الميتاحيونة.. ستيفن هوكينغ وشرف الخصومة!

8

بعض المواقف التي تضرب مِن وقت لآخر، تكون فرصة مُناسبة لأن تطفو بعض الأوبئة على السطح، فعلاقة التلازم بين تحقق شرط معين وبين ظهور بعض الأوغاد علاقة حتمية لا تقبل الجدل.

عندما يتوفّر شرط حلول الظلام، يظهر اللصوص! عندما يتحقق أمر وجود جثة لأسد ما، تأتي الحيوانات الأدنى منه مُسرعة كي تأكله. وعندما نلاحظ موت عالم جليل، تكون الفرصة مواتية جدًا لكي يتكلّم الحمقى!

كثيرون مَن صرّحوا وكتبوا عن موت العالم ستيفن هوكينغ، ولو عشنا في عصر المتنبي لصحَ أن نقول أنّه قد سالَ حبرٌ كثير في موته، إلا أننا نعيش في القرن الواحد والعشرين والحبر أبعد ما يكون عنا، لذلك العبارة الصحيحة هنا، أنه قد تم “الهبد” على الكيبورد بشكل وفير بعد مماتهِ!

مُتعمدًا انتظرت قليلًا حتى يهدأ الجميع وتخف منشورات فيسبوك، ومقالات مَن يكتبون لكي أقول كلمتي المقتضبة عن هوكينغ. لا أريد أن أطيل فالجميع قد تكلم والجميع قد أفتى، صدقوا أني في يوم وفاته ذهبت للحلاق كي أبتعد عن الضجة، وعما يُقال فوجدت الحلاق نفسه يتكلم!

هذا هو الأمر الذي يدفعك لأن تكتب حتى لو آليت العكس، فبما أن “الطالع والنازل” قد فتح فاهه ومسك قلمه وهبد بمفاتيحه، فلا بد أن نخطّ بعض الكلمات هنا بدورنا.

الشرف في الخصومة يقتضي ألا تجعل نفسك ولا أي إنسان تراه في مكانٍ عالٍ يدخل في إطار واحد مع إنسان وضيع! مع إنسان لربما لا يملك من صفات الإنسان نفسها أدناها!

الإنسان الكريم منا لا يقبل أن يكون أي أحد نظيره، أن يكون ندًّا له. تخيّل أن يُطلب منك أن تدخل في مناظرة فكريّة مع شخص سكّير مهمته أن يجول بين الشوارع! هل تقبل أن تنخرط في مثل هذا الميزان مُختلف الكفّات!

أو أن يُطلب منك أن تناقش أحدًا عن موضوع الاحتباس الحراري – لنفترض أنك عالم مناخ – مع شخص أقصى شهادة يملكها هي الابتدائية! هل مُمكن أن توافق! هل مُمكن أن تقدّر أحدًا غيرك عالي المقام يفعل ذلك!

عندما تُريد لنفسك العزّة، أو لأحد تراه عزيزًا، فأول خطوة لذلك أن يكون مَن يخاصمها يمتلك مقومات شرف الخصومة، أن يكون الخصم في نفس مستواها، أن يكون – ربما عكس المعتقد وعكس الفكر – إلا أنّه يوازيه ويساويه ولا يخالفه إلا باتجاه النقاش فقط.

فالمفكّرون هنا – بلغة الفيزياء – هما قوّتان بنفس الشدة وعلى نفس المسار والحامل، إلا أنهم مختلفين بالاتجاه!

لن أتكلّم عن إيمان هوكينغ ولا عن إلحاده، ولا عن مُقعديّته التي تصلح لأن تجعل حياته قصة إلهام كاملة، لا لا كل هذا لن نتكلم عنه. سأتكلّم عن الخطأ الذي ارتكبه الطرفان – مُحبيه قبل كارهيه – في لحظة وفاته، لحظة قرر بها أن يغادر كرسيه الصلب، لينطلق في مغامرة لا نهائية نحو النجوم.

عندما تغضب من إنسان يفكّر بمؤخرته، ومن ثم يخرج ما كتبهُ على شكل تعليق “هبده” على الكيبورد في مناسبة وفاة عقل فيزيائي ضخم، اعلم أنك قد أخطأت في حق هوكينغ!

عندما تُقرر أن تُلازم إنسان جُل ما كتبه مليء بالأخطاء اللغوية والاملائية، ولعله مَنسوخ من مكان آخر مع إنسان استطاع عقله أن يسبر عمق الكون بأكمله وهو على كرسي لا يتحرك اعلم أنك قد أخطأت وجحدت في حقه!

عندما تقرر أن تغضب مما كتبه “تاجر دين” مهمته الأساسية أن يفعل ذلك ويستغل هذه المواقف التي يظهر بها بمظهر المدافع كون إلهه ضعيف يخاف من المقعدين، وتلازمه مع ستيفن هوكينغ الذي هو “عالم فيزياء نظرية” كل أبحاثه كانت في مجاله، إلا أن لديه رأي عن الإله قاله يومًا ما، فاعلم أنك قد أخطأت.

هذا عالم لديه رأي، أما الأول فهو رجل لديه وظيفة! قام بدراستها من كتبه الصدئة التي تفرض عليه أن يهاجم هؤلاء الناس!

هل رأيت عالم فيزياء نظرية مؤمن هاجم ستيفن هوكينغ! يا أخي عالم بيولوجيا مؤمن! عالم كيمياء مؤمن! سوسيولوجيا! لا يوجد، الأمر مقتصر على صنفين يتكلمون فقط، أحمق لا يدري ما يقول، في أفضل حالاته سيكون ساقطًا في دراسته ومتحرشًا بمن يرى مِن نساء على الطرقات. والصنف الثاني هو تاجر دين تقتضي وظيفته ودراسته أن يظهر في مثل هكذا مواقف.

لا تقع في فخ المقارنة المغلوطة يا صديق، لا تقارن عالم تخرّج من كامبريدج، مع شخص وضيع لا يتعدَ كون شهادته معترفًا عليها إلا من جامعات القمامة حول العالم! المقارنة لو صحت يجب أن تكون بين عالم فيزياء مثلاً من جامعة هارفرد مع هوكينغ، لكن أن تفعل مثلما يفعلون فكأنك تقارن لياقتك الفكرية مع خنفساء البحر!

بدون فخر، أو بفخر حتى، تابعت كل أعمال هوكينغ وشاهدت وثائقياته، ورأيت الأفلام التي تحدّثت عنه وعرضت سيرة حياته. وجهة نظره عن موضوع الإله كانت بسيطة جدًا، قالها في وثائقي التصميم العظيم ردًا على سؤال ماذا يوجد قبل الانفجار العظيم، حيث قال أنّ الانفجار ولّد الزمان والمكان معًا، لذلك قولك أن الإله موجود هو خاطئ، لأنه قبل هذه الحادثة لم يمكن هناك زمن أساسًا.

فلم يكن هناك وقت ليكون فيه الإله!

بهذه العبارة تحديدًا عبّر هوكينغ، مَن تابع أعماله يعرف أنه عالم فيزياء، ليسَ جل همه الدفاع والمناظرات وغيرها من الأمور التي يقوم بها أقرانه كـ ريتشارد دوكنز على أقل تقدير، لا ليس هذا، هو عالم إلا أن لديه رأي، والأوغاد لدينا يفرحون لمثل هذه الآراء كون تجارة الإيمان لديهم تُنتعش بها!

عالم فيزيائي ضخم حاصل على شهادة الدكتوراة، درسَ في جامعة كامبريدج وأكسفورد، مشغول جل وقته بالعلم، تُقارنه مع كتابات فيسبوكيّة هبدها حمار لا تتعدَ لياقته الفكرية لياقة سنجاب متخرّج من جامعة غير متواجدة على خارطة الجامعات أساسًا! ألا تلاحظ هنا وجود خطأ فادح!

من جهة أخرى، ربما يكون إلحاد هوكينغ مُبررًا، لاحظ أن أي إنسان لو تعرّض لموقف أغصبه يبدأ بالشتم، وسب الأديان،  والآلهة ولا يبقِ شيئًا من شره، هذا فقط إن غضب لسبب نفسي قد يكون تافهًا، فكيف إذن بمن عاش حياته مُقعدًا! إنسان لا يوجد فيه شيء يعمل بدقة سوى عقله! إنسان حطّم عبارة أن العقل السليم في الجسد السليم إلى الأبد!

كيف لو كنت إنسانًا خسر كل شيء!

لو كان الإلحاد مُبررًا لشخص لكان هوكينغ، لا تحدثني عن إيمانك وأنت صحيح معافى تعيش مُترفًا، عِش ما عاشه أو مثل حياة العظماء المليئة بالبؤس عندها أرني نفسك.

الإنسان الكريم منا يرفض أن يكون خصمًا للأوغاد، ويرفض أن يجعل من العظماء خصومًا لهم في حياتهم فكيف إذن بعد مماتهم! فكيف إذن في تلك اللحظة التي يعتقدون بها أنهم انتصروا لمجرد أن الطرف الآخر قد مات! قد غاب عن خضم الوجود!

الأمر شبيه بأن تعتقد أنك انتصرت في لعبة ما، لمجرد أن الطرف الآخر قد انتهى شحن هاتفه! أنت لا تضحك هنا إلا على نفسك!

أفضل وداع لهذا العالم الذي ضرب مثلًا يُحتذى في الأمل، لا سيما أن بعد انهيار مفهوم الدين والإيمان يقول الإنسان لماذا أعيش؟ هذا إن كان صحيحًا معافى، فكيف إذن بشخص كان مقعدًا! ومع ذلك استمر مُعلنًا أن الحياة تستحق وأنها لا تقتصر على بعض المفاهيم الضيقة، فهناك ما يمكن أن نسعى إليه، والذي ظهرَ واضحًا في الفيلم الجميل “نظرية كل شيء” ضمن المقطع التالي:

أفضل وداع كان بموته بهدوء، دون ضجيج، حتى لا تدرك ضباع البراري أن أسدًا ما قد سقط فتلتف حول جثته لتظهر قوّتها!

لكن للأسف نعيش في عصر المعلومة السريعة، لذلك من المستحيل إخفاء الأمر، فبدأوا هم بالكتابة عنه ونحن بدورنا أيضًا لن نسكت!

الميتافيزيقا هي ما وراء الطبيعة. أما الظاهرة التي تفسر أولئك هي الميتاحيونة، أي ما وراء الحيونة. غالبًا سيكون وراءهم قدر كبير من الجهل، الإنسان الجاهل هو من يتكلم بعنجهية عمياء مليئة بالأخطاء اللغوية والنسخ من هنا لهناك، أو وراءهم قدر كبير من الإيمان الأعمى، الإيمان شيء لطيف لكن عندما يكون أعمى سيصبح الإنسان أشبه بحمار عربة يُساق دون أن يدري!

أو تجارة دينية، هدفها أن يظهر فلان بزي الفارس المدافع، أو يظهر علان بمظهر يجب أن يظهر به، كون دراسته ووظيفته تحتّم عليه ذلك.

عدا هؤلاء لم يتكلم أحد! كم تمنيت أن أرى عالم مؤمن من هارفرد كجوردان بيترسون مثلًا قد تكلم إلا أنه لم يفعل! إلا أنهم لم يفعلوا! لا يفعل ذلك إلا من يعيش في حالة من الميتاحيونة التي قلنا عناصر ثلاث تشكل أضلاع المثلث القائمة عليه.

لترقد بسلام يا هوكينغ، لترقد بعيدًا عن ذلك الكرسي الذي أقعدك، بعيدًا عن كل هؤلاء المحبين والكارهين الذين أخطأوا، فالكاره أخطأ بجهله، والمحب أخطأ عندما جعلك بمقارنة مع مَن لا يمتلك أدنى مقومات شرف الخصومة!

لترقد بسلام، بعيدًا عن هذا الكوكب الذي حذرت في يوم ما أن ميزانه قد بدأ يختل، وأنه يتجه مُسرعًا نحوَ الهاوية.

عبدالرحمن عرفة

طبيب أسنان ومُبرمج قديم الطراز للغتي Visual Basic وAssembly. مُهتم بالتاريخ لفهم الماضي والعلوم من أجل اقتحام المستقبل. بعيدًا عن عالم البشر فأنا أحب عالم الأرقام.

8

شاركنا رأيك حول "الميتاحيونة.. ستيفن هوكينغ وشرف الخصومة!"