دع الأسباب تأتي لاحقاً

11

«تكلّم مع مَن تحب بلا سبب، أرسل رسالة لصديقك بلا سبب، اِبتع هدية لأمك بلا سبب، ولا تسألني عن السبب، باغت الأشياء من حولك ودع الأسباب تأتي لاحقاً!»

قد تشكّل هذه الكلمات التي هي لأديب مصر الراحل نجيب محفوظ حلاً لمشكلة القلق المستمر وهاجس التوتر الدائم الذي يعاني منه الإنسان المُعاصر في وقتنا الحالي. خصوصاً أن أغلبنا يعيش أزمات خانقة على مختلف الأصعدة، مما يجعل مِن الحياة تقع في تجدد مُستمر لأي حافة موجودة. حافة الموت، حافة الإفلاس، حافة الجوع، حافة الأمان.. وكل شيء يصبح ضيقاً ليقوم بإرباك حياتنا.

لا أبالغ إن قلت أنّ القلق هو سرطان هذا العصر ولعنته، الجميع قلق ويقلق، لدرجة أنه في أحد الفترات الماضية كان هناك شخص في هذا العالم يُدعى «بان كي مون» هو المُختص بهذه المُهمة الصعبة، والتي أحياناً قد ترهقه فيستبدلها بالامتعاض وما شاكلها من الكلمات التي تُباع في اللقاءات وعلى مُختلف قنوات التلفاز.

لكن المُثير حقاً في الموضوع أن لا أحد يخاف ويقلق من أجل شيء ما بعينه بقدر ما يخاف ويقلق لأجل سبب هذا الشيء الذي قد يحدث!

لا أحد يخاف من الموت بقدر الخوف من سبب الموت الذي قد يكون رصاصاً أو مرضاً أو تحت ركامٍ ما، أو حتى بشكل طبيعي على الفراش، لدرجة أن هناك دعوة شهيرة عند العجائز يقولونها باستمرار «اللهم لا تجعلنا ثقلاً على ظهر أحد» يتمنون فيها أن يموتوا بشكل سريع، لا يريدون أن يعيشوا مُطوّلاً في حالة «سبب الموت» الذي قد يكون مرضاً عندهم في أغلب الأحوال.

لا أعرف لمَ الجميع يهتم بشكل مُبالغ به بالأسباب وينسى كل شيء آخر، أعرف أن مشيئة القدر ماضية مهما حدث، لكني لا أفهم لماذا نقلق جداً بموضوع الأسباب، وفي بعض الأحيان لا نتحرك دون وجودها!

منذ مدة شاهدت الفيلم الشهير «Forrest Gump» من بطولة النجم الأمريكي «توم هانكس» على الرغم من أن الفيلم يحمل العديد من المعاني المُهمة والمُلهمة في الحياة إلا أن أكثر شيء لفت نظري فيه وتعلمته منه هو أن الأسباب غير مُهمة أبداً!

لا تجعل نفسك بحاجة إلى أسباب أو دوافع لا تتحرك بدونها، مارس حياتك بشكلٍ عفوي ودع الأسباب تأتي لاحقاً!

البطل يعيش حياته وفقاً لهذا القانون البسيط، قانون العفوية في كل شيء، يذهب للمدرسة وبعدها الجامعة ومن ثمّ يُشارك في الحروب ويكوّن الصداقات ويُصبح غنيّاً وعدّة أمور أخرى بدون أي سبب، فقط لأنها كانت تظهر في طريقه ويرى نفسه مُنساقاً لها!

لدرجة أنه في أحد الأيام يبدأ بالمشي ويستمر فيه بلا سبب! فيقضي ثلاثة أشهر وهو يمشي ويمشي ويمشي ليصبح بعدها من أفضل العدائين في العالم!

المثير للسخرية أنه أثناء مشيه ودورانه الطويل حول العالم اعترضه المئات من الصحفيين الذين كانوا يسألوه لماذا تمشي؟! هل من أجل السلام العالمي؟! أم من أجل مرضى الإيدز؟! هل تمشي تضامناً مع حقوق الحيوانات والجمادات؟!

وهو طبعاً لا يعرف شيئاً مما يقولون، فقط يمشي ويمشي ويمشي، والبديع في الموضوع أن كل شيء يسير معه بتناسق، وكأن الحياة تقول له كن عفوياً وعلى طبيعتك وامشِ!

أؤمن بأن الأسباب مُهمة والأخذ بها واجب، لكن لا أؤمن بدرجة الخوف والقلق التي يعيش البعض بسببها ورهبةً منها، أو انتظاراً لها لكي تكون لهم دافعاً في فعل شيء أو تنفيذ أمر ما.

يراك البعض تبتسم، فيسألونك لماذا تبتسم؟! هل أنت مجنون، هل أنت فاقد للعقل!

كل شيء لديهم يجب أن يكون له سبب، لهذا القلق دائماً ما يكون رديفهم في مختلف الأمور.

تشتري هدية لصديقك وتقدمها له فيسألك، وما مناسبة هذه الهدية؟!

تباً لك أيها الصديق، وهل يجب أن يكون للهدية سبب أيضاً!

الأسباب، الأسباب، الأسباب، قد تكون حافزاً ودافعاً وقد تكون لعنة حقيقية تسمعها على ألسنة الجميع وتشعر بها في قلوبهم.

خُذ بالأسباب قدر المستطاع، لكن لا تجعلها قضيّة كل شيء، بعض الأمور لا تحتاج لأسباب، بعض الأمور عفويّة تحتاج لأشياء أخرى لا تعرفها حتى تشعر بها أو تمر بظروفها، الأسباب قد تنسف قيم الجمال من بعض لحظات الحياة.

لا تنتظر أكثر، باغت الأشياء من حولك، ودع الأسباب تأتي لاحقاً!

11