قوة الكلمة وتأثيرها على النفس

4

تدوينة: أيوب الوكيلي

كلمات الفيلسوف الصيني لا وتسو:

“راقب أفكارك لأنها ستصبح كلمات ….. راقب كلماتك لأنها ستصبح أفعال

راقب أفعالك لأنها ستتحول إلى عادات….. راقب عاداتك لأنها تكون شخصيتك

راقب شخصيتك لأنها ستحدد مصيرك”

يعتبر تومس إديسون من أعظم العلماء والمخترعين في القرن العشرين إذ خلف وراءه كما كبيرا من الاختراعات والابتكارات، التي لا تعد ولا تحصى، بيد أن العامل الأساسي في نجاحه يعود إلى أمه التي ساعدته ووثقت بقدرته على النجاح رغم أن الجميع اعتبره متخلفا و غير نافع لمجال المعرفة والعلم. كان في الصف الابتدائي فجاءت رسالة من المدرس، ففتحت الأم الرسالة وجعلت تقرأ قراءة صامتة ودموعها تنحدر، فقال اديسون الطفل ماذا هناك يا أمي؟   فقالت مكتوب يا حبيبي يا بني أنك عبقري وذكي  حيث أن المدرسة غير قادرة على استيعاب قدراتك الفائق لهذا يدعونني إلى البحث عن مدرسة تليق بذكائك وعبقرتيك.

فابتسم الطفل وسر، وكان ذلك اليوم آخر لقاء له بالمدرس، حيث ندبت أمه وقتها لتعليمه ومساعدته حتى أضحى إديسون الذي نسمع عنه اليوم. توفيت أمه وفي يوم من الأيام يفتش في أوراقها ومذكراتها فيقع على تلك الرسالة من المدرسة بذلك التاريخ القديم، يود أن يقرأها مرة أخرى لأنها ألقت بظلال طيبة على نفسه فإذا به يقرأ ” إلى السيدة المُحترَمة نانسي إديسون Nancy Edison نحيطك علماً بأن ابنك غبي وبليد جداً، وقد أتعبنا وأشقانا لذلك نرغب إليك بدءا من اليوم ألا يأتي إلى المدرسة والسلام” فانحدرت الدموع من عينيه ثم قال “إديسون Edison الطفل الغبي أحالته الأم الرائعة إلى عبقري عظيم”.

إنها قصة إنسانية بامتياز تؤكد أهمية الكلمة الطيبة في تشكيل وبناء شخصية الفرد، حينما قال اديسون بأن الطفل الغبي جعلته أمه طفلا عبقريا، فهو صادق لأن حقل الاحتمالات يفترض كل شيء، لو أخبرته أمه بالرسالة كما هي ولم تشجعه وتساعده لما كان إديسون الذي نعرفه اليوم موجودا، هنا تكمن قوة الكملة وتأثيرها على النفس.

تأثير الأفكار فينا ليس ينكر وليس مما يُجادَل فيه، فأفكارك هي التي يمكن أن تجعل حياتك مزهرة أو تجعلها أشواكا، معنى هذا أن هناك أشياء كثيرة قد تكون موجودة لا ندركها ولا نحس بها ولا نراها مع أنها موجودة لأنه لم توضع كلمات تعبر عنها، كل شيء في هذا العالم له طاقة يجب أن ننتبه لقوتها ومدى تأثيرها على أفعالنا وتصرفاتنا. إذن تأثير الكلمة يبدو أنه أكبر وأعمق وأكثر فاعلية مما نظن ونحسب، للكلمة قوة في مشاعر الإنسان وتوجه قدراته و إمكاناته، لهذا فإن حياتنا ليست من صنع أفكارنا بل أيضاً من صنع كلماتنا.

نتحدث مع أنفسنا دون انقطاع، لكن السؤال الذي يفرض نفسه، ما هي طبيعة الحوار الذي نقيمه مع هذه الذات، فالنفس مثل الطاحونة ومثل الرحى تدور باستمرار، يسعد بهذا الحديث الأشخاص الذين يحدثون أنفسهم بحوار إيجابي وفعال. فالقول الطيب يريح النفس ويدخلها في نوع من الراحة والاستقرار، حين نواجه موقفا شخصيا كيفما كان، فإننا نعود إلى الذات بمجموعة من الصفات والأقوال الداخلية، التي تحتاج منا أن نكون حذرين تجاه ما نقوله لأنفسنا.

إذا حدث لك موقف سلبي أو عدواني فكن حذرا من الكلمات التي تقولها لنفسك لأنها سوف تنعكس ماديا على صحتك النفسية والبدنية، إن كل كلمة نقولها تحمل مشاعر ودلالات قد  نقول مثلا لقد دمَّرني وأهلكني وأحرقني، هذه الكلمات لها تأثير سلبي على الصحة، لأن الكلمة لها قوة و فعالية على النفس البشرية، هذا الأمر تعززه الفكرة القائل بأننا نتاج لما يجول في خاطرنا من توقعات وأفكار.

حينما نعبر بشكل متشائم تجاه قضية ما أو وضعية ما تفعل جملة من المشاعر التي تشغل جيناتGenès التي تعطي أوامر بإفراز ناقلات عصبية والهرمونات المسؤول عن حالة الإجهاد والتعب والقلق، هذه الكلمات تجهد البدن ويحس ماديا بنوع من القلق فيرسل الجسد مجموعة من الهرمونات، لهذا فإن الأشخاص الذي يتوقعون الأشياء السلبية دائما يكونون معرضين للضغط النفسي، والمعاناة والموت المبكر، لأنهم يستنزفون طاقة كبيرة بشكل مستمر.

كل واحد منا يقيم حوارا مع العالم الخارجي عن طريق التواصل، إضافة لذلك يوجد الحوار الداخلي أو ما يسميه علماء النفس الحديث مع الذات، فإن كل إنسان كان سويا أو مريضا يحدث نفسه، لكن القضية تكمن في أن العلماء وجدوا أن الأشخاص الذين يحدثون أنفسهم بشكل إيجابي ويقولون كلمات طيبة وحسنة، ينعكس ذلك إيجابا على حالتهم النفسية بنوع من الهدوء الوجداني والعاطفي، فالحديث مع النفس بشكل إيجابي ليس عملية سهلة إنما تتطلب جهدا كبيرا من أجل ترويد الدماغ التلقائي الذي يميل إلى الحوارات السلبية، وبالتالي فإن الإيجابيين مزدهرين دائماً ينظرون إلى الجانب المشرق و الجميل في الحياة.

في أحدث التجارب في علم الأعصاب وجد العلماء أن الأشخاص الذين يكررون كلمة سلام لمدة طويلة ينعكس ذلك إيجابا على بناء شخصيتهم،  فتكرار هذه الكلمة عدة مرات لدقائق يومياً، توجد أثرا غير طبيعي في القضاء على مشاعر القلق والإجهاد والخوف والحزن، وهذا ما أكد عليه عالم الأعصاب الأمريكي الشهير جداً أندريو نيوبر غ Andrew Newberg في كتابه اسمه Word Can Change Your Brian،” الكلمات يمكن أن تغير دماغك”.

العجيب أن المسألة لم تعد معرفية وعقلية، بل نجد تمظهرا كيميائيا لهذه الحالة، فالأشخاص الذين يتداولون الكلمات الطيبة في الحديث الداخلي، تقل لديهم نوبات القلق و تسود ليدهم حالة السكون الداخلي، لأن الدماغ يخلق مسارات عصبية عبر التعبيرات الذهنية التي تتكر، ينتج عنها نوع من الاسترخاء والراحة النفسية.

وهذه المسارات يمكن تغيرها بأن تخلق مسارات جانبية موازية جديدة فتبدأ أنماط جديدة في التفكير وأنماط جديدة في المشاعر وفي العواطف وفي السلوك، وهذا الأمر يعرفه علماء الأعصاب باللدونة العصبية Neuroplasticity، حيث ينتقل السلوك من مستوى المزاج إلى الطبع ثم الكيان حيث يصبح جزءا داخليا منك، والمقصود باللدونة العصبية أي المرونة، الشيء الذي يعطي إمكانية لتغيير العادات السلبية التي نرجو التخلص منها إلى أخرى إيجابية.

وعلاوة على ذلك فإن التعود على الحوار الإيجابي تجاه الأزمات والتحديات، يقلص من حجم اللوزة،amygdale  المسؤولة عن الجانب العاطفي المنتج للمخاوف والقلق، كلما كبرت تحدث مشاكل، حيث نصبح كائنات غير منطقية، سوف نتصرف دائماً عاطفياً نفقد السيطرة على أنفسنا، ويتراجع مباشرة عمل المخ المنطقي أو المخ العاقل، بهذا الشكل فإن قوة الدماغ المفكر تستطيع السيطرة على منطقة الانفعال، حيث يكون الدماغ العاقل هو القائد الموجه لشخصية الفرد.

كما يوجد في الدماغ خلايا مرآتيه  تنشط أثناء بناء العلاقات الاجتماعية والتواصلية مع الناس هناك خلايا تُسمى الخلايا المرآوية Mirror neurones ومن ثم إذا ابتسمت في وجه شخص ما تتفاعل هذه الخلايا المرآوية وتُفرِز نواقل عصبية أيضاً وهرمونات تجعلك في حالة أقرب إلى السرور والابتسام، و حينما تغضب فإنك تشجع الخلايا على عكس نفس الإحساس لدى الآخرين.  لهذا يجب أن نتحرى الصدق في المشاعر التي نحملها لغيرنا من الناس، فالمشاعر المزيفة يتم اكتشافها بشكل أسرع، قضية الحب المتبادل بين الجميع مهمة، وعلى الواحد منا اختيار الكلمات التي يخاطب بها الناس بعناية وجودة.

لهذا يجب أن ننتبه لردود الأفعال التي نقوم بها أثناء عملية التواصل، فمن خلال ما قدمه العلماء، تبين أننا نتواصل من خلال النماذج التلقائية التي تعودنا عليها، وبالتالي يجب أن يحضر الوعي والانتباه أثناء عملية الحوار والتواصل، لكي نتمكن من إنجاح عملية التواصل ويكون فاعلا.

كما أنه تلعب التربية دورا أساسيا في تعزيز هذه المهارات لدى الطفل بشكل مباشر. فالذي  نشأ في أسر مهارات التواصل فيها ضعيفة جداً، حيث يكون الأب في الأعلى لا يحترم أطفاله ولا يقدرهم إنما يركز على قيمته الاعتبارية وفقط، في المجتمعات والاوساط الاسرية التي يغيب فيها التواصل، يكون الشخص معطوبا على المستوى العاطفي في التعاطي مع الظواهر والمشاكل التي يسقط بها نتيجة لأشكال التربوية الخاطئة.

إضافة لذلك فبإمكاننا التخلص من الذكريات السلبية يمكن تغيرها عن طريق رصد أهم المشاعر التي تحس بها أثناء تذكر الموقف، وحاول أن تنتج رد فعل ساخر تجاه ما قمت به من أفعال. اجلس وخذ نفساً عميقاً واستذكر هذا الحدث الأليم، فأنت دائماً تستذكره من جانبه الأليم لكن حاول الآن بمنطق العاقل ومنطق الإنسان الذي يريد أن يزدهر إيجابياً أن تنظر إليه من الزاوية الإيجابية وما هي الأشياء التي عززت ثقتك في نفسك تجاه هذا الموضوع.

نخلص من ما سبق أن للكلمات وقع كبير على الحالة النفسية والمزاجية لكل واحد منا، خصوصا أننا نعيش داخل مجتمع تسود فيه مظاهر السلبية والتشاؤم في مجمل أنحاء الحياة، لهذا نحن في حاجة إلى خلق عادة الحوار الإيجابي مع النفس ومعرفة الأساليب الماكرة التي تتحايل بها علينا من أجل ترويض الذهن على رؤية الجزء المملوء من الكأس وليس الجزء الفارغ، فكن جميلا ترى الوجود جميلا.

4