رحلة البحث عن الذات

2

تدوينة: لافا مسلم

كيف يمكنني الكتابة عن شيء اخترت القيام به لعجزي عن الحديث عنه؟ أنا تلك الشخصية المتعددة التي ينفجر بداخلها ألف بركان من المشاعر والعواطف المتشابهة والمتناقضة في آن معًا.. الهدوء والسكون الداخلي ما احتاجه دائمًا ودائمًا ما أفشل بتحقيق ذلك، لذا خرجت إلى هذا العالم بكثير من الهوايات والشغف المتكرر والدائم تجاه العديد من الأمور والأشياء في الحياة. لطالما كان شغفي تجاه الغناء والشهرة لا يخمد وما زال لكن الغناء لم يحقق لي تلك السكينة المبتغاة لكون الغناء لا يمارس لتهدئة روح المغني… إنما المستمع. كثيرًا ما كنت ابحث عن ذاتي بكل قواي من خلال الكثير من الهوايات منها الغناء كما ذكرت والكتابة في أيام مراهقتي أحيانًا الرقص أو حتى جمع عينات من النباتات في دفتر خصصته لذلك وغالبًا ما فشلت في إكمال جميعها حتى في الرسم كنت استسلم من محاولاتي الأولى لشعوري بعدم الجدوى.

في طفولتي ابتعت عددًا لا بأس به من كراسات الرسم والأقلام الملونة ولم تكن لدي أدنى مهارة لملء 5 ورقات من الكراسة، كان الملل والشعور بالفشل ينتابانني بمجرد الانتهاء من اللوحة الثانية. غالبًا ما كان يحدثني لسان حالي قائلا: “والآن أين تعتقدين أنك ستصلين وماذا تظنين أنك فاعلة؟ وهل يدعى هذا بالإنجاز” وهكذا كنت أترك ألواني تجف أو تتحول إلى أشياء عديمة القيمة بين أيدي أخوتي الصغار لتنتهي فيما بعد إلى القمامة.

كمن يصعد السلم العالي جدًا ويرفع رأسه فجأة ليرى كم تبقى له للوصول للقمة.. فيعود أدراجه لاكتشافه أن ما تبقى كثير جدًا ولا تبدو له نهاية. إذا لم أكن أملك ذاك الصبر ولا تلك الحكمة.. كنت أقفز من منتصف طريق إلى بداية آخر وهكذا إلى ان بلغت الواحد والعشرين من عمري فكنت امرأة متزوجة لم تكمل دراستها في مجال الهندسة الميكانيكية وهاجرت إلى تركيا لتكتشف شغفها الإضافي في مجال الإعلام فعملت بعدة إذاعات قبل أن تهاجر اوروبا.

هناك رزقت بطفل جميل غير الكثير من مكنوناتي الثابتة…الشعور بالوقت هو أهم ما منحني إياه طفلي حيث كنت في السادسة والعشرون ولحظة عند أول لقاء بيننا التصق فيها جسده الدافئ الطري بجسدي المتهالك على سرير المستشفى وأنا أسمع نبضات قلبه التي تجاري الثواني في سرعتها. عندها فقط بدأت أشعر بالوقت يهرب مني ويأبى الرجوع.

فكرت… علي إيجاد نفسي بسرعة، أخاف من أن يتوقف عداد عمري القصير وأنا لم ألتقي بها بعد. أخشى التلاشي، إن أولئك الذين لا يلتقون ذواتهم، تتلاشى أرواحهم بعد انطفاء أجسادهم. قررت أن أكون عملية أكثر في الخطوات التي اخطوها في حياتي. أن أركز على هدف بعينه دون الآخر لأصل لنهايته فإما النجاح او الفشل وفي الحالة الثانية علي أن انتقي بسرعة خيارا آخر وأسعى للوصول لنهايته.

إن وجود طفل في حياة المرء إلى جانب سعيه نحو شغفه وتحقيق ذاته ليس بالأمر السهل ولا الممتع لكن ذلك المخلوق الجميل البريء المزعج كثير البكاء ساعدني بأن منحني الصبر وطور لدي مهارة التفكير والإنجاز في عالم من ضجيج بكاءه المستمر في كثير من الأحيان.

عند وصولي إلى اوروبا، ألمانيا تحديدًا كنت عازمة على المضي قدما في مجال الموسيقا والغناء لكنني اكتشفت بعد عدة تجارب أنه مجال يحتاج إلى صلات متينة بأشخاص داعمين بالإضافة الى مهارات التسويق وقليل من الحظ ذاك الذي كنت على خصام معه منذ عقود، لم يكن باليد حيلة غير انتظار الفرص المتناثرة هنا وهناك لإقامة أمسيات غنائية بين الحين والآخر والكفيلة بشحني بالطاقة اللازمة للاستمرار.

قررت اتخاذ خطوة أكثر جدية وأكثر ضمانا كنتيجة اي أي لا يحتاج للحظ إنما للعمل والجهد فكانت الخطوة هي إكمال دراستي الجامعية او لأقل البدء بالدراسة الجامعية فاخترت علم الاقتصاد حيث كان الأسرع إلي لاكتشاف وجود فرصة تسمح لي بدراسته من خلال برنامج دراسي تقدمه إحدى الجامعات الألمانية للطلاب الأجانب واللاجئين. كانت سعادتي بحجم كوكب المشتري عندما تم قبولي في الجامعة لكن تلك السعادة لم تروض ما بداخلي لم أجد بعد ذاتي..لم أشعر أنني مكتفية بمجرد الحصول على مقعد دراسي في جامعة اوروبية

في يوم ما وفي مكان ما ثمة ما حدث لي، فأردت فقط لو تتخلد اللحظة أردت أن تبقى حية مهما تقدم السن بالذاكرة الملعونة، حينها بدأت بالرسم تعلمت أن أخرج ما هو مدفون بالأعماق إلى السطح. تعلمت أن أبوح بأكثر أسراري حرجا دون أن يسمعها أحد حقا. رسمت نفسي من الداخل وشاهدتها أمامي ملونة على لوح من القماش القاسي السميك تجلس عليه بكل ما أوتيت من حقيقة، تشبه تماما نظرة طفلي لأول مرة عندما خرج للعالم…

منذ السنة تقريبا او أكثر وأنا أمضي كل فراغ من وقتي بالرسم. استمتع بمجرد خروج اللون من انبوبته ليرقص ويكسر بصوته هدوء الأبيض وصمته. ارسم بطريقتي كل ما يدور في خاطري من أحلام وهواجس وانكسارات دون دراية كافية بقواعد الرسم وتقنياتها…السكون الذي لطالما بحثت عنه أظن أنني وجدته في كل لحظة اقضيها ممسكة بالريشة وأمامي حشد من الألوان وحشود من الافكار والرؤى والأسرار.

كثيرا ما انظر للوحاتي بعين الأم، فأراها جميلة فاتنة كاملة لا شيء يشبهها، وأحيانا أراها بعين الناقد اللاذع فأجلدها مقتا تارة واستهزاء تارة أخرى، الحقيقة ربما هي تفتقد الكثير لتصل للكمال وتحتاج الكثير من العمل الجاد والدراية الأكاديمية.. تحتاج للكثير الكثير من الوقت قبل أن يهرب.

أمنيتي بصوت مسموع هي أن أستطيع إكمال ما بدأت هذه المرة، ألا استسلم، أن تبقى السكينة والرضا ترافقانني في كل مرة ارسم فيها…اتمنى ان اكون فعلا قد التقيتها. التقيت ذاتي؟! لا أستطيع الجزم بذلك لكن الأسوأ من عدم اكتشاف الذات هو عدم إدراك لقاءها فعلا، فيمضي المرء سنوات من البحث عنها بينما هي برفقته في البحث عن السراب.

مدونات أراجيك

في مدونات أراجيك نتساوى جميعًا كقراء وكتّاب، حيث الكل يسرد قصته التي لمس منها درسًا مهمًا كان لابد من مشاركته مع الآخرين. لن نقدم لك نصائح أو معلومات أو أخبار، بل سنتلقى منك أيها القارئ العزيز تجاربك الملهمة في الحياة، والتي خرجت منها شخصًا جديدًا للعالم، وسنشاركك أيضًا تجاربنا لنتبادل المعرفة والفهم ونتعامل مع الحياة بشكل أنضج.

2