد فقط مفتوح للدخول وهكذا في كل ممر، وكانت هنا الخدعة الأولى عندما تخطئ تقدير الجانب المفتوح للدخول فتصطدم بمرآة من شدة سرعتك و هرولتك للوصول إلى النهاية. وهنا يتماثل الموقف مع الحياة عندما نبدأ طرقًا كثيرة مع أحباب وأصحاب، ولكن تأخذهم المتاهات في دروب متباينة لنفترق ولنعلم أن تلك هي الحياة. رغم كل الوعود، رغم كل الحب، تجبرنا الحياة على ذلك ولا تعطي لنا فرصة الاختيار ويجب أن نتقبل بكل انكسار ألم الفراق ونصدم بالواقع المرير والكبوات المفاجئة، ويجب أن نواصل السير ونجري لاهثين في دروب المتاهة الكبرى وهي الحياة.

وبعد عدة صدمات وضحك مع بعض القلق البسيط لطول الممرات، نصل إلى داخل البيت فنجد أصدقاءنا الذين اصطحبناهم في بداية المتاهات وها قد تقابلنا مجددًا، والغموض الذي كان يحيط عقلنا بماهية هذا البيت قد تكَشّف، وجدنا عدة مرايا مختلفة الطول والعرض والشكل بل والأبعاد. أخذنا ننظر في كل مرآة، الواحدة تلو الأخرى، وتنساب منا الضحكات الطفولية العالية كسيل جارف حتى أننا كنا نسمع صدى صوت ضحكاتنا الممزوجة ببعضها البعض. كان السر وراء هذه الضحكات أن كل مرآة تعطي شكلًا لأجسامنا مختلفًا عما نعرفه. فالمرآة الأولى كانت تعطي شكل قصير لجسدي. كنت أضحك بشدة متسائلة من هذه؟! كنت أبدو شديدة القصر، واتجهت إلى المرآة الأخرى وإذ أجد نفسي بدينة جدًا بل شديدة البدانة لدرجة جعلتني أشك في ذاتي ونظرت إلى جسدي لأتحقق!

توجهت إلى واحدة أخرى وإذا بها النقيض للمرآه الأولى، كنت بالغة الطول، فرحت بتلك الأبعاد حتى لو لم تكن حقيقية حيث أنني كنت من أقل الأطفال طولًا، فتبسمت في خيلاء لزملائي وصرت أتباهى بطول قامتي الجديد! وكانت هناك أشكال وألوان من المرايا التي تغير شكل الجسم وتبدل ملامحه؛ فكانت الغاية الوحيدة هي الضحك والسخرية في تلك اللعبة العجيبة التي لم يعد لها مكان في وقتنا الآن.

كنت أستمتع بكل لحظاتي في هذه التجربة القصيرة، كنت أتفاخر بما ليس حقيقي ولا أملكه من سمات جسدية أيضًا، كنت أتبادل السخرية مع أصدقائي لما تبدو عليه أشكالنا الجدية المزيفة في تلك المرايا العجيبة. ذكريات بدأت تروادني منذ فترة بسيطة لتذكرني بذلك الوقت الحافل بالحيوية والضحك النابع من القلب. وهنا جال بخاطري أن أتأمل في هذا البيت الجميل الذي كنت ألهو به وأستمتع بأسعد الأوقات. تحققت أن سبب حبي له كان نابعًا من فكرة عميقة كانت مترسخة بكياني ولا زلت أؤمن بها. هي فكرة تستحق أن يؤمن بها الجميع ويقدرها لأنها واقعية جدًا. لا تظلم نفسك وتظن أن صورتك الحقيقة هي التي تراها بالمرآة أو بعيون الناس، وإن تعددت المرايا أو شخصيات الناس المحيطين بك؛ قد ينذرك البعض إلى عيب أو ينبهك أصدقاؤك المخلصون الحقيقيون إلى ثغرة في نفسك لترممها، لأنه لن يراها إلا من كان قريبًا منك حقًا، وهذا جيد لأنه يقودك لتكون في وضع أفضل. أما صورتك الحقيقية والأبعاد الفعلية لشخصيتك وقوتك الكامنة وطموحاتك الشخصية فأنت فقط من تدركها، أنت فقط من تحددها، لا تجعل صورتك تهتز بأراء الاخرين، لا تتهاوى عندما تتلقى النقد، لا تصدق كل مرآه تريد أن تبث بك أبعادها وتعكس من خلالك مواطن حرجها لترمي سمها عليك وتخفي ما تخجل منه في دواخل نفسك. لا تصدق من يريد أن يسئ إلى نفسك بأنه يتحكم بك ويؤثر على طموحاتك وملامح واقعك الحقيقي.

آمن بنفسك، ثق بقدراتك، وأدرك مواطن قوتك لتستفيد منها، واعرف نقاط ضعفك لتعمل على إصلاحها. لا تسمح لأحد بأن يعطيك تصورات خاطئة عن شخصيتك أو خططك أو أحلامك. لا تجعل أحدًا يرسم معالم حياتك.  لا أتحدث هنا عن الوهم أو الغرور أو الكبرياء، لست أقصد أن ننتهج هذه الصفات البغيضة، فليس هناك أصعب من سجن الوهم والخيلاء المزيفة، لكني أتمنى أن يعتنق الجميع فلسفة معرفة الذات المعرفة الحقة حتى لا نتخبط في مآسى الحياة أو نبني حياتنا وفقًا لما نراه في عيون الناس.

أدركت أن الدرس الحقيقي الذي كان يجب أن أخرج به من بيت المرايا بجانب شحنة الضحك المكثفة هي الثقة بالنفس مهما كانت مؤثرات الفشل وصيحات اليأس وقهقهات الزيف. أدركت حينها أن لا أجعل أحد يجعلني أشعر بالسوء تجاه نفسي عندما أقابل خديعة مؤسفة أو صداقة مزيفة أو صفعة مؤلمة لأني سوف أنظر إلى معالمي وذاتي الحقيقية في حينها، وأعلم أنها كانت مجرد أبعاد مزيفة حتى لو لم أجد مرآة بأبعاد حقيقية، سوف أتلمس ملامح وجهي بيدي لأتيقن أني على حق!

1