الرجل صاحب الثانية عشر من العمر

الرجل صاحب الثانية عشر من العمر
2

تدوينة: عمار الكحلاني

يوم أمس التقيت بطفل يبلغ من العمر الثانية عشر، في المول التجاري المعروف “عفراء” عندما كنت برفقة بعض من أقاربه نلعب البولينغ..
بدأتُ بالتعرف عليه وسألته ما اسمك؟
فقال: اسمي قاسم عبد المجيد..

ومن حسن الحظ أني أعرف والده الدكتور عبد المجيد، ثم سألته عن حاله ودراسته فأخبرني بأنه بخير وهو في إجازة، مما جعلني أساله أكثر كيف يقضي إجازته في بلد غير بلده.

فقال: معظم وقتي على الهاتف النقال أتصفح وألعب، فكنت اُراقب طريقة رده علي، أيضًا استعماله للهاتف بخفة وبسرعة..

تيقنت أن هذا الطفل ليس طفلًا عاديًّا ومن هنا كانت البداية…

بدأت أساله عن الدراسة في اليمن وهل هي أفضل من الدراسة في السودان!! فكان يُجيبني وهو يستعمل الهاتف بكل أريحية وطلاقة.

قال: نعم؛ ولكن هنا الفرق أن المنهج التعليمي مكثف أكثر. فأخبرته عن أصدقائه الذين عاش معهم إلى الصف الرابع في اليمن..

فقال: كانت أيام جميلة؛ ولكن أحوال البلاد حالت بيني وبينهم..! ولكن لدي أصدقاء هنا ونحن ندرس ونلعب ونقضي أوقات رائعة، وهذا ما أتمناه لأبناء بلدي.

فأحببت إجابته جدًا.

حصل انقطاع في الكهرباء مما أدى إلى توقف اللعبة، فحدثت نفسي أن أُخرجه من موضوع التعليم إلى موضوع الترفيه.. فسألتهُ ما هي اللعبة المفضلة لديك؟!

فقال: ليست لعبة واحدة، أنا كنت ألعب “الفورت نايت” والآن ألعب لعبة “البابجي” المشهورة في الوطن العربي والغربي، وحصلتُ فيها على مراحل متقدمة.

فقلت: هل تأخذ اللعبة من وقتك الكثير؟
قال: لا؛ ولكني إذا مللت منها أدخل على برنامج اليوتيوب وأطلع وأشاهد بعض المقاطع التي تروق لي.

عادت الكهرباء وأكملنا اللعبة وخرجنا من المول إلى الساحة الخضراء، فكنا نتكلم أيضًا عن الألعاب الحديثة، وكنت أنظر إليه وهو يتكلم ويسرد المعلومات بدقه عنها. قلت: “طفل وليس من الغرابة أن يكون مهتمًا بالألعاب”.

قرر بعض أقربائه المغادرة لظروف لديهم فأحسست أنه ربما سيذهب معهم ولن تكون هناك فرصة لأن أتكلم معه مره أخرى أو ربما لن ألتقي به.. لكن من حسن الحظ أنه قرر مرافقتي مع شخص آخر من أقربائه “حمزة” ليتمشى قليلًا ثم يعود برفقته إلى البيت.

قررنا أن نذهب إلى العشاء في أحد المطاعم اليمنية المشهورة في السودان “مطعم باب اليمن”، وبينما كنا في الطريق كنت أحاول أن أدخل معه في نقاش آخر، فتحدثنا عن الرياضة كوني صاحب معلومات كثيرة عنها..
ذكرنا بطولة آسيا التي فاز بها المنتخب القطري، فكان يُحلل لَعِب بعض الفرق المشاركة في البطولة من الناحيه التكتيكية والفنية، فعرفت أنه مطلع بشكل جيد على الرياضة ويمتلك كثير من المعلومات عنها.

ثم قال: هل تعرف المكافآت التي منحها أمير دولة قطر للمنتخب!! أعطاهم كذا وكذا فمن شوقه قال “ليتني كنت أحدًا منهم”.

وصلنا إلى المطعم فوجدناه مزدحمًا جدًا، انتظرنا قليلًا إلى أن أكمل بعض الأشخاص عشاءهم وقاموا، فجلسنا مكانهم لنبدأ الجلسة الثانية من النقاش والتي قررت فيها أن أتكلم معه عن أشياء أكبر.

نظرت إليه وقلت له: “هل هناك مواقف قُمتَ بها ولم يُنصفك الناس فيها لصغر سنك؟!”.
قال: نعم.. فظننت أنه سيذكر لي مواقف من عائلته أو من أصدقاء عائلته، لكني فوجئت أنه يتكلم عن اليوتيوب وأنه ظُلِم من معاملته له بإغلاقهم لحسابه لأكثر من مرة، وكان قد حصد كثيرًا من المشاهدات من خلال نشر مقاطع فيديو لألعاب كان يلعبها، فيحصل على درجات كبيرة ومن خلالها وصل إلى مراحل متقدمة جدًا من اللعبة حتى أنه قال لي أنه قد حصل في إحدى الألعاب على المركز الثالث عالميًا، وأُخرى حصل فيها على المركز الرابع أيضًا عالميًا.

فقال: “انكسرت نفسي بعد إغلاق حسابي أكثر من مرة، وتركت الألعاب تلك وتوجهت لغيرها من الألعاب والبرامج”.

فكرت أيضًا أن أسأله ما هو الفرق بين الطالب اليمني في مثل عمره عندما يكون في اليمن وعندما يكون في دولة أخرى.!
فقال: “قد يكون الأطفال الذين في عمري في اليمن ينشغلون بأشياء بدائيةٍ جدًا لأن بلادنا تعاني من سوء الثقافة التعليمية، سواء كان السبب من الأسرة أو من المدرسة، فالطالب اليمني عندما يخرج من بلده يختلط بثقافات أخرى ويتعلم أشياء جديدة تجعله مختلفًا عن غيره”.

قلت له: “هل تعرف بعض الخطوات أو الوسائل التي يمكن أن تطور من الطالب اليمني في مجال التعليم؟!”.
قال: نعم؛ أولًا أفضل أن يدخل الطالب قبل الصف الأول ابتدائي في مرحلة التمهيدي ويتم تعليمه طرق ووسائل تكون كمفاتيح للدخول في مسيرته التعليمية، وأيضًا يُفضل الاهتمام بالجانب الترفيهي للطلاب في المراحل الابتدائية وإعطائهم القدر المناسب من الدروس، فمن الصعب أن يستوعب الطالب ست حصص أو ثمان حصص مثل ما أدرس أنا في السودان. كل حصة فيها درس ويكون لديه ما بين ستة إلى ثمانية دروس في اليوم”.

إجابات مدهشة وعقلانية ليست من مخيلة عقل في الثانية عشر من عمره.

قال أيضًا: “أنا أحب اليابان ولكن لا أحب أن أسافر إليها وأنا بهذا السن”.
قلت ربما أنه لا يريد الابتعاد عن أهله.!

لكنه قال: “في اليابان لا يُسمح للطفل بامتلاك هاتف نقال إلا بعد السادسة من عمره، ومن ثمَ عندما يكون عمر الطفل أكثر من السادسة عشر يسمح له باستعمال الهاتف الذكي لمدة أربع ساعات في اليوم”.
قلت: ماذا أيضًا..!
قال: أريد أن أسافر لها عندما يكون عمري أكثر من 22 سنة.
قلت: ولماذا في هذا العمر تحديدًا؟
قال: لأنه يتم السماح للطالب الياباني باقتناء تلفون ذكي دون مضايقة من قبل أحد وعندها يستطيع أن يرى العالم من طرق عدة.

أخذت برهة من الزمن وأنا أتساءل: لماذا لا يكون أطفال اليمن المتواجدين فيها بهذه الثقافة والإطلاع.!!
ما هو السبب الذي يجعل أغلب الأطفال يعانون من إحباطات نفسية وضياع في التفكير وإهمال في الدراسة وغيرها من الأشياء الهامة لهم كأطفال؟ لماذا لا يكون الطالب في اليمن مثل غيره من الطلاب الذين يستطيعون التحكم بأفكارهم وإرادتهم واتخاذ قراراتهم بأنفسهم؟

لماذا لا تسعى الأسره أن تصنع من أبنائها قادةً في المستقبل في المجالات التعليمية وغيرها من المجالات من خلال تنمية عقولهم وتحفيزهم للإبداع والتميز؟

فضرب الرجل الصغير على الطاولة وقال لي: في ماذا تفكر..!
قلت: في أشياء كثيرة.. حرصت أن لا أذكرها له حتى لا يدخل في قلبه حزن على ما يجرى من أوضاع في اليمن.

قلت له بعد الانتهاء من دراستك ماذا تحب أن يكون تخصصك؟! أجاب صديقي حمزة: أكيد الطب لأن والده طبيب.
قال: لا، أنا لا أحب أن أكون طبيبًا.
قلت: مهندس.
قال: لا؛ أريد أن أكون طيارًا فأنا أحب السفر كثيرًا لذلك اخترت هذا المجال من التعليم.

كان يقولها وهو واثق من نفسه وكأني أرى قبعة كابتن الطائرة على رأسه..
حينها أسميته “الرجل صاحب الثانية عشر من العمر”.

أكملنا عشاءنا وخرجنا من المطعم عائدين ببطل هذه القصة إلى بيته، وكلنا أمل أن هناك قادة في المستقبل سينهضون ببلادنا إلى القمة وسيُعيدون لها عزها ومجدها وكرامتها التي أنتهكتها أيادي الإجرام والخبث والعمالة.

مدونات أراجيك

في مدونات أراجيك نتساوى جميعًا كقراء وكتّاب، حيث الكل يسرد قصته التي لمس منها درسًا مهمًا كان لابد من مشاركته مع الآخرين. لن نقدم لك نصائح أو معلومات أو أخبار، بل سنتلقى منك أيها القارئ العزيز تجاربك الملهمة في الحياة، والتي خرجت منها شخصًا جديدًا للعالم، وسنشاركك أيضًا تجاربنا لنتبادل المعرفة والفهم ونتعامل مع الحياة بشكل أنضج.

2