الولايات الغاشمة الأمريكية: لماذا أكرهها؟

الولايات الغاشمة الامريكية
6

في حرب الولايات المتحدة مع فيتنام، أنا مع فيتنام. في حرب الولايات المتحدة مع العراق، أنا مع العراق. في حرب الولايات المتحدة مع سوريا، أنا مع سوريا، في حرب الولايات المتحدة مع جزر القمر، أنا سأقف مع جزر القمر. ليسَ  بالضرورة حبًا بهذه الدول، وليسَ تعاطفًا مع الضعيف في مواجهة الأقوى الغير أخلاقي، بل لسبب واحد وحيد، وهو أنني أكره الولايات المتحدة الأمريكية!

في القديم عندما كان جيشٌ ما يواجه جيشًا آخر، كان هناك مبادئ شريفة يلتزم بها الطرفان، مثلًا أن يتم بعث رسول يبلّغ الجانب الآخر ويعرض عليه ما يراه الجانب الأول. وفي حال وقوع الصدام الحتمي، كان دائمًا ما يُسبق الاشتباك بوقوف مهيب للطرفين أمام بعضهم، حيث يخرج المحارب الأقوى من كل جيش لكي يواجه المحارب الأقوى من الجيش الآخر!

كل هذا يحدث بشكل مباشر وصريح ولأسباب واضحة حادة كعين النسر، دون أي اختباء خلف إصبع أو تمويه وخداع.

مشكلة الحروب الحالية، والتي خرجت في الآونة الأخيرة بعض النظريات التي تقول أن الطبيعة البشرية في طريقها للتخلي عنها والاتجاه نحو السلام، كما استشهد ستيفن بينكر في كتابه The Better Angels of Our Nature، هي حروب غير شريفة، حروب لا تمتلك أدنى مقوّمات النزال الأصيل.

تجد الطرف الأول ضعيف أو عادي، والطرف الأخر يُصنّف أنه الأقوى! حالة شبيهة جدًا بمواجهة كرة قدم بين برشلونة ونادي اثيوبي! يكون الطرف الأول مكشوف بشكل كامل وفي مرمى التسديد للطرف الآخر، بين الآخر يتبع سياسة اضرب واهرب! الطرف الأول مُنهك فقد خاض عدة جولات ونزالات، بينما الطرف الآخر مُنتعش!

باختصار، الأطراف غير متوازنة، والمواجهة غير شريفة، خصوصًا إن كان عدوك ليسَ عدوك! بل أنت تضرب صاحب عدوك لكي تنتقم من عدوك!

لا أحب السياسة ولا أهضمها، لكني لا أخفي سرًا بأني أكره أمريكا، خصوصًا أن حرب العراق هي أول ما شاهدته على التلفاز منذ الصغر، ومنذ تلك الفترة لا أرى في هذا البلد قوة صناعية لأن المانيا أفضل منه، ولا قوى علمية لأن دول أوربية أعرق منه، ولا أرى قوة تنويرية لأن الفلاسفة الأمريكيين محدودين، بل أراه كبلد استعماري قائم على الغزو.

أبعد من ذلك، في مواجهة السينما الهوليودية مع السينما الآسيوية كاليابان والهند أنا لا أحب الأولى أبدًا. لا أحب شخصية البطل الأمريكي صاحب العضلات المفتولة الذي يتدخل في آخر لحظة لينقذ العالم، لا أحب هذا فهو غير موجود ويعبر عن عقدة نقص!

لا أحب الفتاة الشقراء الزرقاء الشبيهة بصفحة ماء لشدة نقاء وجهها، لا أميل إليها أبدًا، المشكلة أن الجميع الآن أصبح معياره في الجمال هو المعيار الأمريكي، عندها تدرك مقدار التشوّه، إذ جعلوك تكره صفاتك الشكلية حتى! تحتقر عرقك الذي اقتضت الجغرافيا بدرجة كبيرة أن تمنحك إياه!

لا أحب الأفلام التي تعرض حياة الجندي الأمريكي وهو يقع بين نداء الواجب وبين الضمير فجميعها كاذبة، الحروب الحديثة كلها بلا ضمير، فما بالك بحرب تخوضها الولايات المتحدة الأمريكية، الولايات التي تريد أن تأتي إليك بالديمقراطية على ظهر دبابات الابرامز خاصتها!

تبًا للديمقراطية إن كانت كذلك.

لا أحب الولايات المتحدة لأنها دمرت ليبيا، ومن قبلها العراق، ومن قبلها فيتنام، وقبل كل ذلك نسفت خلايا 150 ألف إنسان بقنبلة نووية في هيروشيما ثم ناكازاكي. لا أحب البلد الذي ورث أمر المحافظة على إسرائيل من بريطانيا العظمى.

أكره اللغة الإنكليزية بلكنتها الأمريكية، اللكنة التي يجب عليك أن تنطق حرف الراء بطريقة تجعلك أبلهًا وأن تقول حرف الياء كأنك تختنق، لذلك احترم الهنود جدًا في هذا الموضوع، فرغم كلامهم بهذه اللغة إلا أنهم يحافظون على لكنتهم، فليسَ هناك داعٍ أن تتخلى عن لكنتك الأصلية إن أردت أن تتكلم باللغة الإنكليزيّة!

في مقارنة العالم القديم – آسيا، افريقيا، أوروبا – مع العالم الجديد، فالكفة ترجح لدي دائمًا للعالم القديم، أمريكا لا يزيد عمرها عن 700 مئة عام، سوريا عمرها 7000 آلاف سنة.

لا أحب الحنين لأيام الخوالي، لكن التاريخ علم أصيل ومن عرفه عرف كل شيء، ولقد صدق الشاعر عندما قال: ومن وعى التاريخَ في أعماقهِ، أضاف أعمارًا إلى أعمارهِ.

لذلك نظرية شبنغلر في دورة الحضارات أمر طبيعي وفي سياق دورة التاريخ الأبدية، يومًا ما كانت سوريا في التاريخ القديم تُخضع العالم لها، أما الآن فالتاريخ دار ومَن كان قويًا أصبح ضعيفًا، ومن كان غير مُكتشف أساسًا بزغ نجمه ليصنف على أنه الأقوى!

الأمر طبيعي ودوري، فضعيف اليوم قوي الغد، وقوي اليوم ضعيف الغد، وصدق من قال بأن الأوقات الصعبة تصنع الرجال الأشداء، وأوقات الرخاء تصنع رجال الضعف، فيا أهلًا بالأشداء أينما كانوا.

لكن يبقى للتاريخ نوعًا من التأييد، نوعًا من الحنين لمن عرفه لمدة طويلة، لا سيما أن سوريا كلمة سريانية تعني مكان تجمّع الأشراف أو أهل المكانة العالية، فمهما كانت النتائج، ومهما تكلم من تكلم وضرب من ضرب، لا مجال للمقارنة بين مكان عمره 7 آلاف عام حاملًا اسم مكان الأشراف، وبين مَن عمره 700 سنة ويحمل اسم ولايات كونه ناتج من تجمع مهاجرين من هنا وهناك!

التغني بالتاريخ وأمجاد الماضي الحل الوحيد عند الذين أضاعوا الحاضر، أنا أتفق معك بهذا، لكن ناكر الأصل يُقال عنهُ بوصف يبدأ بكلمة “ابن” وينتهي بلفظ آخر أنت تعرفه أكثر مني.

مهما كان القوي قوي، ومهما كان المتطور متطور، ومهما كان العلمي علمي، ومهما كان الذي يملك الإعلام يوجّه الرأي العام، فالغاشم يبقى غاشمًا، حتى لو استعان بمن ظننته أخيك على ضربك.

إلى ذلك الحين، وإلى دورة حضارة أخرى، تبقى الولايات المتحدة غاشمة، وتبقى سوريا مكان الأشراف للأبد.

عبدالرحمن عرفة

طبيب أسنان ومُبرمج قديم الطراز للغتي Visual Basic وAssembly. مُهتم بالتاريخ لفهم الماضي والعلوم من أجل اقتحام المستقبل. بعيدًا عن عالم البشر فأنا أحب عالم الأرقام.

6

شاركنا رأيك حول "الولايات الغاشمة الأمريكية: لماذا أكرهها؟"