أن تكوني أمًا مكتئبة..

أن تكوني أمًا مكتئبة
6

تدوينة: آية 

الاكتئاب هو الرمادية بكل ما في الكلمة من معنى.. الشعور بأنك داخل بئر عميق ترى مَن حولك ولا تشعر بهم، كابوس أسود يجثم على صدرك ولا تدرك ما السبب، إحساس بالذنب على اللاشيء والدونية وعدم استحقاق الحب، كيف لإنسان في هذا الكابوس أن يلد إنسانًا آخر ويهبه الحياة التي لا يرغبها ولا يريد العيش فيها!

ندمت؟

مئات بل آلاف المرات أنني لم أكن الأم التي يستحقها ولدي، حينما رأيته للمرة الأولى لم أشعر بشيء، أصابتكم الصدمة؟ هذه الحقيقة التي سألت كثيراتٍ من صديقاتي وأكدوها لي، الألم الذي يعقب عملية خروج الطفل للحياة مع الصدمة جعلني لا أشعر بشيء كنت أنظر إليه من بعيد ولا أدري من هذا الكائن الصغير، وضعوه في حضني اعتقادًا منهم أن هذه رغبتي، ولم أستطع أن أحمله، قبلته قبلة لا معنى لها وأعادوه لمهده.

كرهت الألم وكرهت المكوث في المستشفى وطلبت منهم الخروج بأي شكل، رغم الألم!

وخرجت بعد ولادتي بساعات متألمة مصدومة والبرودة في كل مكان في جسدي وألم يعتصر قلبي لا أدري سببه، في أول ليلة لنا، في غرفتي المظلمة الباردة الكئيبة، استسلم كل من في المنزل للنوم لتعبهم الشديد طوال اليوم، وبقيت أنا وهو، طفل عمره ساعات بالطبع لن ينام ولن يتركني لأستوعب أو ارتاح أو أتعايش مع كم الألم.

بكى وبكيت كما لم أبكِ لموت غالٍ في حياتي، كانت أبشع ليلة، شعرت بالعجز والوحدة والضعف، والرغبة في الانتحار كانت تتملكني، ولكن ما ذنبه، لم يختر أن يأتي للدنيا بل أنا التي أنجبته، أنا السبب!

ومن لحظتها حتى الآن وأنا في دوامة الإحساس القاتل بالذنب، والشفقة على حاله من أم بائسة مكتئبة.

أحببته؟

كأني لم أعرف الحب إلا معه، حب من نوع خاص وخالص، غير مشروط وغير مفهوم، ولكن حبي تغشاه الشفقة لحاله مني ومن العالم والحروب والظلم ومن كل شيء.

هل استسلمت؟

لا، أحارب في كل لحظة من حياتي، أحارب يأسي وأفكاري الانتحارية وقلقي المرضي ونوبات الهلع، أحارب لأكون أمًا حنونة محبة رحيمة، حين تقسو عليه الدنيا يرتمي بين يدي.

الأم ليس لديها رفاهية التعب، الانهيار، الاستسلام.

الأم في معركة مع ذاتها وأفكارها المضطربة.

مع المجتمع وظلمه والعنصرية فيه.

مع آراء قريباتها الجاهلات المنتقدات.

حالة حرب دائمة لا تنتهي، ولكن الحب فقط من يجعلها تنتصر، الوجه الملائكي والابتسامة التي تدفئ القلب هي ما يجعلها تكافح لحياتها وحياة طفلها.

ابني

أدين لك بكل شيء، وجودك جعل هناك سببًا للبقاء، سببًا أحارب مرضي من أجله، قوةً كنت أجهل أنها بداخلي، ولتعلم أن أمك أحبتك كثيرًا وكل لحظة تعب لست مدينًا لي بشيء في مقابلها، أحبك وسأظل يا رفيق الرحلة.

6