ماذا تحتاج لتحيا؟!

3

تدوينة: عاصم سليم

تخيل معي أنك أنهيت يومك بكل شقائه وتعبه وتجلس الأن على كرسيٍ في غرفتك صامتاً، ترى ماذا ستسمع من حولك؟! هل هو صوت التلفاز!، أو ربما يكون صوت أشخاص يتحدثون أو ضوضاء الشارع.. ربما لا تسمع شيء ويسود الصمت من حولك! ربما، ولكن في وسط اليوم الذي أصبح سريعًا ومشغولًا للغاية، مع الكثير من الضغوطات النفسية التي يتحملها كل شخص منا..

هل أصبحت للحياة معنى؟!

هل ما زلنا نعرف الحياة؟!

هل نصغي إلى الحياة وسط كل ذلك؟!

وما الحياة!!

في عام 1991 قام الدكتور “بيل توماس” بإجراء تجربة في بلدة صغيرة تسمى نيو برلين في شمال ولاية نيويورك، بعد أن تسلم وظيفته الجديدة كمشرف طبي على مسكن تمريض يسمى تشيس ميموريال “سكن رعاية للمسنين الذين لا يستطيعون رعاية أنفسهم بشكل كامل”، وكان ذلك المسكن يضم ثمانين مسنًا من ذوي الإعاقات الشديدة..

في البداية ظن الدكتور توماس أن السبب في حالاتهم التي يرثى لها هي كثرة الأدوية التي وصفت لهم، أو ربما خطأها، فأعاد تشخيصهم والكشف عليهم من جديد ولكنه لم يصل إلى نتيجة ذات قيمة تحدث فارق في تحسن صحتهم.

وبطبيعة حياة د. توماس المستقلة والبسيطة، أعتقد د. توماس دائمًا أن الحياة الطيبة هي تلك التي تتوافر فيها أقصى درجة من الاستقلالية، وعلى عكس ما يوجد في تلك المساكن “مساكن التمريض للمسنين” فإن الأمور تسير بشكل روتيني للغاية، لا جديد ولا حياة تذكر، مجرد رجال عجائز جميعهم مرضى بأمراض الشيخوخة وينتظرون في ذلك المكان حتى تنتهي حياتهم.

فكر توماس بأن يضيف لهم الحياة “بالمفهوم الذي يعرفه”، بدلًا من ذلك الروتين فما المانع من بعض الحياة، إن ما ينقص أولئك العجائز الذين هم في نهاية حياتهم ليس الإهتمام الطبي ولكنه نقص الحياة، من هنا نشأت تجربة د. توماس.

فقد قدم طلب بإحضار الكثير من النباتات الحية وبعض الحيوانات والطيور والأطفال، ظنًا منه أنه من خلال تلك الأشياء سيخرج شكل من أشكال الحياة..

وبالفعل أحضروا كلبين وأربعة قطط ومئة طائر والكثير من النباتات الحية في غرف المسنين، وقاموا بإنشاء مكان ليحضر الأطفال إليه من أبناء العاملين في فترة عملهم..

وبعد عامين نظر الباحثين في حالة المرضى في “مسكن تشيس ميموريال” مقارنة بمنزل تمريض آخر، وفقًا لعدد من المعايير، فوجد الباحثين أن عدد الأدوية لكل نزيل في مسكن تشيس قد أنخفض لنصف ما أحتاج إليه سكان المكان الأخر وأنخفضت نسبة احتياج مسكن تشيس إلى أدوية التهيج إنخفاض ملحوظ للغاية، كما هبطت نسبة الوفيات بنسبة 15%..

لم تحدد الأبحاث السبب، لكن د. توماس أعتقد أنه يعرف السبب فقد كان يقول “أعتقد أن الفرق في نسبة الوفيات يعود إلى حاجة البشر الأساسية إلى سبب يعيشون من أجله”..

في كثير من الأحيان وسط الكثير من الإضطرابات النفسية والمشكلات التي تحدث لنا في الحياة، وفي وسط ذلك الروتين اليومي الذي أصبحنا جميعا جزءًا منه، ما ينقصنا حقيقةً هو الشعور بالحياة.. الشعور بأننا نحدث فارق في الحياة.. أن نشعر بأن لنا وجود حقيقي في وسط كل تلك الحياة.

في كتابه “فلسفة الولاء” يسأل جوزيا رويس:

لماذا لا يشعر المرء بالحياة لمجرد تواجده في بيت يوفر له المأكل والأمان، لماذا هذا لا معنى له ومجرد خواء وفراغ للإنسان؟! والإجابة وفق لما يعتقده رويس في كتابه، أننا جميعًا نسعى للحياة من أجل سبب ما خارج أنفسنا.. قد يكون سببًا كبيرًا مثل “العائلة، الوطن، المبادئ، العقيدة”، أو سببًا صغيرًا “كمشروع ما.. مسؤولية حيوان مدلل”، وسمى رويس تلك الحالة بحالة الولاء..

إن أكثر ما لفت انتباهي في تلك الأبحاث والفلسفات، هو ما تعنيه بأن الإنسان يحتاج إلى أكثر من “الأكل والشرب” ليشعر بالحياة..

في وسط ذلك الزحام الذي أصبحنا نعيش فيه من أثر تقدم العالم، وتلك السرعة التي أصبحت في كل شيء حتى في تطور الأفكار والصناعات، ربما نحتاج فقط لنحيا.. نحتاج أن نفعل ما يجعلنا أحياء حقًا..

إن أعظم ما يمكن للمرء أن يفعله هو ألا تضيع حياته هباء.. ربما ما نحتاجه حقًا هو أن نشعر أننا ذو قيمة حقيقة في هذا العالم… نحتاج ذلك لنحيا..

فلنحيا إذًا.

3