أعادتني للحرب قذيفة

1

لم تستطع الكورونا ولا سواها أن يحركوا بداخلي رغبةً ملحةً نحو الكتابة كما فعلت الكتابة نفسها، بينما أتجول بين منشوراتٍ يغلب عليها الطابع السودوي الذي ينم عن رهاب اجتماعي محدق بالجميع تقريبًا، صادفني منشورٌ مُغاير للشائع حالةً ومضمونًا، كان خاطرةً لأحدهم، إنها التصنيف الأدبي الملائم لما قرأت، بثت كلماته/كلماتها في نفسي إحساس الافتقاد للكتابة في خضم هذه الأحداث المُلتهِبة.

خاطرةٌ مليئةٌ بالأسئلة، وعلامات استفهام لا تطلب جوابًا بل تنشد حيرةً وتعيث في العقل دمارًا وتدميرًا، وجودية كانت؟ لا، فقد بلغت من الاعتيادية محل استفهام الأطفال ومن الصدق ما قد ينكره الكبار، شديدة الشفافية حتى لترى ما ورائها رؤية العين والقلب، بعيدةً عن التفريط والتهويل فسردت الواقع كما هو.

كنت قريبة من الإجابة؛ بعيدةً عما يفيها أو يقنع فضول الكلمات، فانصرفت عن الجواب بسؤال آخر، وانشغلت بما في جعبة السهام حتى صادفتني قذيفة لم أعلم مصدرها بعد..

يُقال والقول قول القلم أن للأسئلة سِهام وقذائف تصيب القلب قبل العقل.. فطفقت اضحك واسترسلت: “لم أعد اتساءل يا قلمي كثيرًا عما هو قادم، فلتأتي الحياة بما تشاء وأنا هنا دائمًا في الانتظار” تشاؤم؟ أبدًا، بل هي لدغة الأمل الجريح التي قال عنها درويش (واحذر لدغة الأمل الجريح، فإنه وحشٌ خرافي وأنت الآن.. أنت الآن حر).

ألا تحمل تلك الجملة آمالًا عدة؟ وهل هناك أمل أسمى من الحرية؟ التحرر من الماضي وآلامه، من الحاضر ونوائبه، من الانتظار لما هو قادم، ومن الحلم المتمرد الذي أراهنك أنه سيأتي يومًا ما، والأهم من ذلك كله التحرر من قيود الخذلان التي قيدنا بها “العشم”. وقولي بأن الحلم سوف يأتي ليس عشمًا أو حذرًا من لدغة الأمل الجريح. بل إجابة مؤكدة عن أحد الأسئلة!

تمر الأيام حاملةً معها الأفراح رغمًا عن اليائسين والأطراح رغمًا عن الحالمين، لا يهمها ما يحدث، منصفةً في هذا التوازن إلى حدٍ ما، فلن يفلح اليائس في إبادة الأمل، ولن يملوا النابضة قلوبهم بالسعادة عن السعي وراء مصادرها.

ويا للمصادفة! أصبحت أنظر إليها على أنها درسٌ قاسٍ، تجعلنا الصدفة زاهدين في التشبث، نافرين من التمادي في الوهم، الأمر برمته صدفة؟ لما التمادي إذن؟ كان السؤال صدفة، المزحة صدفة، القصيدة التي أنشدها الشاعر في تأثر لم تُبنى على الوزن والقافية قدر بنائها على موقف حدث عفوًا. مثل فراق وقع لحظيًا أو حب من أول نظرة! وإلى هذا الحد تسخر الصدفة من عقولنا وتتلاعب بمشاعرنا؟

أكره الصدف التي تقدمنا فرائسًا للخيال، قرابينًا لأصنامٍ عفى عليها الزمن، أصنامٌ قوامها الأحلام الزائفة، والتبعات المؤرقة، بها وبعدها ابتعد عن التصدي، أربو بنفسي عن ألم المواجهة، أو امتثال العند في محاولات كثيرة للتخطي، التخطي من الوهم؟ للوهم تأثيرٌ أشد وطأة من الواقع، وللصدفة تبعات لا تقل خطورة عنه.

رغم سخطي على الصدف، أتذكر اللقاءات التي جمعتني بمن أحبهم بكامل الشوق وبدون سابق معاد، أو ابتسامة لطفلة مرت بجواري ذات يوم ولم يجمعني نفس الطريق بها مرةً أخرى، أو الدموع التي نحاول التهرب منها عندما نبرر انهمارها بعدم وجود سبب أو بأن الأمر “صدفة”، فطفقت التراكمات الدفينة تفصح عن نفسها بأنهار تتدفق على الوجوه.

أو حتى ذاك العقل الذي لا يمل التفكير والسؤال، كان ورائه فكرة، فالأفكار وقود العقل الجامح تدفعه بمحض إرادته إلى التيه والأرق، هل ظلمت الصدفة إذن؟ ربما، لكنها على كل حال تحمل لنا أوقات قصيرة الأمد طويلة الأثر.

كنت على وشك الإجابة عن الأسئلة التي طرحها المجهول،  لولا تذكري أنها كانت صدفة، فجعبة السهام لا تحمل قذائف، لكنها أعادتني للكتابة بعد هدنة طويلة.

1