الأصدقاء الذين كفوا أذى الآخرين عنا بأيديهم وحنانهم

3

تدوينة: إسراء أحمد عبد الرزاق

في عامي الجامعي الأول أصبت بأزمة صحية، مرّة من التعب طلبت الخروج من سكشن العملي، لم تعرض عليّ صديقتي المساعدة، وآثرت حضور الشرح، رغم انني لم أقلها بلساني، لكني قلتها بعيني: لا تتركيني، أحتاج إليكِ، لكنها أدارت وجهها.

بصعوبة كنت أنزل على الدرج، أتكئ على الحائط بينما تشدني قدمي للسقوط، حينما أوقفتني فتاة لا أعرفها، وضعت يدها على ظهري، وأخذت بيدي الى آخر الدرج، فهمت حينها أن الإنسانية -على فطرتها- لا ترتبط بالصلة التي تنشأ بيننا وبين الآخرين، والنبل في الإنسان لا يتعلق إلا بما يكن عليه في حقيقته.

في عامي الجامعي الثاني، لم أحصل على التقدير المناسب للالتحاق بالقسم الذي أردته، مثل الكثيرين لم ألتحق بالجامعة التي أردتها، وحتى التخصص لم يكن باختياري أيضًا، وذلك كان بمثابة خيبة أمل كبيرة، مرّة سألتني فتاة لا أعرفها عن سبب الكآبة التي تبدو عليّ، ثم حكت ليّ معاناتها مع الدراسة، وكيف يمكن أن أستفيد من هذا التخصص، هدأت من حزني، وأعادت إليّ ابتسامتي في لحظات، وعرفت أن هذه الكآبة كانت نابعة من الشعور بالغربة أكثر من ضياع التخصص.

في عامي الجامعي الثالث، تخلى عني بعض من أصدقائي المقربين، بعد مروري بمشكلة مع إدارة الجامعة، وقفت مثل غصن جاف أمام الريح، ومرّة أجهشت بالبكاء، فأعطتني فتاة لا أعرفها منديلًا من أجل الدموع، أحتفظ به في مذكراتي إلى الآن.

في هذة الفترة تعلمت أن القسوة لا تعادل المحبة، وأن الذاكرة تحتفظ بالفعلين، على تناقضهمها، بدأت ألتفت الى دفء الآخرين بعناية، لم أنسَ صديقتي التي أعطتني دفتر ملاحظات عندما وجدتني أخفت، وصديقتي التي تركت كل شيء وراءها لتستمع إلى هذياني، لم أنسَ صديقي الذي مد ليّ يده حينما لطمني العالم على وجهي.

الحقيقة لم تكن لفافة واحدة من المناديل، ولا دفتر الملاحظات هما ما تسببا بكل هذة الرقة، إنمّا الكتف الذي استندت عليّه، احتمال الصعاب بلا يد، أقسى من الصعاب نفسها، لأجل شيء لا نعلم عنه إلا أنه حب فطري في كينونتا، لأن نرى جزءًا من الآخر في أنفسنا، نتشارك معه تجاربنا، بلا عناقات فارغة، ولا تصنع للمودة، بصدق يخفي التدلي الذي يرتشق في خطواتنا.

تلك الأيدي التي تشدنا إلى الأعلى، ونحن نهبط. ممن عرفناهم، وممن لم نعرفهم، تتجلى في خريطة للقدر لا يمكن تحديد معالمها. الأيدي التي لم تتركنا حينما كنّا نسقط، وهي تنتشلنا من عتمة أنفسنا، ونحن عاجوزن.

أما في عامي الجامعي الرابع، بعد العديد من الوداعات، تخطيّت تجربة عاطفية بمساندة ودعم من كل من أحبوني، بأيديهم الورديّة وهي تربت على ذاكرتي، ووجداني. أيديهم التي لم تتركني وحدي في منتصف الطريق.

3