في الحقيقة، فاز الأرنب!

4

هناك دائمًا قصتان وفقًا لمتطلّبات كل فترة زمنية ومرحلة عمرية تعيشها. وهذا يشمل ثنائية (الطفولة / النضج) التي يمر بها الجميع. جميعنا يعرف القصة الأولى ولا شك أنّنا سمعناها الكثير مِن المرات تُتلى؛ قصة الأرنب المتراخي والسلحفاة النشيطة. القصة التي تدعو للعمل ونبذ الكسل. وكنوع مِن التلخيص للفكرة العامة لتلك الحكاية يمكننا أن نقول التالي:

سيغلب العمل الجاد التراخي أيًا كانت المؤهلات التي يملكها الطرف الآخر. أي أن السلحفاة – البطيئة بحكم طبيعتها – التي تعمل بجد، ستهزم الأرنب –السريع بحكم طبيعته– عندما يكون كسولًا مُتراخيًا في عمله.

بشكل مُبسّط أكثر: لا يهم أيها الأطفال مستوى اللياقات والخلفيات التي ولدتم عليها وأتيتم منها. المهم فقط أن تعملوا بجد ونشاط، وستصلون إلى أهدافكم مهما كانت خلفياتكم ومنابتكم.

هذه هي القصة الأولى. القصة الصحيحة في وقتها فقط. أي وقت الطفولة. الآن أنت كبرت ولم تعد تسمع كلام الوالدين، بل أصبحت تقرأ الكتب، وتُطالع المقالات. لذلك دعنا نعرّفك على القصة الثانية الأكثر حقيقيّةً ومصداقيةً.

لو كانت الحياة كلها طفولة لكانت حكاية وحدة تُروى كافية. لكنها طويلة، ومراحلها مُختلفة. وأنت الآن أنضج. لذلك وجب أن نسمعك تعقيبات وتصحيحات للحكاية المتناقضة التي سمعتها، وللأجزاء الناقصة التي عُمّيت عنك أيضًا.


الجزء الناقص غير المروي هو نقطتنا المهمة هنا. عمليًا، يهزم العمل الجاد، السلوك المتراخي. لكن المقارنة الحاصلة في أرض الواقع ستكون عكس ذلك تمامًا. في أرض الواقع نعم هناك سلاحف مُجدّة. لكن الأرانب أيضًا ليسوا مُتراخين! الأرانب أيضًا مُدربين! وعندما يكون هناك تساوٍ في العمل الجاد بين كلا الطرفين، يفوز في النهاية المؤهل طبيعيًا أكثر والأصلح والأنسب لذلك.

الأمر أشبه بمحرك صيني ضعيف ومحرك ياباني قوي. قد نقوم بـ «تزييت» المحرك الصيني ليصل لمستوى المحرك الياباني القوي في العمل. لكن ماذا لو قمنا بـ «تزييت» المحرك الياباني أيضًا؟ مَن برأيك سيفوز؟

ما لم يخبروك به أن العالم مليء بالأرانب النشيطة المدربة بعنف حتى على النجاح. لاحظ أن الحالة الوحيدة لاستقامة القصة السابقة هي أن يكون الأرنب فاسد فقط! أي أرنب يمتلك إمكانيات تؤهله لأن يكون جبارًا، لكن لسبب ما مجهول يعكف عن ذلك ويمضي أيامه بالتسلية! لكن الصحيح هو العكس!

فالواقع هو أن الأرانب في هذا العالم أقوياء جدًا وليسوا متراخين. وعندما ترى ذلك. ستجد السلحفاة دائمًا مهزومة ومحطمة.

يمكننا أيضًا أن نضرب مثالًا آخرًا عن ذلك. وهو أنه ماذا لو كانت السلحفاة هي المتراخية؟ أي أن الأرنب متراخي والسلحفاة متراخية. الذي سيفوز هو الأرنب لأنه بحكم طبيعته نشيط أكثر، لكنه يتجاهلها بالتراخي والكسل أي بتأثير البيئة وليس الطبيعة الداخلية.

وماذا لو كانت السلحفاة متراخية كسولة والأرنب نشيط؟ أيضًا سيفوز الأرنب. لاحظ أن القصة تجاهلت كل الاحتمالات الواردة ولم تسلّط الضوء إلا على واحدة نادرة الحدوث. ذلك كله من أجل شيء واحد. أن يحثوك على العمل. يحثوك على اللهاث وراء لقمة العيش. كأنهم فقط يقولون. لا يهم مَن أنتم ومِن أين أتيتم وما هي الأشياء المناسبة لكم بحكم طبائعكم. المهم فقط أن تعملوا بجد. فقط أعملوا بجد بدون فهم وستصلون.

لكن لحظة. إلى أين سنصل؟


التعقيب الثاني على القصة هو مشكلة خط النهاية الوهمي الذي تعبره السلحفاة وتنتصر. وفازت بالسباق، بالعقل لا بالساق! ما هو هذا الخط؟ يذكّرني هذا الخط بالمفكر الإيراني «علي شريعتي» عندما سُئل عن عدم تركه للتدخين بالرغم من معرفته بأضراره ومدى أذاه لصحة الإنسان بالقول:

لا يعنيني كثيرًا أن أعيش الحياة بطولها. بقدر ما أريد أن أعيشها بعمقها.

فمثلًا لو سلّمنا بقصة الأرنب المتراخي والسلحفاة المجدّة، ما هو النجاح التي حققته السلحفاة بعبور الخط أولًا؟ في الحقيقة وفي عالمنا الحالي، ليس مهمًا كثيرًا أن تكون أوّل الواصلين بقدر ما هو مهم أن تتعلم من الطريق وتبني أساساته بشكل جيد. حتى لو كانت تكلفة ذلك الوصول متأخرًا.

الحياة أشبه بسباق ماراثون طويل وليس سباق قصير ينتهي بشكل سريع. في سباق المسافات القصيرة نعم السلحفاة تنتصر، لأن الجهد العالي هو المهم لإنجاز أي عمل خلال فترة قصيرة. أما في السباقات الطويلة ليس المهم الجهد والعمل الجاد بقدر أهمية الصبر. لذلك ترى معظم راكضي السباقات القصيرة بأجسام عضلية بارزة قوية. عكس أصحاب السباقات الطويلة يكونون نحيفين بشكل ملحوظ. ذلك لأن الأولى يلزمها القوة والسرعة حتى تفوز. بينما الثانية يلزمها الصبر والمثابرة وليس القوة والسرعة الرعناء غير المحسوبة.

الحياة سباق طويل، لا يلزم كثيرًا القوة الحادّة خلال فترة قصيرة. بقدر ما يلزم الصبر واستمرارية التقدم بثبات لمسافات طويلة جداً

يُمكننا أيضًا أن نتسفسط قليلًا لنقول أنّ ذلك الخط الوهمي للنهاية ما هو إلا شمّاعة كي يجعلوك تعمل وتعمل وتعمل كأنك آلة ميكانيكية لا روح فيها. ذلك الخط مجرّد سراب لا وجود له. هل تصدّق أن الأرنب لو كان يعلم أن السباق فعلًا مُهم لكان تركه وذهب للأكل واللعب؟ هو أساسًا يملك المؤهلات الأساسية للفوز لكنه تجاهل ذلك عامدًا. هل تعتقد أنه فعلًا يُغفل كل هذا لو كان يعلم أهمية النجاح الكامن وراء ذلك الخط؟ على الرغم من إمكانيته دخول السباق وتكسير رأس السلحفاة خلال ثوانٍ معدودة ومن ثم يتابع حياته السابقة بكل بساطة.

لا يا عزيزي لا. الأرنب فقط كان أذكى من ذلك كله، الأرنب كان يعلم القصة بأكملها.


لا ننفي هنا مدى فائدة الحكاية الأولى ومدى نفعها في وقتها. بقدر ما نضيف التعديلات المهمة التي حرموك من معرفتها عندما كبرت ونضجت. التعديلات التي تقول أنّ الأرنب لن يكون متراخيًا أبدًا، وفي حياتك التي ستعيشها مهما كنت سلحفاةً نشيطة، ستجد منافسين شرسين جدًا، أرانب أذكياء يتحركون بسرعة عالية. وفي تلك الساعة مهما عملت بجد لن تستطيع الفوز، لأن طبيعتهم أهلتهم لذلك أكثر.

ثم ماذا وإن فزنا؟ أو هم فازوا؟ سباق ماذا المشترك بين سلحفاة وأرنب؟ لا يوجد في الحياة نقطة مشتركة بين سلحفاة وأرنب سيعبرون بها. أي أن الأرنب لديه خط نهاية خاص به والسلحفاة لديها خط آخر خاص بها. غير مهم الوصول أولًا أو أخيرًا أو أي شيء. جميعها مسارات مختلفة عن الأخرى أساسًا. المهم فقط أن تمشيها بشكل صحيح وبرؤية مُقتنع بها.

أما لو أجبروك على خوض سباق فقط كي تعبر الخط دون أن تدري ما هو الخط أساسًا ولأين يُفضي، وما هي فحوى هذا السباق من أصله. فاذهب بعيدًا مثلما فعل الأرنب. لا تدخل معارك خاسرة غير مهمة. وفّر طاقتك لسباقك الصحيح المتوافق مع إمكانياتك وطبيعتك عندها ستنجح. أما أن تفوز لمجرد فقط الفوز دون أي معرفة بالشيء الذي تفوز به، فهي قصة وحكاية متهافتة عرفناها جميعنا في طفولتنا لكننا لم نعرف الجزء الثاني المكمّل لها.

الجزء الذي يقول أنّ أرانب هذا العالم أقوياء جدًا وليسوا متراخين ولربما السلاحف هم مَن يفعل ذلك. وأنّ الفوز بسباق بخطوط وهمية غير معروفة هو أمر ساذج ولا يتعدَ كونه مجرّد شمّاعة فقط كي تعمل بجد وتفني حياتك كآلة ميكانيكية دون أن تفهم وتعرف شيئًا حتى.

فقط اعمل اعمل اعمل ولا تتساءل ولا تفكر، والمكافئة أن تعبر الخط. لكن أي خط؟ وماذا وراءه؟ ومَن أدخلني في السباق أساسًا؟

غير مهم بحسب حكايتهم. المهم فقط أن تعمل. أن تعمل بجد كي تعبر الخط.

4