عقدة المشجع: سايكولوجيا الإنسان الضحل

7

رياضيًا لدينا برشلونة وريال مدريد. تقنيًا، لدينا آبل وسامسونج. عقائديًا لديك الدين واللادين. سياسيًا، لديك يمين ويسار. مع هذا أو مع ذاك. اقتصاديًا، لديك رأسمالي بَدين، أو شيوعي مُدخّن. وهلم جرًا نحو أي ثنائيّة يمكنها أن تقسم الناس إلى نصفين مُتصارعين، أحيانًا بطريقة هادئة راقية، وأحيانًا أكثر بطريقة صاخبة بربريّة.

هنا يكون لا بد من سؤال يوجّه إليكَ في موقف ما بنبرة حادة تُريد أن تعرف إجابة كي يتم تصنيفك من وراءها، فالمائعون الرماديون لا أحد يريدهم لا سيما أن الإنسان المذبذب دائمًا يكون موضع خطر، لذلك يُصرّح في وجهك عنيفًا بالقول: أنت مع أي طرف تقف؟!

فيكون الجواب: أنا لا أعاني مِن عقدة المشجّع.

في أي ستاد وملعب (فكري/سياسي/اقتصادي/رياضي/تقني) ستجد أن الحشود تتقولب في طرفين، إما مؤيد لهذا ومعارض لذاك. أو مؤيد لذاك ومعارض لهذا. إما أن تكون معنا أو ضدنا، في هذا الطرف أو ذلك الطرف. لكن ماذا لو كنت لا أنوي الانخراط في أي من القسمين؟ ماذا لو كان هدفي من دخول الملعب هو مجرّد الاستمتاع باللعب الجميل والتمريرات المتقنة لكل طرف على حدٍ سواء. هل هناك أي ضرر في ذلك؟ ضرر ألا تشجع أحدًا منهم؟!

الإنسان مُتطرّف بطبعه، ومَن يطالب بإنسان ليّن جدًا، شبيه بمن يُطالب بذئب نباتي يأكل الملفوف. فوفقًا لمنحنيات شدّة ورخاء نفسية كل إنسان، فإنه سواءً كان مؤمنًا أو مُلحدًا سيكون متطرّفًا في موقفه الفكري. وإن كان شيوعيًا أو رأسماليًا سيكون متشبثًا بقوّة بمبادئه، وإن كان زمالكويًا أو أهلاويًا، فإنه سيكون عنيفًا في دفاعه عن فريقهِ.

غير مُهم أي موقف تتبناه، فالسواد الأعظم سيكون متطرفًا به أيًا كان. فالأصل هو التطرّف والشذوذ البسيط هو الليّن جدًا.

وإن دلَ هذا الكلام بما فيه مِن عقدة تشجيع جَمعيّة واضحة على شيء فهو أنّه أمر طبيعي – بمعنى Natural وليس Normal – وفي سياق تكيّف الإنسان مع بيئته. تعريّجًا على هذا الكلام، لا بد من ذكر ما أورده بروفيسور علم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه مهزلة العقل البشري عندما تحدث عن حركة التاريخ قائلًا: «إن التاريخ في أي بلد وحضارة وُجِدت دائمًا ما كان يسير على قدمين اثنتين، أولهم تتمثّل بالطائفة المُجددة والطامحة للتغيير نحو الأفضل، وثانيهم الطائفة الرجعية الرافضة للتحديث والمحبة للماضي، ومن خلال التفاعل المستمر بين هاتين الطائفتين، تتحرك قدما التاريخ ويمشي المجتمع نحو الأمام.»

هل لكَ أن تتخيّل الآن أن هناك تاريخ يجري على قدم واحدة؟ لا يمكن حدوث هذا، وإن حدث سيكون تاريخًا لمجتمع أعرج إقصائي، فالقدم الأخرى رغم الاختلاف معها، إلا أنها مهمة في كل خطوة يجب أن تُسار. لا سيما إن الديالكتيك الفكري سيُشكّل لُب القضية هنا، خصوصًا إن كان سجالًا هادئًا تحت مظلة المنطق والعقلانية.

ما هذه الحذلقة يا رجل؟ ديالكتيك ماذا الذي تتكلّم عنه؟

للصراحة، استخدام هذه الكلمة كان عن قصد متعمّد، لكي نوضّح فكرة لا بد منها من ورائها. الديالكتيك يُترجم عربيًا بكلمة «جَدَل» ولعل هذه المفردة واحدة من أفضل وأدق الترجمات التي قد يصادفها القارئ عند التحويل من لغة إلى أخرى.

هل تذكر الفتاة الصغيرة التي تقوم أمها بتجديل شعرها؟! كيف يتم هذا؟ يتم ذلك بأن تمسك الأم بخصلة شعر من جهة، ثم تأتي بخصلة شعر أخرى من طرف آخر معاكس ومن ثم تدخلهما مع بعضهم لتتشكل بعدها الجدلة الواحدة. أي أن العملية تحتاج لتفاعل خصلة من هنا مع خصلة من هناك، ليتشكل الجدل وينتج بدوره الديالكتيك.

الأمر نفسه في موضوع الفكر. أين يكمن الصواب في أي فكرة قد تصادفها وتمر عليك؟

ليس من باب التأكيد اليقيني المنغلق، بل ترجيحًا للخيار الأعقل هنا، يبدو أن الأمر ينتج من عملية جَدْل لفكرة أولى مع فكرة أخرى معاكسة من طرف آخر. لا سيما إن كان هذا الديالكتيك منطقيًا، وهو بالطبع سيكون، إذ هي من سماته الرئيسة حتمًا. فالفكرة المستقرة في أذهان الناس عن أن كلمة جَدَل هي ما يخرج من أولئك الذي يظهرون على الشاشات ويصرخون بطريقة همجية، خاطئة. الجدل يعني دمج فكرتين معًا بطريقة منطقية لتحصيل ما هو مفيد وقيّم، بعيدًا عن جَدَل مصارعة الثيران الذي ترونه على الشاشات بشكل يومي، ويكون خاليًا من أي فكر قيم أو نقد بناء حتى.

إن عرّجنا على موضوع النقد البنّاء قليلًا، فلا بد من ذكر مدى أهميّته التي تحدث عنها الكاتب جورج طرابيشي في كتابه هرطقات في جزئها الثاني إذ يقول أنّ النقد مهم في أي سياقٍ كان. ويعود ذلك تحت بندين اثنين، أولهم أن النقد لفكرة جيدة سيزيد من جودتها من خلال إعادة البناء والقولبة وتبنّي مواقف مُطوّرة من خلال الأخذ بالحسبان لنقاط الضعف التي أشار إليها الناقد.

أما البند الثاني فهو تحت لواء السوء، فالنقد تجاه فكرة سيئة سيساهم في دحضها وبيان مدى ضعفها وهذا ما يؤدي لأفولها التدريجي، والأمر هنا جيد كونها هي فكرة سيئة في الأصل. لذلك النقد على عمومه سيكون مُفيدًا، خصوصًا النقد المنطقي العقلاني، الذي يكون بعيدًا عن استجداء العواطف والسباب والشتائم الشخصية واستخدام الحجج والمغالطات المنطقيّة الأخرى.

عودةً إلى عقدة مُشجعينا، هل هناك خطأ إذن في أن نشجع طرف ما على حساب آخر؟ أن نوظّف عقلنا قاضيًا بين خصمين ونختار نجاة أحدهم وإعدام الآخر؟

حسنًا، لربما الجواب هو لا، فالأمر ليس بهذا السوء بل قد يكون جيدًا حتى. لكن بشرط وحيد، أن يكون الحكم تحت مظلة القاضي المنطقي الهادئ. ليس شهادة القاضي الذي يسمع لطرف ويقصي الطرف الآخر. وليس بشهادة القاضي الغير شريف أبدًا الذي يسمع لطرف، ويسمع قصة الطرف الآخر من الطرف الأول نفسه ويصدقها! هنا سيكون هذا القاضي مُصاب بعقدة تشجيع ليس لها دواء، عقدة بأسوء أشكالها، جعلته خاليًا من أي مبادئ عقلانية أو منطقية قد يتبعها وينتهج نهجها.

لربما لا يُتاح للكثير إلا خيار القاضي الرديء تحت ظروف جغرافية، اجتماعية، وراثية. لذلك يكون الأمر صعبًا عليهم وخارج نطاق لياقاتهم، ولا يرون فيه إلا معنى ضبابي عائم غير واضح، إلا أنّ الشعور به وإدراك أن هناك خلل ما والرغبة في إيجاد نفق للخروج من اليافطات التي لطالما كانت تجمع الجموع وتكدّس الحشود للتصفيق والتشجيع دليل على وجود وعي بسلبية الأمر ووجوب تفنيده.

لكن دخولك لهذا المقال كافٍ لإثبات ذلك أيها القارئ، فالذين لم يدخلوا هذا المقال غالبًا هم مشجعين مخلصين. وإكمالك لقراءته حتى النهاية دليل مضاعف على مدى إدراكك للأمر.

لذلك هذه العقدة ضرورية لكن في سياقها المنطقي الديالكتيكي الهادئ. فجزء كبير لن تعرفه من العافية إلا عندما تجرّب المرض. وجزء كبير من الإيمان لن تعرفه إلا عندما تجرّب اللاإيمان. وجزء كبير من مفاهيم الرأسمالية لا تتضح إلا عندما تفهم وجهة نظر الشيوعيّة. وجزء كبير من فكر اليمين المُحافظ لن تفهمه إلا بعد رؤية اليسار المحتدم المنفعل.

وأخيرًا وليسَ آخرًا، جزء كبير من حيوية لاعبي برشلونة لن تفهمها إلا عندما تدرك مدى لمعان نجوم ريال مدريد. إلا أنك كالعادة ستضرب المقال في عرض الحائط وستشجع ليفربول ومحمد صلاح، وستكون مشجعًا شرسًا.

7