لا للعزوبيّة، نعم للزواج والأطفال والحفاضات

10

هناك نوعان من العُزّاب “السناغل” في هذا العصر، أولهم هو حالة “السنغل المزيّف”، ذاك الذي يُشكّل 90% من الحالات، كونه أعزب ليسَ لأنه لا يُريد أن يتزوّج بل لأن فرصة دخول السجن الذهبي لم تسنح له إلى الآن. فهو مسكين لا يملك إرادة اختيار مِن الأساس، فكان أعزبًا كون الظروف قد فرضت عليه ذلك.

النوع الثاني هو أعزب بعدَ أن أصبحَ دخله المادي مُستقرًا، وبعد أن امتلك منزلًا واسعًا مُستقلًا عن أهله، وبعد أن جمعَ عدد من العوامل التي تؤهبه لشيء واحد وحيد ألا وهو دخول “وقت الذروة” فيما يُعرف بالترجمة الحرفيّة لكلمة “Hochzeit” في اللغة الألمانيّة التي تعني حفل الزواج.

وقت الذروة، أي أن ما قبله فترة انحطاط، وما بعده فترة انحطاط، أما يوم الزواج فهو الذروة. غير ذلك، الأمر لا يتعدَ كونه تضحية بشخصين.

لو تأمّلنا قليلًا في هذا العالم الحديث مِن وجهة نظر الفيلسوف الإيطالي المُلقّب بالفاشي الأعظم “يوليوس إيفولا” ومؤلّف الكتاب الشهير “Revolt Against The Modern World” لوجدناه يسير في طريق مُخالف للطريق المعروف تاريخيًا على الأقل، طريق يقول البعض أنّه سيوصل بعض الحضارات للانهيار، لا سيما الحضارة الغربية التي تحدّث عنها أوزفالد شبنغلر في كتاب اضمحلال الغرب.

هذا العالم لم يتخلَ عن الروحانيات ويجعلها من عناصر التخلّف والماضي فحسب، بل بدأ يتخلى ويخالف قوانين الطبيعة ذات نفسها أيضًا! لا سيما في موضوع الزواج والإنجاب.

يقول “هيو هيفنر” مؤسّس مجلة بلاي بوي المعروفة كأوّل مجلة إباحية في العالم: إن هدفنا هو أن نصنع صورة الرجل العصري مُتعدد العلاقات، الرجل الغير مُلتزم بأحد.

ولا شك أن هيو هيفنر الذي أطلق شرارة الإباحية الحديثة التي انفجرت في وقتنا الحالي، كان يعرف بدقّة ما يتكلم عنه، ولا شك أنه استطاع أن يصل إلى هدفه بدقّة بالغة.

مِن خلال ما أراه يوميًا في حياة مَن حولي، يمكن القول أنّ شباب الجيل الحالي بنسبة تصل إلى 75% رافضين لفكرة الزواج، فكرة الارتباط والمسؤوليّة تجاه أشخاص مُحددين، فكرة الالتزام الحقيقي والابتعاد عن قوقعة الصخب والطيش التي اعتاد الكثير منهم عليها.

أما الطرف الآخر، أي الـ 25% المتبقيّة فهم الزيجات التي تحدث بظروف لا تدعوك إلا لأن تضرب كفًّا بكف قائلًا ما الذي يجري بحق السماء؟! زيجات الشاب الذي لم يعد يحتمل نفسه، وأنه أصبح بحاجة لأشبه بـ “مرحاض جنسي” – مع احترامي لك عزيزي القارئ – ليفرّغ طاقته، أو فتاة شعرت أن عمرها بدأ ينقضي، وأن مَن حولها من عقارب قد تزوّجن، وأن كلمة “عانس” قد أصبحت قاب قوسين أو أدنى!

أما زواج حقيقي، هادف، موجّه على الأقل بفكر متوسط لدى راغبه، وساعي نحو إنجاب وتأسيس أفراد ناضجين فهو غير موجود! صحيح أن للإنسان حاجات غريزيّة مُتأصّلة فيه لكن “الوقاحة” في إظهارها في هذا الموضوع بالتحديد قد بلغت حدًا كبيرًا.

لديّ صديق حدثني منذ فترة عن فتاة يحبها، صدّقته في البداية لكن بمجرّد أن قال لي أنها فُلانة وعرفتُ مَن هي تغيّرت نظرتي له كليًا، لأنه أثبت لي أنه ساذج من أولئك الذين لا يفرّقون بين الحب، وبين الانجذاب الغريزي الناتج عن خصوبة الطرف المقابل، التي تتجسّد غالبًا في ملامح مُعيّنة وُجِدت عند فتاته فكانت عيونها ملونة، بيضاء، وما إلى ذلك.

قلتُ له بشيء من الاختصار: قِف إذن على الطابور، لأن “حبك” لهذه الفتاة – ذات الناحية التجميليّة العالية – تقريبًا هو الحب رقم 103 لو احتسبنا حب بقية الشبان هنا الذين يعتقدون بأن هذا حب!

مِن ناحية أخرى، لدينا الأفراد الجُدد أصحاب المَلكات الفكريّة العُليا، الذي عزفوا عن الزواج أيضًا كونهم قد وصلوا إلى قمة الهرم المعرفي فزهدوا بكل شيء، فطالت شعورهم وذقونهم وعقولهم، وطالَ موعد أنه يجب أن يتزوجوا هم أكثر من غيرهم أيضًا!

أعتقد أن السبب في ذلك يرجع لأعمق نقطة في الإنسان ألا وهي جيناته. الطبيعة باختصار لا تُريد المفكّرين العظماء الذين لا يُشق لهم غبار، الذين أدركوا حقيقة الوجود ومعاني الحياة. ليسَ هذا ما تُريد، المطلوب فقط هو الذي يستطيع أن يتكاثر، من أجل أن يقوم بدوره وينتج أفرادًا قادرين على القيام بدورهم أيضًا.

وبما أن الإنسان هو كائن واعي لدرجات مُعقّدة – بعض الحيوانات تمتلك وعيًا بسيطًا – فأصبح الوحيد الذي بإمكانه أن يقوم على الأقل – بفعل عقله وبالتالي وعيه – بنوع من التكاثر الموجّه المُفيد.

لذلك تقوم الجينات بقتل الرغبة في الحياة – حاول أن تتبّع فكرة الانتحار ومَن أبرز روادها – وإجهاض رغبة الفرد في الزواج والارتباط لدى أولئك أصحاب العقول الكبيرة، فيما يشبه بآلية عقابية لكل شخص مُتمرد ضد قوانينها، كونه وصل لمكان ما ورأى ما لا يجب رؤيته، فقامت بعقابه بحرمانه من متعة عيشه، ومن متعة نقل مورثاته أيضًا.

وكأن الجين يقول: نريدك فقط أن تتكاثر، بمجرّد أن تقوم بغير ذلك سنقوم بقطع نسلك!

ما أريد قوله هنا، أنّ الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على التحكّم في هذا الموضوع. الإنسان بإمكانه ألا يتكاثر وأن يسير إلى الانقراض الاختياري كما يحدث في حركات اللإنجابية، وفي نفس الوقت يستطيع أن يتكاثر انشطاريًا مُنتجًا 22 فرد في بطن واحدة وكأنه أرنب.

بدلًا من هذا لا بد من وجود شيء من التكاثر الموجّه على الأقل، في محاولة لتجنّب المجازفات التي يدخلها الغالبية دون إدراك العواقب المترتبة على ذلك، خصوصًا أن بعض الحركات المتطرفة كاللإنجابية أصبح لديهم بعض المؤيدين بسبب العته الولادي الذي ينبض به المجتمع، فالخطأ الفادح للطرف الأول جعلَ البعض يعتقد أن أصحاب الموقف الثاني على حق!

عدم الإنجاب أمر خاطئ ومخالف لقوانين الطبيعة، لكن أن تنجب كالسمكة أمر مرعب للجيل القادم، لا سيما أنه سيقود لولادة أفراد محدودي الدخل، محدودي الذكاء، وأشبه ما يكونوا بمستودع من الأمراض الوراثية.

يستحضرني هنا مشهد من فيلم ماتريكس الفلسفي، عندما يقول العميل سميث لنيو أن هناك على سطح هذا الكوكب نوعين من الكائنات التي تتكاثر بغض النظر عن الظروف والموارد المتاحة، ضاربةً بعرض الحائط كل شيء أمامها. الأوّل هي الفيروسات، التي تنفجر بشكل عشوائي دون أي مُراعاة، ومن ثم تندخل فيمن تراه من كائنات أخرى، متكاثرةً بأعداد مهولة صعبة التدبير.

أما الكائن الثاني فهو الإنسان، الإنسان يتكاثر بشكل مجنون وغير محسوب، لذلك يمكن القول – من وجهة نظر العميل سميث – أن الإنسان هو فيروس هذا الكوكب!

سيجد البعض في هذا الكلام نوعًا من التطرّف، والبعض الآخر سيوافقه، ما أراه هنا أقرب للواقع هو أن الإنسان كائن حيادي. الحياة بدأت قبله وستستمر بعده. محوريّة الإنسان أمر قد تم نفيه منذ زمن، لاسيما في مقال فرويد الشهير “الجروح النفسية الثلاث التي ضربت نرجسيّة البشر”. لربما هو أحيانًا يُشاغب، ويقفز، وينزل ويذهب هنا، ويضرب هناك إلا أنه محدود على الأقل من وجهة نظر كونيّة، وإن استطاع أن يحدث ضررًا ما فهو لن يكون وبالًا إلا عليه!

أي خطأ يرتكبه الإنسان ستكون نتيجته الحتمية على الإنسان، هو الفاعل وبنفس الوقت هو الضحية!

إيمانًا بحيادية الإنسان هنا، وليسَ تصغيرًا له كموقف كارل سيغان منه، يكون الهدف من الحياة هو أن تحسّنها، لأنها ستنعكس عليك في النهاية، أن تقودها للأفضل، أن تقلل من تعاسة البشر، أن تساهم بكل شيء يرفع سعادتهم ويُقلل من بؤسهم.

لن يحدث كل هذا إلا بالتزام ما أشار إليه يوليوس إيفولا في كتابه الوقوف ضد العالم الحديث الذي بدأ يجني على نفسه. وفي نفس الوقت التزام قيم أخرى تحل محل ما ذكره إيفولا لتناسب توجّهك الثقافي والديني والاجتماعي. أي أنك يجب تستجيب للطرفين معًا.

تستجيب للإله في تحقيق نوع من الروحانية، وتستجيب للطبيعة بتحقيق دورك البيولوجي فيها. لكن رجاءً اختاروا بدقة مع من يجب أن تكملوا أرواحكم وأن تتبادلوا سوائلكم! اختاروا بدقة، اختاروا الطرف الصحيح!

مرّ على رأسي بعض الحالات التي يُرسل فيها الشبان أمهاتهم بورقة مكتوب عليها مواصفات فتاة الأحلام، وكلها صفات شكلية! لا تخرّج من مُتتالية (شقراء، زرقاء، قصيرة … الخ) وغيرها من الصفات التي تجعل العملية أقرب للبحث عن كيلو موز وليسَ البحث عن زوجة!

أو فتاة لا يهمها في الرجل سوى كونه ملياردير وبنك متنقّل، مهمته أن يعمل كحصان عربة طوال عمره من أجل تأمين ما يلزم لها ولمن أنجبته بدورها، خصوصًا إن كانت فيمنست تقضي جُل حياتها تدعو للمساواة، وعندما نأتي لمساواة الرجل والمرأة بالعمل من أجل المنزل يُصبح الرجل قوام على النساء!

ما هذا بحق السماء! مثقف يضرب عن الزواج كونه أصبح أهبلًا لم يعد لديه الوقت الكافي الذي ملأه ببؤس سيوران وكافكا، فتاة حالمة تضرب بعرض الحائط أحلام مَن يتقدم لها كونها أصيبت بحمّى التعلق بأبطال الروايات فلم يعد يعجبها العجب!

ألا يوجد إنسان هنا يستطيع أن يوازن! أن يكون مفكّرًا وبنفس الوقت يكون سعيدًا! أن يسعى نحو الارتباط والاستقرار! أن تكون فتاة قارئة وبنفس الوقت واقعيّة! أن تكون ساعي بجدّ نحو أن تكون أب إلا أنك لستَ أرنب! أن تكون مُضرب عن الأمر لكنك لست معقّد!

هذا العالم يسير إلى الهاوية، ليسَ لأنه خالف الروحانيات فمخالفتها موجودة منذ لحظة وجودها، بل لأنه بدأ يخالف قوانين الطبيعة نفسها! لذلك لابد من المواجهة وهنا أقصد أي إنسان يمتلك حدًا مقبولًا من الفِكر، هنا تكمن البطولة، أن تقف ضد كل هذا السير الوئيد نحو الاضمحلال، وأن ترفع شعارًا: لا للعزوبية، نعم للزواج، نعم للأطفال.

أو كما قالها يوليوس إيفولا قبل 80 سنة مضت من الزمن: لننتفض ضد هذا العالم الحديث!

عبدالرحمن عرفة

طبيب أسنان ومُبرمج قديم الطراز للغتي Visual Basic وAssembly. مُهتم بالتاريخ لفهم الماضي والعلوم من أجل اقتحام المستقبل. بعيدًا عن عالم البشر فأنا أحب عالم الأرقام.

10

شاركنا رأيك حول "لا للعزوبيّة، نعم للزواج والأطفال والحفاضات"