إجازة في حَضْرَة القلب العليل

6

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

أعرف وتعرف معي أن حكايا القلوب موجعة، نحكيها بقلوبٍ دامعة، فما بالك إذن بحكاية قلبٍ صغير، قلب كريم العليل،  لم يتجاوز كريم السابعة، وقد فرضت علته على طفولته قيودًا مانعة، وجد كريم في حب شقيقته الكبرى له الدواء والكثير من العزاء، فسارت أيامه باعتدال واستقر به الحال، إلى أن لاح يوسف في الآفاق، ولم يستطع كريم معه الاتفاق، فتحولت حياة كريم لقطعة من الجحيم، واحتارت شقيقته ولم تستطع الاختيار، فكلاهما تقاسم قلبها المختار، تُرى هل سيمر الحال أم أن ذلك أصبح دربًا من المحال، تابع معي الحكاية لنعرف الخبايا، فربما كان الحل بسيط يخلو من التعقيد.


حين ترجلتُ تاركة السيارة، شعرتُ وكأني تركتُ بها جزء من قلبي، لكن لا حيلة لي في ذلك، فالجزء الآخر ينتظرني في المنزل، كل ما أرجوه الآن أن أجده مازال نائمًا لم يستيقظ بعد، فلا يمكنني المواصلة وجزأين القلب أحدهما حزين والآخر غاضب، فقد نلتُ نصيبي من الحزن والغضب كاملًا اليوم، حين تركتُ يوسف قبل قليل مُفسدة على نفسي قبله أول أيام أجازته، التي بقينا نخطط لها طوال الشهر، من خلال حوارات مطوّلة عبر رسائل ومكالمات هاتفية لا تنتهي، فطبيعة عمله في بلد أخر، لا تسمح له إلا بإجازة ثلاثة أيام  كل شهر، وقد اعتدنا منذ بداية خطبتنا، أن نقضي يوم أجازته الأول  في نزهة معًا، نتناول فيها المأكولات الخفيفة، التي أصر على إعدادها بنفسي كل مرة، لأني أعشق الطبخ وأعشق أكثر إطعام من أحب.

هذا هو حال قلبي مع يوسف، يكاد ينفجر سعادةً ويذوب حبًا دائمًا وأبدًا، إلا اليوم فقد بكى قلبي حزنًا، من نظرة الإحباط المصحوبة بلمحة غضب في عين يوسف، حين أخبرته أني مضطرة لإلغاء نزهتنا اليوم، فقد وعدتُ كريم بقضاء اليوم معه، ساد الصمت بيننا لحظات إلى أن دعوته بعدها أن يشاركنا اليوم، وأنا أتمنى في قرارة نفسي أن لا يقبل الدعوة،  فمشاركته لنا ستفسد اليوم على كريم بكل تأكيد، فكريم  رغم كونه لم يكمل عامه السابع بعد، إلا  أنه أدرك أن يوسف يشاركه في قلبي، تلك المشاركة تجعل كريم ينظر ليوسف كغريم له، حتى وإن كان غير مدرك لمعنى الكلمة بعد، ولكن كل تصرفاته تؤكد بوضوح أنه لم يتقبل وجود يوسف على الإطلاق، بينما لم يلحظ يوسف وجود كريم  أو عدم وجوده، فهو مجرد شقيق خطيبته الصغير، يسأل عنه أحيانًا حين يأتي لزيارتي في المنزل، لينساه قبل حتى أن أجيب سؤاله.

لا أعلم إن كان ذلك من حسن حظي أم العكس، فربما لاحظ يوسف في حال اقترب من كريم، عدم تقبّل كريم له، مما قد يتسبب في أزمة نحن جميعًا في غنى عنها.. أو ربما ساعد ذلك الاقتراب على حدوث أُلفة تخلق المودة بين الطرفين.. حقًا لا أعلم، لذلك لم أحاول يومًا التدخل بينهما.

بعد أن رفض يوسف مشاركتنا اليوم، متعللًا برغبته في إنجاز بعض المهام المؤجلة، توجهت بخطوات متثاقلة نحو المكتبة لأشتري لكريم رسوم غير ملونة وأوراق رسم وألوان، وعدد كبير من كتب ألعاب الذكاء المناسبة لسنه، فقد سبق ووعدته بقضاء يوم اجازة جميل في المنزل، رافضة بقوة أن يذهب مع أقرانه اليوم في رحلة مدرسية لإحدى المنتزهات.

لم أقصد أن أحرمه من طفولته، أنا فقط أحاول الحفاظ على شبابه وكهولته وشيخوخته كما أتمنى، فولادته بقلب معتل تحتاج لرعاية خاصة، وأحاول القيام بها إلى أن يتمكن كريم من تولي رعاية نفسه بنفسه، لا أحبسه في المنزل، بالعكس نخرج للتمشي والتنزّه وتناول المثلجات ونلعب أيضًا، ولكن معًا تحت نظري وإشرافي وبالمعدل الذي يسمح به قلبه الصغير.

لذا حين أخبرتني والدتي عن رغبة كريم في الاشتراك في الرحلة المدرسية، رفضت بشدة، ولإرضائه أخبرته أني سأخذ يومها اجازة من عملي، لنقضي معًا يومًا مميزًا أفضل كثيرًا من تلك الرحلة، مذكّرة اياه بكل الأنشطة التي يحبها ويمكننا القيام بها معًا، إلى أن وافق أخيرًا بعد جهد وعلى مضض.

بينما أبحث عن مفاتيحي الضائعة بين أغراض حقيبتي، وصل لمسامعي صوت والدتي وهي تحاول جاهدة إقناع كريم بتناول إفطاره دون أي فائدة محققة كما هو واضح.. حسنًا إذن كريم مستيقظ وغاضب أيضًا.

حين وصلت لكريم وجدته كما تخيلته تمامًا، يجلس على مقعد الغضب كما اعتدنا أن نطلق عليه، فهو المقعد المفضل لكريم حين يغضب، كونه مواجه للنافذة، يتوسطه كريم موليًا ظهره لنا، رافعًا بذلك راية الغضب، لا يصرخ أو يبكي كبقية الأطفال، ببساطة يرفض التعاطي معنا، أو لنقل معهم، فأنا حبيبة أخاها، التي لا يغضب منها أبدًا، كما تقول والدتي دائمًا، حين تلجأ لي لأصلح بينها وبين كريم، الآن هو غاضب مني وبشدة، ولا أعلم من سيصلح بيننا.

توجهت نحوه متجاهلة تمامًا غضبه الواضح، لأقول ببهجة زائفة “صباح شريف كريم باشا”، لم أحصل بالطبع على أي استجابة في البداية، إلى أن نهض بعد لحظات قائلًا دون أن ينظر ناحيتي “يمكنك أن تكملي يومك مع يوسف” ثم دخل غرفته وأغلق بابها بهدوء شديد.

توجهت لوالدتي قائلة بصوتٍ مرتفع ليصل لكريم في غرفته:” لقد رحل يوسف بعد أن أخبرته أني سأقضي اليوم مع كريم، وها هو كريم لا يريد قضاء اليوم معي كما يبدو” سكّتُ لحظة لأكمل بعدها بصوتٍ حزين “لقد أحضرت أغراض الرسم وكتب الألغاز، كنت أتمنى أن يشاركني كريم بها.. ماذا سأفعل الآن؟”.

بالرغم من عدم خروج كريم، إلا إنني أعلم أن معظم غضبه قد زال الآن، سيأتي ولكنه يحتاج لدفعة إضافية صغيرة، اتجهت للمطبخ وأنا أحمل مقعد صغير، وضعته أمام الموقد بمسافة آمنة، ثم وضعت ذرة الفشار في إناء له غطاء زجاجي شفاف على النار، وخرجت أقول لوالدتي” أنا أعد الفشار، تعالي معي لنرى الحبات تنطلق”.

قبل أن تنطلق حبوب الذرة، كان كريم ينطلق نحو المطبخ، احتضنته يدي تثبته حين اعتلى المقعد الصغير كي يتمكن من رؤية حبوب الذرة، كانت قدميه تدب لا إراديًا مع فرقعة الحبوب، وتتسع ابتسامته مرة بعد مرة، منتظرًا بحماس شديد انطلاق الحبوب الباقية، اتسعت ابتسامتي أنا أيضًا لرؤيته سعيدًا، فضممته أكثر مُقبّلة رأسه الصغير العنيد الجميل.

حين رن جرس الباب، لم أتوقع أبدًا أن يرتفع صوت والدي بعد لحظات مرحبًا بيوسف، وبقيت أبحث في عقلي عن أي يوسف أخر نعرفه، إلى أن ارتفع صوت يوسف يرد التحية، مؤكدًا لي أنه لا يوسف أخر غير خطيبي الحبيب.

لا أعلم إن كانت صدمتي أكبر أم صدمة كريم، الذي بقى ينظر لي نظرة إتهام طويلة، قبل أن يخرج من المطبخ عائدًا لغرفته مرةً أخرى، قاطعه يوسف في منتصف الطريق قائلًا “إلى أين يا كريم؟” ليرد كريم مستمرًا في طريقه ودون أن ينظر نحو يوسف “سأذهب لغرفتي” أكمل يوسف الحوار مشيرًا نحو كريم بعلبة في يده “لماذا؟.. لقد أحضرت تلك لنلعب بها معًا”، نظر كريم للعلبة بيد يوسف بفضول، ليقول بالرغم من فضوله الواضح: “أنا لا أحب تلك اللعبة”..  تقدمتُ ناحيتهما، في محاولة يائسة لتحسين العلاقة بينهما، لأجد يوسف يقول: “حسنًا يا كريم، اذهب.. أعلم أنها لعبة صعبة لا تستطيع الفوز فيها” توقف كريم في مكانه لحظة، قبل أن يقول بغيظ وتحدي: “سألعبها معك”، رد يوسف بهدوء مُغيظ أكثر “هيا بنا”.

قام يوسف بتشغيل واحدة من العاب الفيديو، لتبدأ معركة على الشاشة لم تشغلني على الإطلاق، ما شغلني حقًا هو المعركة الدائرة في صمت خارج الشاشة بين يوسف وكريم، الذي انصب كامل تركيزهما على الفوز في تلك اللعبة.

تمنيت حينها لو انقطعت الكهرباء، لتنتهي تلك اللعبة السخيفة بلا مكسب أو خسارة لأحد الأطراف، ولكن الكهرباء بقيت على حالها، كما بقيت ساعة الحائط تحدق بي كما أحدق أنا بعقاربها لعل الوقت يمر أسرع.

حسنًا.. من الواضح أنه لا فائدة لإنتظاري أو ربما وجودي كله هنا، لذا قررت التوجه للمطبخ لأعد إفطار متأخر نوعًا..  اخترت عمدًا إعداد الشطائر التي يفضلها كريم ولايطيقها يوسف، فهما مختلفان في كل شيء  إلا  في حب شخص واحد وهو بلا فخر أنا!

عدت للصالة مرةً أخرى محمّلة بالشطائر والعصائر والفشار شبه المحترق الذي نسيناه في غمرة سعادتنا وترحيبنا بيوسف!

توجهت نحو كريم بواحدة من شطائره المفضلة، محاولة قدر استطاعتي تشتيت انتباهه عن تلك اللعبة اللعينة، مختلقة بذلك عذر لخسارته القادمة، إلا إنه لم يعطِ نفسه تلك الفرصة وأزاحني بإشارة سريعة من رأسه تعلن بوضوح عدم رغبته في أي شيء سوى تلك اللعبة اللعينة.

لم أتوجه نحو يوسف، فأنا غاضبة ولا أعلم إن كنت غاضبة منه أم مني أم من خطبتنا، لذا فمن الأفضل لنا أن أبتعد الآن.

أعلم تمامًا أن شعوري بالغضب يعد ظلم في حق يوسف، فهو لم يفعل شيئًا إلا البقاء برفقتي يوم الإجازة كما اعتدنا أن نكن دائمًا، ولكني لا أستطيع إلا أن أغضب وبشدة، فما غضبي إلا خوف شديد على قلب كريم العليل.

بعد لحظات مرت كدهر كامل ارتفعت صيحة كريم إحتفالًا بفوزه على يوسف… حسنا لحظة …  هل فاز كريم حقًا؟!

سبقني يوسف بالكلام، موجهًا حديثه لكريم وهو يتناول إحدى الشطائر “طبعًا فزت أنت، لأني لم أتناول إفطاري بعد، لذا تركيزي غير مكتمل والمنافسة غير عادلة” ليرد كريم متناولًا هو الآخر شطيرة ليلتهمها في سعادة” أنا أيضًا لم أتناول إفطاري بعد.

تجعدت ملامح يوسف رافضة الطعم الذي اخترق جوفه، وتوجه نحوي بنظرة كاد أن يشتعل معها وجهي إحراجًا.

لا أعلم كم مر من الوقت، ولكني أعلم أن اليوم هو أجمل أيام حياتي وحياة كريم، الذي رنت ضحكته مرات عدة خلال الساعات الفائتة، فقد انبهر كريم بيوسف الذي شاركه الأنشطة والألعاب معلمًا إياه خبايا كل لعبة.

حين أعلن يوسف رغبته في الرحيل، أقبل نحوه كريم حاملًا رسوماته وألوانه قائلًا” أبقى معنا لنلون تلك الرسوم” احتضنه يوسف وهو يقول” المرة القادمة إن شاء الله سنرسم ونلون قدر ما تشاء”.

توجهت نحو الباب مع يوسف، هامسة بكلمة شكر قصدت بها اعتذار غير معلن، فما كان منه إلا أن أقترب نحوي هامسًا” لا تشكريني.. فأنا مضطر أن أعشق قلبك بمن فيه”.


أعلم تمامًا أن تلك المساحة التي سمحت لنا بها أراجيك مخصصة لسرد التجارب الشخصية والخبرات الحياتية الواقعة بالفعل، إلا أني سمحت لنفسي اليوم بتقديم قصة قصيرة لم تحدث تفاصيلها فعلًا على أرض الواقع، ولكن شخوصها والعلاقة بينهم حقيقية تمامًا، قصة اليوم من وحي كلمات صديقة ألهمتني حكايتها غير المنتهية بعد، ما سبق وقدمته لكم قبل قليل، كلمات كتبتها لأني أعلم تمامًا مدى صعوبة التعامل مع قلب طفل سليم، فما بالكم بصاحب القلب العليل، كلمات تمنيت أن يقرأها كل من يمر بواقع مشابه لمَ قدمته أنا هنا، فيجد بها ما يلهمه ويساعده على التعايش مع تلك الحالة المعقدة التي تحتاج للصبر والذكاء والكثير من الحب، فالحب يبقى دائمًا وأبدًا هو طوق النجاة المنتظر وربما الوحيد.

6