الانتخاب التقني: مُغامرة العقل الأخيرة

2

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

العقل كالمعدة، ليسَ المهم كمية ما يُؤكل بل المهم أن يتم هضمه وتحويله إلى مواد نافعة تصب في مَناحي الجسم بأكمله. وغذاء العقل أيضًا كذلك الأمر، فليس المهم ما يُقرأ بقدر أهميّة المرحلة التالية له، ألا وهي الهضم الذهني ومن ثمّ التبرز الفكري على هيئة فكرة جديدة تقدمها في طبق ما، لكي يلتقمها أحدهم.

هنا سنقدم طبق بسيط لشيء لطالما كان يلعب في مُخيلتي. مُشكلة الإطلاع والقفز من هنا لهناك ومن مجال إلى آخر، أنها تجعل الغالبية كالمسجلات يكررون كالببغاءات كلام فلان وعلان دون أي مشاركة لفكرهم وهضمهم الخاص في الموضوع. ما سنكتبه هنا هو هضم مُتفرّد لطالما كنت أقلبه في عقلي محاولًا استساغته.

بعد أن قدّم تشارلز داروين آليّته في تشعب الأنواع وانبثاقها عن طريق ميكانيكية الانتخاب الطبيعي، وعليكَ أن تلاحظ عزيزي القارئ أننا قلنا آليته في الانتخاب ولم نقل فكرة التطوّر، لأن فكرة التطوّر موجودة قبله بكثير، أما نظرية تشارلز داروين فلم تكن إلا بإبعاد الظلام عن آلية التشعب ألا وهي الانتقاء الطبيعي. عرضَ أيضًا المذكور نفسه آلية أخرى أطلق عليها لقب الانتخاب الجنسي. فالانتقاء الطبيعي يُعنى بنجاة الكائن الأكثر تكيفًا مع البيئة، في حين أنّ الانتقاء الجنسي يهتم بنجاة واستمرارية وديمومة مورّثات الكائن الأكثر استعراضًا وتفوقًا جنسيًا، الذي يستطيع أن يجذب عدد أكبر من الشركاء ضمن النوع نفسه.

لكن، الآن سنتطرّق لنوع جديد من الانتخابات، لربما انتخاب لن يكون طبيعيًا بقدر ما سيكون صناعيًا، ولربما لن يكون انتخابًا مرحليًا يؤهله للنجاة والعبور نحو مرحلة قادمة، بل انتخابًا سيقضي عليه. وأخيرًا وليس آخرًا ليس انتخابًا سيقوده الجزء الحيواني المسيطر على غالبية دماغ الإنسان، بل سيتبناه الجزء العاقل الفتي الذي لم يلبث أن ينهض، حتى كما سيتبدّى لنا أنه سينتهي.

إنه الانتخاب التقني. مُغامرة العقل الأخيرة وقفزة الإنسان العاقل التي ستكسر رقبتهُ. فالبقاء وجذب الطرف الآخر وتمرير الجينات، إضافةً لكونهِ محكومًا بالأصلح والأكثر تفوّقًا جنسيًا، سيكون أيضًا مُرتبطًا بالأكثر تقنيةً. ليسَ فقط على نطاق الوحدة الصغيرة المُسماة بالفرد بل الأمر يتسع ليشمل المجتمعات والثقافات، ولربما الدول بأكملها أيضًا.

عندما يُسأل يوفال هراري في أحد لقاءاته عن نشوء الأديان، يرد بالقول أنّه يجب علينا أن ننظر إلى وادي السيليكون، هناك حيث تُنشأ الأديان التقنية الجديدة، ذلك من أجل معرفة الإجابة.

في جزئية لا يُستهان بها، يحتكر الإله الميتافيزيقي داخل مفهوم الدين باحة المعلومات في الإنسان. إذ يشبه الكيس الأسود الذي يضع فيه العبد ما يضمره من معلومات سلبية يقترفها في حياته، ويطلب بين فينة وأخرى الصفح والغفران عنها، إذ يكون هنا بمثابة المستودع السري الذي لا يمكن لأحد الدخول إليه.

هذا بالنسبة لأديان العالم القديم التقليدية، أما أديان العالم الجديد فنراها تتبع نفس ذلك النهج الذي أثبت فعاليته لفترة طويلة من الزمن، إذ أنها الآن، وبتراسانتها الضخمة من مواقع التواصل العالمية، ووسائل التقنية على اختلافها، ومحطات التجارة والاستهلاك، أصبحت تحتكر الجزء الأكبر من معلومات الإنسان الموجودة على الشبكة، معلومات لها علاقة بما يريد شراءه وأكله، ومَن هم الأشخاص الذين يرغب بتكوين صداقات معهم ومن لا يرغب بذلك.

هل سألت نفسك يومًا لم الصين تحظر فيسبوك؟ ولمَ الولايات المتحدة تمنع أجهزة الهاتف الصينية ومواقع التواصل الصينية؟ ولمَ روسيا لديها شبكة تواصل اجتماعي شبيهة بالفيسبوك خاصة بها؟ ولم ايران أيضًا تسلك نفس النهج وتحظر فيسبوك؟ ما السبب الدافع لكل مما سبق من إجراءات؟ الجواب ليس لي، الجواب لأحد خبراء التقنية الذي كنت أطالع لهم شيئًا منذ فترة، والذي قال بأنّ كل هذا يندرج تحت مفهوم يصح تسميته بحرب المعلومات.

المفهوم القديم لاحتكار الجانب السري من حياتنا كان فيما مضى في جعبة الإله فقط، أما الآن فأصبح الإله وسجل متصفحك في غوغل كروم، وماتبحث عنه في فيسبوك وبقية المواقع، يعرف معلوماتك ويدرك شخصيتك بشكل ربما أفضل منك حتى. فوفقًا لإحدى الاستطلاعات التي أجريت على مواقع التواصل، تبيّن أنّه يمكن كشف شخصية الإنسان وميوله وتفضيلاته، وأعز أصدقائه فقط من خلال 12 لايك يضعها على الفيسبوك.

لكَ أن تتخيّل الآن أن يتم ربط كل هذه المعلومات المُدخلة على كل هذه المواقع مع خوارزمية إلهية مُصنّعة، يتم فيها تحليل شخصية كل إنسان بناءً على 5 مواقع وتطبيقات يستخدمها ولمدة 5 سنوات مثلاً. ما الذي ستكون نتيجته حينها؟ تخيّل أيضًا أن تُربط كل هذه المعلومات مع ذكاء صناعي يتخذ إجراءات وقرارات ترقية وإقصاء بناءً على السلوك التقني لكل شخص. فمثلًا الإنسان صاحب الرصيد السلبي الأعلى لمتوسط الاستخدام العام لكل مواقع التواصل والتقنية، تتخذ بحقه خوارزمية الإله الصناعية تلك، إجراءً بتجميد حساباته البنكية التي ستكون في وقتها القادم كلها أصبحت على الشبكة، ومن ثمّ منع إصدار فيزا الكترونية له أيضًا، وهي ما ستكون قد أصبحت كلها تقنية في تلك الفترة أيضًا.

وفي حال سلبيته الشديدة جدًا، يتم ربما ارسال طائرة بدون طيار مُسيّرة لكي تقضي عليه. كل هذا لا يبدو مُستحيلًا أبدًا، بل في المدى المنظور، وللعين المجردة أيضًا.

لأجل هذا أجد من الصعب جدًا أن نتخلى عن معظم مَساقات الموجة التقنية التي نعيشها، ولا أميل إلى وجهات النظر التي تُريد إقصاء هذه المساقات إلى الأبد، وإكمال حياتها مُتجاهلةً إياها. فالعمليات التي تجري تحت عناوين من نمط “تجربتي في إغلاق الفيسبوك، وكيف قرأت 50 ألف كتاب، و تعلمت 120 ألف لغة” أجدها دائمًا تنتهي بالفشل، ونفس الذي يكتبها يعود ليضعها على فيسبوك الذي كان يشتم بهِ، ولربما يصبح مدمنا أكثر من السابق، فدائمًا النكوص بعد محاولة التخلص من عادة يأتي أشد مما كانت عليه قبل المحاولة. لربما قد ينجحون بالتخلص من الفيسبوك، إلا أنهم يدمنون على شيء آخر بديل، فالفكرة مازالت موجودة رغم اختلاف المنصات فقط.

هذه المواقع والمساقات التقنية على تشعبها تخاطب غريزة أصيلة في الإنسان وهي “التواصل” لذلك من الصعب عليك إنهائها، ومحاولاتك ستكون أشبه باستبدال لشيء بشيء، أو ربما قد يكون الأمر كمحاولة الإنسان الإقلاع عن تناول الطعام، لأن الطعام حاجة بيولوجية أصيلة في الإنسان، والتواصل مع الناس كذلك أيضًا. الأمر نفسه تجده في مواقع الإباحيات، غالبًا كل مَن يدعو إلى انهاء هذه المواقع ولعناتها، ومن يكتبون مقالات في ذلك – كما كتبت أنا مُسبقاً ذلك – ينتهي الأمر بمقالاتهم دون أية آذان صاغية، والسبب نفسه. لأن هذه المواقع تخاطب غريزة وحشية أصيلة في الإنسان ألا وهي الجنس والتكاثر وتمرير الجينات، على الرغم من أنّ الأمر وهميًا تخيليًا في صلبهِ، إلا أنه يمتلك زمام المبادرة نفسها على الأقل.

كل هذا لن يحدث، الأشياء التي تخاطب الغرائز الحيوانية في الإنسان قد يكون من الاستحالة استئصالها فهي متجذرة داخلك. مثلًا، لن تجد أحدًا كتب تجربتي في حذف GoodReads للأبد وكيف تخلصت منه. هذا لن يحدث، لأن الإنسان سيتكاثر ويمرر جيناته ويحقق معادلة البقاء سواءً كان يقرأ أم لا. لكن الإنسان الذي لا يأكل ولا يتواصل مع أحد ولا يمارس الجنس، حتمًا لن يستطيع ذلك، فتراه يندثر حينها.

الانتخاب التقني قادم، لكن هذه المرة لن يقوده الجزء الحيواني من الإنسان كما كان يجري مع ما سلفهُ من انتخابات تكيفية وجنسيّة، بل سيقوده جزء آخر منه، وهو الجزء العاقل، ولربما هو من سيصنعه بنفسه حتى. الآن فقط، يمكنك ألا تستغرب عندما تعلم أن الدول المتطورة، أصحاب الوزن الثقيل في هذا العالم قليل الذوق. هي تلك الدول ذات التقدّم التقني الأعلى، والتي تمتلك الأساطيل المُترسنة من حقول الطاقة البديلة، واساطيل من خبراء المعلومات والجامعات البحثية، وفيالق من علماء ومختصي التنقيب العلمي، وما إلى هنالك من العتاد والعدّة لخوض غمار المرحلة القادمة لا محالة.

لم كل هذا؟ لا أجد جوابًا سوى أن الانتخاب التقني هو القادم، وأنّ البقاء سيكون للأكثر تقنيةً على حساب الأقل منه. لاحظوا أن الكلمة على حساب الأقل تقنية. فكيف إذن بالذين لا يستخدمون التقنية حتى.

يمكننا أن نتلمس هذا المعنى عندما نعلم أن موارد الأرض فعلًا في طريقها نحو الجفاف، وأن الاحتباس الحراري سيفتك بنا قريبًا، أو على الأقل لن يفتك بجميعنا، سيفتك فقط بالأغبى والأقل تحصينًا والأقل تطورًا، ناهيك أيضًا عن مشاكلنا البدائية التي ما نزال عالقين في سياجها، من نمط احتكار السماء كملكية خاص لجماعات معينة فقط، وليسَ انتهاءً بالعيش في الحاضر لابسين قناع الماضي الذي مايزال ينبض في داخلنا. وهلم جرًا.

إذن، هذه هي مغامرة العقل الأخيرة التي ولأول – وستكون آخر أيضًا – مرة سيقودها العقل. أجد نفسي هنا أميل لوجهة النظر القائلة والتي لطالما حذر منها ستيفن هوكينغ بإنّ الإنسان العاقل سينقرض قريبًا. والسبب في ذلك أنه “العاقل” أي أنه سيصل لمرحلة – حاول هنا أن تصنع محاكات في دماغك وتمضي نحو الأمام، لأن الوقت الحالي العقلانية لا دور لها أبدًا، إنما في المستقبل، ومع نهاية اللاعقلانين، لأنهم سيفنون أنفسهم تحت صراعات بدائية بربرية – تجعله يتخلىَ عن جانبه الطبيعي الذي يدعوه للبقاء، مقابل امتلاكه لجانب أشبه ما يكون بالإلهي التقني المتكامل، عندها سيبدأ بالإضمحلال والأفول التدريجي.

ولربما لن يذكره “القادمون” من بعده، سوى بأنه كان مجرّد طفرة تطوّرية شاذة – وهذا صحيح لو نظرنا إلى عمر الإنسان بالنسبة لبقية أعمار شجرة الحياة – تم استبعادها بسبب وصولها لمرتبة ذكاء وعقلانية عالية، مما جعل الكفة الطبيعية الحيوانية التي تجعله يتكاثر تدنو للأسفل، فجنى على نفسه بنفسه.

ولربما مرةً أخرى ما يدل على أننا شذوذات طبيعية لم تُاخذ بالحسبان في آلية الانتقاء الطبيعي، إضافةً لكون عمر جنسنا قصير، هو أننا نملك الوعي الذي لا يزال أحد ما إلى الآن لا يعرف ما هو، ولعلَ هذا هو السبب الذي نشأت في سبيله كل الأساطير والفلسفات والأديان والمذاهب الفكرية على اختلافها. فقط كي تشرح لماذا نحن وليس غيرنا.

لكن إلى إشعار آخر، وإلى ما نراه في منظورنا القريب، سيكون الانتخاب التقني هو الحاكم، وعلى عكس جميع المرات السابقة لن يكون طبيعيًا حيوانيًا يصب في مصلحة غرائزنا البدائية، بل سيكون صناعيًا عقلانيًا موجهًا.. ولربما حتى عنيفًا وقاسيًا جدًا.

 

2