لماذا؟ أكثر الأسئلة إلحاحًا على ذهني

4

تدوينة: ياسمين غباره

الأسئلة الوجودية هي أسئلة تحتل عقولنا وأذهاننا وتصبح ضيفة كل شرود ووحده لفترة من العمر. قد تكون قصيرة لدى البعض وطويلة لدى آخر، وأحيانًا تأخذ شكلًا كامنًا، وذلك عندما لا نجد لها إجابات تردم الأسئلة فنضعها جانبًا في جزء خفي من الوعي يدوي صوته عاليًا على فترات من العمر مع كل مشكلة أو صدمة أو حتى حالة حزن ثم يعود ليخبو مرة أخرى.

هذه الأسئلة ليست بالضرورة أسئلة عميقة وجودية بل قد تكون أسئلة بسيطة إلا أنها مؤلمة إذا لم نجد لها إجابة… وأكثر هذه الاسئلة إلحاحًا على ذهني على مختلف مراحل عمري هو (لماذا؟!)… فكلمة (لماذا؟) تسكن عقلي منذ زمن طويل وتدفعني للحيرة والشرود وتدخلني في حوارات تبدو عقيمة مع الناس… ففي البداية زارتني أسئلة من نوع: (أنا ليه بصلي؟! ليه الكبار بيعملو حاجات غلط مع انهم كبار؟! وليه الناس لازم تتجوز، ما يتبنوا أطفال وخلاص؟! )… لم تكن الإجابات سهلة بل ظل الزمن والمواقف يعمل مع إدراكى  فى الإجابة عنها تدريجيًا… إلا أن سؤال واحد توقفَت أمامه حياتى لمدة عام كامل… سؤال بمجرد أن خطر على ذهنى  ولم استطع أن اجيب عنه انتابني حالة من التجمد (زى ما يكون حد مثبتنى وبيقولى طلع اللي معاك) ولم أملك إجابه تجعله يدعني وشأني، وطبعًا كان السؤال من فصيلة (لماذا ؟!) ولكن هذه المرة كان (لماذا أذاكر؟!)… زاد من صعوبة مواجهة السؤال كوني في الثانوية …. أول الضغوط في حياة المواطن المصري.

ظل هذا السؤال يؤرقني طوال العام الدراسي، ولم تريحنى اي إجابه، فلم أود دخول كلية معينة حتى أتمنى مجموع كبير ولم أكن مقتنعه أن ما ندرسه علم فنحن نحفظ  ونخوض عدد هائل من الإختبارات فى أماكن الدروس ونُضرب بعصا إذا ما أخطئنا… اين العلم فى ذلك، وكيف تكون الدرجات أهم من المعلومة… قالت لى امى يومًا (هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون) إلا أن الإجابة أيضًا لم تكفينى وظل السؤال يكبر فى ذهني حتى احتل صورة الكتاب فى يدى ولم أعد استطيع ان أرى الكلام وطبعًا لم أعد استطيع ان احفظه فاغلقت الكتاب وانصرف مع غلقه السؤال عن ذهنى… ارتحت لهذا الحل وتمسكت به… واستطعت بشكل ما أن أعبر العام دون رسوب.

بدأت أشعر ان سؤال (لماذا؟!) هو العفريت الذي حضّرته ولم استطع صرفه عندما جاءني مرةً أخرى مع بداية تركيزي فى عالم الكتابه  فلماذا اكتب؟!… الكتابة مهنة تحتاج الى نفس طويل فالإنجاز فيها كسجاد الحرير يحتاج الى وقت وتراكم مجهود وصبر ليخرج الابداع الذى قد يكون ناجحًا أو لا يكون… فلماذا؟!… لماذا اكتب وأنشر وأحاول؟! سؤال قام بتعطيل تدفق الكتابة وجعل اى إنتاج محفوف يثياب التردد فحتى فكرة أنى أحب الكتابة لم تفك قيودى، فأن اقتطع من ذهني ووقتى وأروض نفسى على الكتابة والقراءه كل يوم  فى موضوعات مختلفة هو مجهود مستمر ومتواصل يحتاج الى دافع اكبر من الحب… ووجدته وجدت ذلك الدافع الذى هو أكبر من اى شعور .. وجدته عندما بدأت اشعر بالألم، فالحياة بكل تفاصيلها مؤلمة مجرد الاستيقاظ من النوم مؤلم لشخص مثلي يريد أن يشرد أطول وقت ممكن إلا أن الحياة تضربه كفًا فى صباح كل يوم ليستيقظ ويحيا اليوم بكل ما هو مقدر له ان يلاقيه من منغصات، وأصبحت الكتابة هى أفضل وسيلة للتحليق بعيدًا عن الواقع… لتفريغ ما بداخل النفس من فوضى وتمنحك ذلك الإدريناليين الذى يجعلك متحمسًا وسعيدًا بقدر كافي لتبدأ يومًا جديدًا .. التهم سؤال (لماذا؟) الألم، وفتح لي الباب وعلمت اخيرًا لماذا يبتسم البعض عندما يزورهم الألم …

4