فلسفة الميكروباص في خمسة نقاط

1

تدوينة: آية خطاب

إن كُنت من محبي الفلسفة وتبحث عنها في الكُتب، تحسسها في المواقف والأشخاص فـ أدعوك عزيزي القارئ لـ تشاركني فلسفتي الخاصة التي جنيتها من ترددي الدائم على الميكروباص، كـ واحدة من أكثر سُكانه المُخلصين.. اُومن بالرحلة وأعلم أن الأمر لا يتوقف على أربع عجلات يتخبطون في طريق متعرج لينقل سُكانه لمكان أخر دون أن يكون للأمر جدوى أخرى..

سأقص عليك ما جنيت في خمسة نقاط رُبما تربطهم علاقة وطيدة أو لا، سنُدرك سويًا:

  • رحلة الميكروباص التي رُبما تبدأ من “الموقف” أو رُبما تلحق به في منتصف الطريق، تُشبه الحياة تمامًا، الحياة ماهي ألا طُرق كثيرة ومُتداخلة رُبما تأخذ الطريق من أوله لمنتهاه، بينما أحيانًا تجد أنك في حاجة لـقطع طريقك لتبدأ أخر، لا يُهم يا عزيزي من أين ستبدأ ولكن الأهم أن تُدرك وجهتك، مُحددًا أين ستصل.
  • أتذكر صديقة قالت لي ذات مرة ونحن نترجل الميكروباص (اقعدي في النص) فسألتها بفضول بيّن لماذا؟ وكان جوابها عن اقتناع وبمحاولات جادة لإقناعي أن الجلوس في منتصف الميكروباص يبعدك عن اي حادث مُحتمل، فـ أنت لا تجلس في المُقدمة بجوار السائق، ولا في احدى الناحيتين التي رُبما خطئًا يتعرضون لـ صدمة مُفاجئة تُصيب أحدهم او تؤدي بحياة أخر ولا في النهاية مُعرضًا لحادث بالخطأ.. لم أنسي نصيحتها ابدًا ولكن للأسف لم أعمل بها أبدًا. رٌبما احتياطي الغير مُبرر يمنعني من التمتع بالجلوس بجوار النافذة ويمنعني من الجلوس في راحة احتاجها احيانًا بجوار السائق في مقعدين لي وحدي.. ورُبما يمنعني من الجلوس في اخر مقعد فلا يطلب مني أحدهم (ممكن أعدي؟).. فـ عزيزي أرجوك إن كان شيء لا تضمنه يمنعك عن سعادة وراحة تضمنها فـ ضحي بالأول من أجل الأخير.
  • (ماهي بتاعتكم، أنا يادوب بوصلكم بس) واحدة من أرق الترحيبات التي اخترقت مسامعي واستوطنت قلبي، قالها أحد السائقين لنا ذات مرة حينما جادله أحد الرُكاب فـ قال ثالثًا مُحاولًا تهدئة الأمر (ما احنا شوية ونازلين يا جماعة خلاص) فـ رد عليه السائق بذاك الرد الذي اخبرتك أياه.. من أين جاء بهذه القناعة؟ تلك السيارة إن لم تكن ملكه فبالكاد ستكُن من نصيب أحد اصدقاءه او معارفه ولكن كلمته كانت اطيب مما يتصور هو، وأتذكر جيدًا ذاك الشاب الذي نظر نظرة سريعة لـ (يُتمم) على عدد الرُكاب وقبل أن يُغلق الباب قال بصوت جاد (اللي ماعهوش فكة ينزل).. اعتقد حتى وأن كان بحوزتك مال الأرض جميعًا ستشعُر بالضيق.. ما اسوء أن تشعر ولو لدقيقة أنك غير مُرحب بك..

عزيزي، الكلمة صدقة، وحسن الضيافة واجب، ولا أحد ينتظر منك سوى ابتسامة وكلمة طيبة فـ كُن خفيفًا قدر الأمكان.

  • كم تعجبني تلك المُكالمة الخاطفة التي يتبادلها السائقين، أحدهم يخبرك بالشوارع المُزدحمة وأحدهم يوصيك بربط الحزام استعدادًا لتلك اللجنة التي تقف في الطريق، أجد في ذلك حنكة وحُسن تصرُف، لا تخوض المعارك بمُفردك ما دام بجوارك من يستطيع إرشادك وإنارة الطريق لك.. ولكن دعني أُكد لك إن هناك معارك ومواقف لا بُد من خوضها بمفردك.. ألا وستجد نفسك تابع، تعيش تجارب ما هي بتجاربك، لم تكتسب أي خبرة ألا عن طريق الأخرين، فـ استعن بالناس احيانًا واسعي لخوض المعارك وحدك أحيانًا اخرى لتصنع لنفسك تجره خاصة يمكن ان تُشاركها مع أحدهم ذات يوم. أو تقصها على نفسك على الأقل.
  • بعض المواصلات تستغرق دقائق والأخرى ساعات، بعضها تسير بسرعة والاخرى تترجل كالسلحفاء، ولكن في نهاية الأمر مهما طالت الرحلة أو قصرت مهما وصل شقاءها، ستنتهي، ستصل لنهايتها، فـ حاول جاهدًا أن تستمتع بها، أن تستمتع بحياتك.

إن كُنت من محبي الفلسفة وتبحث عنها في الكُتب، أدعوك للبحث عنها في الشوارع والطرقات، في أعين الناس.. وفي تجاربهم.

1