ما فعلته بنا السوشيال ميديا: العقل الجمعي الجديد!

5

محمد شريف – مصر

دعوني أقول لكم في البداية، كلنا نعلم تأثير العقل الجمعي على عقولنا، فهو يحرّكنا كدمية خيوطها في أصابعه. وقديمًا كان المجتمع هو الذي يتحكم في عقولنا بمفرده، أما اليوم فصار هناك صديق جديد له وهو “السوشيال ميديا”العقل الجمعي الجديد. ولو أننا نظرنا جيدًا، لأدركنا أن السوشال ميديا حولنا لمنتجات متشابهة للغاية. وفي هذا المقال، سوف أذكر بعض الإشكاليات العقلية لدينا.. أتمنى أن تتقبلّوا أسلوبي، وأهلا بالحوار الهادئ البناء..

الإشكالية الأولى : تهمة أن تكون عميقًا

نعم، أن تكون عميقًا هذا يعني أنك سوف تتعرّض لسخرية لانهاية لها. وسوف تجد تعليقات، ومنشورات تحاول أن تخبرك أنك ترتكب جريمة، لكن دعوني أسأل : ما المشكل في أن تكون عميقًا أيها اللاعميق؟ ألم يكن نيوتن عميقًا حين ألهمته تفاحة بالجاذبية؟ ألم يكون أرشميدس عميقًا حين ألهمه البانيو بقانون الطفو؟ ألم يكن ساراماغو عميقًا حين ألهمه وجوده وسط الناس في أحد المطاعم بروايته العمى، حين سأل نفسه : ماذا لو أصيبت الناس بالعمى؟ ألم تكن ميل روبنز عميقة حين ألهمها أحد صواريخ ناسا بقاعدة الخمس ثواني؟ كم من سطحي رأى تلك الأمور الطريفة ولم ينتبه لها؟

صدقوني، نحن حين نجعلها تهمة، سوف نصنع من أنفسنا جيلًا خائفًا جبانًا في أن يعبّر عن نفسه بالأسلوب الذي يريد. ولا تنس هذه المقولة من الآن : لا يمتلك شيئًا إلا ذاك الذي لم يعمّق شيئًا – إميل سيوران.

الإشكالية الثانية : قصف الجبهات، والدفاع عن التفاهة

نحن لم نعد نهتم بالفهم أولًا ثم الرد. وهذه الإشكالية رأيت تأثيرها على بعض الأشخاص، أحدهم جادلني في أحد المواضيع، وقبل أن أكمل وأخبره بأن ما أقوله علمي، قال إنها مجرد وجهة نظر. وصدقوني، هناك آخر قد جادلني وهذا قد أخبرته بشئ علمي آخر، فلم يهتم وقال : أن العلم يتغير. وأظن أن هذه العقلية تحتاج إلا أن تتوقف عن سرعة الرد، وتهدأ لتفهم قليلًا. وجميع مستخدمي السوشال ميديا يرى الآن، فكرة تدعى “قصف الجبهة” وفيها أرى ما يثير استفزازي حقًا. فهي ردودٌ لا قيمة لها، ولا تخرج إلا من أفواه سريعة الرد لا تفهم. فمثلا : أحدهم ينصح الآخر بأن يتحلى ببعض العقلانية، فيعلق ذاك الذي مهتم بقصف الجبهة، أن العقلانية لم تجعله وزيرًا للثقافة، أو أنه ليس موجودا على السوشال ميديا لينهي الدكتوراه، أو يعلّق : أهتم أنت بالعقلانية ودعني أنا في تفاهتي. هل بالضرورة حين تكون عقلانيًا، تصير وزيرًا للثقافة؟ أو تنهي الدكتوراه؟ وهل بالضرورة حين تكون عقلانيا أن تتوقف عن التفاهة؟ كن واضحًا وقلها كصاحبنا الأخير : دعني أنا في تفاهتي. لكن أولئك أقول لهم : أن تكون عقلاني تعرف متى تكون تافها، أفضل من أن تكون تافه لا تعرف متى تكون عقلانيًا.

الإشكالية الثالثة : كل شئ أصبح موضة

أن تقرأ لديستوفيسكي، فهذه موضة. أن تستمع لفيروز وتشرب القهوة، فهذه موضة. أن تصوّر نفسك مع كتابك المفضل، فهذه أيضًا موضة. أن تكتب فهذه أكبر موضة أيضًا. دعوني أسأل ماذا تريدون تحديدًا؟ أن نتوقف عن قراءة ديستوفيسكي، والاستماع لفيروز، وشرب القهوة، وتصوير أنفسنا مع كتبنا المفضلة، والكتابة؟ أم نمتنع عن إخباركم أننا نفعل هذا؟ أظن أنه في نواياك لا تحب ألا نهتم بالفن القيّم، وأظن أنه ليس لديك أيضًا مبررات جادة وحقيقية في أن تظنها موضة.

أستمع للبعض يقول أن المشكلة في أنهم يتظاهرون بالعمق، ويتظاهرون بأنهم يهتمون بديستوفيسكي، إلى آخره. لكن أقول : وما المشكلة؟ لعله يحاكي أحد الأشخاص المثقفة، لعل لو تركناه سوف تصبح عادة لديه ويستمر، وكلنا في البداية بدأنا من نقطة واحدة.

الإشكالية الرابعة : مشاركة الأفكار أصبحت شئ ساذج

دعونا نفرّق أولًا بين الفكر والمؤسسة، فيحق لأي إنسان أن يقرأ في الطب ويكتب فيه (الفكر)، لكن لا يحق له ممارسته (المؤسسة). إضافة إلى أن مشاركة الأفكار هو شئٌ معروفٌ في كل أنحاء العالم. فقل لي جورج برنارد شو، وعباس العقاد ماذا كان تخصصهما الجامعي؟ سلامة موسى ألم يدرس الحقوق؟ ولكن كل منهم ألهمنا بثقافته الواسعة، وأفكاره الملهمة في عدة تخصصات. فدعونا نشارك أفكارنا، ولا تكونوا أوصياء علينا، وشجعونا، وأنصحونا ببعض الكتب لنقرأها، وأخبرونا بما ينقصنا من المعلومات، بدلا من تحطيمنا.

كلمة أخيرة..

أظن أن سبب أننا لا ندعم الفاشل حتى ينجح، وأننا نحارب الناجح حتى يفشل، هو شئٌ قد غرس فينا منذ طفولتنا.. فهو له أسبابٌ نفسية، لا أدري حقيقة ما هي، ولكن لو راقبنا أفعالنا، تجدونها مدمرة حقًا. كما لو أنها النظرية التي تحدث عنها إريك فروم، وهي أن المحبين للموت مدمرون، والمحبون للحياة بنّاءون. فهل نحن هكذا حقًا؟ نظن أننا محبون للحياة، ولكن في الحقيقة أننا نحب الموت، وها هي ذي النتائج؟ هذا سؤال يحتاج للتفكير العميق، ولعل نسرد له مقال آخر.

وأخيرًا هل هذه كل الإشكاليات التي أراها في “العقل الجمعي الجديد”؟ لا، هناك إشكاليات أخرى، منها أن التفاؤل شئٌ مبالغ فيه، وأن علينا أن نكون واقعيون، وأظن أنها ليست بحجة ذات أهمية، وعلى أولئك أن يقرأوا الإشكالية الثانية مرة أخرى، لأن المتفائلون بالفعل يعرفون ظروفهم أكثر منك، ولعل التفاؤل هو سلاحهم الوحيد أمام آلامهم للاستمرار في الحياة. أما الإشكاليات الأخرى فأتركها إليك أيها القارئ لتخبرني بها..

مدونات أراجيك

في مدونات أراجيك نتساوى جميعًا كقراء وكتّاب، حيث الكل يسرد قصته التي لمس منها درسًا مهمًا كان لابد من مشاركته مع الآخرين. لن نقدم لك نصائح أو معلومات أو أخبار، بل سنتلقى منك أيها القارئ العزيز تجاربك الملهمة في الحياة، والتي خرجت منها شخصًا جديدًا للعالم، وسنشاركك أيضًا تجاربنا لنتبادل المعرفة والفهم ونتعامل مع الحياة بشكل أنضج.

5

شاركنا رأيك حول "ما فعلته بنا السوشيال ميديا: العقل الجمعي الجديد!"