نيوفرسيتي

د. فادي الشلبي
2

تدوينة الدكتور فادي الشلبي.

عندما كنت أستاذًا في جامعة دمشق واجهت تحديات كثيرة كان من أهمها مواءَمةُ أسلوبي التدريسي مع أساليب غالبية الطلاب في التَعّلُم والذين يصل عددهم في بعض الأحيان إلى المئات. وكنت، كما العديد من زملائي، نبذل جهودًا استثنائية لنقوم بجزءٍ من هذه المهمة التي تبدو مستحيلة. وقد قادني هذا الموضوع في عام 2003 لكتابة رسالة الماجستير حول أنماط التعلّم لدى الطلاب وكيف يستطيع المدرس أن يطوّر من أسلوبه ويجعله أكثر ملاءمة لعدد أكبر من الطلاب لتحسين جودة العملية التدريسية وجعل التعلم أكثر جذبًا وإمتاعًا.

هذا لم يكن التحدي الوحيد الذي واجهته في التدريس الجامعي، ففي أثناء المحاضرة كنت أتوقف عدة مرات لأسأل : “هل يوجد سؤال؟” ومن بين عشرات الطلاب الموجودين أمامي، يوجه واحد أو اثنان حول يسألان حول موضوع المحاضرة وبعد الإجابة يقول الطلاب أن الأمر أصبح واضحًا بغض النظر إن كان ذلك يعكس الحقيقة أم لا.

أما بقية الطلاب الذين لدى العديد منهم أكثر من سؤال فيكتفون بالصمت أو هز الرؤوس. وكمدرس لديه منهاج كبير ووقت قصير وعشرات الطلاب أعلم أن هناك الكثير من الأسئلة التي لم تُسأَل بعد، ولكنني لاأملك أمام صمتهم إلا أن أتابع إلى مايليه وهكذا.

ثم يأتي الامتحان وينجح غالبية الطلاب فالقلة منهم يحصل على 90% فما فوق، وأكثر قليلًا بين 70 إلى 90 % والغالبية العظمى تكون بين ال50 و 70% . ونرى الطلاب فرحين بنجاحهم وانتقالهم إلى الفصل التالي. ولكنني كمدرس كنت دومًا أتساءل عن مصير النسبة المئوية التي لم يستطع الطالب أن يتمكن منها، فصحيح أنه ينجح بالمادة، إلا أن هناك نسبة لا يستهان بها قد تصل حتى 49% في بعض الأحيان لم يتقنها الطالب. ومع ذلك فإنه ينجح ليس في المادة فقط وإنما أيضًا من سنة دراسية جامعية إلى الأخرى، وفي السنوات التالية سيواجه صعوبات كبيرة بسبب عدم تمكنه من نسبة كبيرة من المنهاج.

لذلك طالما حلمت بنظام تدريسي لا ينتقل فيه الطالب من مرحلة إلى أخرى إلا بعد أن يتمكن من المادة بشكل كامل، ولا أعني هنا أن يحفظها حفظًا ولكن أن يكون قد استوعبها تمامًا وأصبح قادرًا على توظيفها، نظام يساعد الطالب على دراسة المادة بالسرعة التي تناسبه دون أن يتعرض لأي نوع من الإحراج كما يمّكنه من التعلم التشاركي مع زملاءه من خلال خلق البيئة المناسبة له كي يدرس ويقوم بالتعلم مع زملاءه بغض النظر عن مكان إقامته، حيث يمكن للطالب أينما كان أن يكون له حق التعلم والقدرة على المشاركة.

خلال أوج أزمة اللجوء السورية، وفي أحد أيام شتاء 2015 الباردة كنت ومجموعة من الأصدقاء نقوم بتقديم الطعام لجموع المنتظرين أمام أحد المباني الرسمية في برلين. وبينما كنت أقدم الطعام للواحد تلو الآخر فإذا بي أرى أحد طلابي القدامى من جامعة دمشق وبنظرة سريعة لمن خلفه عرفت أنه يقف مع ثلاثة طلاب آخرين من طلابي السابقين الذين تعرفت عليهم مباشرة، ولكن قساوة المشهد واللحظة كانت كبيرة ومؤثرة، وقفنا جميعًا صامتين نحدق ببعضنا. أكثر ما أحزنني كان ذلك الانكسار النابع من عيونهم وهم الذين تعودت أن أراهم نابضين بالحياة، مليئين بالأحلام، والإرادة لتغيير العالم.

بعد عدة نقاشات معهم خلال عدة لقاءات ومع مجموعة كبيرة من زملائهم، توصلت إلى أن ما ينقصهم هو المهارات اللازمة كي يستطيعوا دخول سوق العمل وإثبات قيمتهم وقدرتهم على أن يكونوا مواطنين فعاّلين في مجتمعهم الجديد.

رغبتي الجامحة بتقديم أي مساعدة لهؤلاء الشباب مع حلمي القديم بإنشاء نظام تعليمي خلاّق ومبتكر أدى لولادة فكرة نيوفرستي.

نيوفرستي هي طريقة مبتكرة للتعّلم تستخدم تقنيات وتطبيقات التعليم الإلكتروني للوصول للمتعلمين في أي مكان كانوا وفي أي وقت يشاؤون ليتعلموا أحدث المهارات الاحترافية بالسرعة التي تناسبهم. إن طريقة التعلّم والتعليم في نيوفرستي تهدف إلى تبسيط التعلم وجعل التعلُم الذاتي ممارسة يومية للجميع كما أنها تعمل على نشر ثقافة التطوير الذاتي عبر التعليم الإلكتروني، وتركز على جعل الطالب يأخذ زمام المبادرة ليكون قائدًا لحياته وحياة من حوله من خلال تزويده بالمعرفة والمهارات اللازمة للحصول على العمل الذي يحلم به أو لإنشاء عمله الخاص.

نستخدم في نيوفيرستي اللغة العربية في التدريس والنقاش لخلق بيئة تعلُّمية مريحة لشبابنا العربي. الدروس في نيوفيرستي حية ومباشرة حيث يتمكن الطالب من التفاعل بشكل مباشر مع أساتذته وزملائه في الوقت الحقيقي باستخدام تقنية الصف الافتراضي الذي يجعل عملية التعلُّم مُمتِعَةً وجذابة.

يتم تسجيل الدروس الحَيَّة ووضعها في حساب الطالب الذي يمكنه مشاهدتها ومراجعتها كما يشاء. وقد تم تصميم حساب الطالب من خلال نظام إدارة التعلم بحيث يستطيع الوصول إلى تسجيلات المحاضرات السابقة والموارد والقراءات الإضافية التي يضعها المدرس كما يمكنه من تحميل وظائفه و قراءة تقييم المدرس وكل ذلك في مكان واحد. كما يسمح نظام نيوفيرستي للطلاب بإنشاء مجموعات احترافية وصداقات مع زملائهم مما يمكنهم من التعلم الثنائي والجماعي والإجابة على استفسارات بعضهم  وكل ذلك يساهم في مساعدة كل طالب على استيعاب كافة المعلومات والانتقال إلى الدرس الجديد بعد التمكّن الكامل من المعلومات بالسرعة التي تناسبه.

تُقدّم نيوفيرستي طيفًا من كورسات المهارات الاحترافية المطلوبة في سوق العمل العالمي المعاصر بالإضافة إلى اللغتين الانجليزية والألمانية. ومايميّز الكورسات والبرامج هو أن الطالب ليس بحاجة لخلفية أكاديمية ليستطيع تَعَلُمها كما أنها لاتحتاج لوقت طويل.

من جهة أخرى فإن الطالب يستطيع أن يعمل مباشرة بعد إنهاء فترة التعلم وتقديم خدماته ليس فقط عبر التوظيف المباشر، وانما أيضًا عن طريق العمل عن بعد لصالح شركات أو أفراد في مدن أخرى. وبفضل المحتوى الريادي المُتضمن في كل برنامج تدريبي فإن المتخرج سيكون بمقدوره تأسيس مشروعه الصغير وتقديم خدماته للمجتمع عن طريق المهارة التي تعلمها.

حصلت نيوفيرستي على الاعتمادية الألمانية كمؤسسة تعليم عن بعد، وانضمّت بذلك إلى قائمة المؤسسات الأوروبية المعتمدة مما يسمح لها بتصدير شهادات لطلابها الذين يُتِمّون برامجها بنجاح. كما حصلت في حزيران من العام 2018 على جائزة كومينيوس لجهودها الطامحة لبناء حلول تعليمية رقمية للعالم العربي من جمعية علم التربية والإعلام والمعلومات الألمانية.

2