زمردة والذئبة الحمراء: عندما تصبح حياتي نمطًا عامًا في زمن كورونا

3

منذ أربع سنوات تقريبًا قررت شراء تلفاز جديد أكبر، وهو أمر عادي وتقليدي ويبدو غير هام على الإطلاق في قصتنا هذا، ولكن الهدف من شراءه حينذاك، لم يكن للتجديد، بل كان بهدف الإحلال والتعويض، فكيف ذلك؟

امتلك شغفي الخاص تجاه الأفلام والسينما، منذ المرة الأولى التي جلست فيها داخل صالة العرض السينمائي على ذاك المقعد الأحمر الوثير، امتلكتني حالة من الانبهار الطفولي بتلك الشاشة العملاقة، ولازمتني حتى الآن، فكيف يمكن أن تترك ضجيج الشارع الخارجي ببائعيه وسياراته وضجيج أفكارك الداخلي الذي لا يهدأ لتنغمس في تجربة فريدة؛ تجربة تسمح لك بالغوص في حيوات الأخرين بكامل إرادتهم، تراقب انفعالاتهم ومشاعرهم، تبتسم من أجل انتصاراتهم، وتبكي على إخفاقاتهم، تشاهد عوالم جديدة كليًا، عوالم واقعية وأخرى خيالية كأنك في أحد الأحلام ولكنها من اختيارك.

هناك سلسلة روايات تدعى فانتازيا للعراب الراحل د/أحمد خالد توفيق، بطلتها كانت تدعى عبير، يصفها بأنها “فتاة عادية إلى حد غير مسبوق، الشخص الذي نتمنى ألا نكونه حين نتحدث عن أنفسنا.. الشخص الذي لا يتفوق في الجمال أو القوة أو البراعة أو الذكاء” ولكنها كانت محظوظة كفاية لتقابل شريف وهو مهندس كمبيوتر ومبتكر لجهاز عبقري (صانع الأحلام) وهو جهاز قادر على تحويل الحصيلة الثقافية للفرد من كتب وروايات إلى أحلام فعلية كالحقيقة، والسينما بالنسبة لي هي جهاز صنع الأحلام لعبير، يكفيني شراء تذكرة واحدة لترسلني إلى عوالم الخيال والمغامرة، في وقت لم تظهر فيه وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية واليوتيوب.

ولكن منذ تشخيصي بالمرض ودخول معمعة أمراض المناعة الذاتية ومع الانخفاض الكبير لعدد كريات الدم البيضاء، وأنا أتبع نمط حياة معين سواء اجتماعيًا أو غذائيًا أو رياضيًا، نمط حياة منعزل ومختلف، فرض على الكثير من التغييرات، وأولها اجتناب التجمعات البشرية قدر المستطاع، وبالتالي تخليت عن عادتي في الذهاب إلى السينما، واشتريت التلفاز الجديد، في البداية افتقدت كثيرًا الشاشة العملاقة ثم رويدًا رويدًا أصبحت أفضل الجلوس أمام تلفازي أشاهد فيلمي على أريكتي، أصبح للأمر مذاق خاص أفضله كثيرًا عن السينما الآن، لا زحام ولا تعليقات ولا ضحكات بصوت عالي ولا أحاديث جانبية، فقط أنا وشاشتي في عالم منفصل، وبطبيعة الحال لم تكن تلك العادة الوحيدة التي تخليت عنها، بل تبعها طوفان من العادات التي أصبحت من الذكريات الآن.

منذ 5 سنوات..

تغيبت عن غالبية المناسبات والأحداث المهنية حتى صار حضوري باهتًا، أصبحت علاقاتي الاجتماعية محدودة لأنني ما عدت احتمل المزيد من الضغوط أو الشكوى، تعلمت الخروج بمفردي في الأوقات التي تلائمني، اعتزلت المواصلات العامة بكافة أنواعها وهو ما فرض على قيودًا في المسافات والأماكن التي يمكنني الذهاب إليها، أتقنت فنون العزلة والوحدة حتى أصبحت مثار دهشة معارفي وأصدقائي، فكيف أخرج بنفسي ومع نفسي طوال هذا الوقت دو أن افتقد حميمية الصحبة؟ حتى القراءة التي كانت يومًا ما أعز صديقاتي؛ جفاف العين المفرط نتيجة إصابتي بمرض شوغرن أجبرني على تقليل وقتها بشكل ملحوظ، واستبدلتها برياضة المشي بينما ظلا التأمل والملاحظة ملجأي الدائم.

اتبعت غالبية تعليمات الوقاية الصحية في الأماكن العامة، فليس جديدًا على غسيل اليدين باستمرار أو استخدام المطهرات أينما ذهبت، في حقيبتي الصغيرة هناك دائمًا ثلاث أشياء لا أخرج بدونهم هم مناديل ورقية جافة ومناديل مبللة ضد البكتيريا ومطهر كحولى، فلا استخدم أي مناديل خارجية لتجفيف يدي أو وجهي خوفًا أن تكون قد لوثت برذاذ أي مريض خصوصًا في الحمامات العامة، أقضي معظم مشاويري في الصباح الباكر بعيدًا عن الزحام، وأتجنب الأسواق المكتظة، كما أتعرض لأشعة الشمس في أوقات محددة يوميًا في محاولة مني للحصول طبيعيًا على فيتامين د، والتزم بنظام غذائي صحي متوازن قدر المستطاع، لدي قائمة محدودة من المطاعم التي استطيع طلب الطعام منها، وأيضًا لدي قائمة بأصناف محددة لا تتغير، فمثلًا أنا لا أطلب السلطة الخضراء بكافة أنواعها وكذلك أنواع الحساء المختلفة، لا أطلب اللحوم إلا في أضيق الحدود وأوصي بأن تكون كاملة النضج، ابتعد عن الطواجن والأكلات الدسمة، وغالبًا ما أفضل تناول الطعام بالمنزل لأنه أضمن وأخف.

وتلك القيود الصحية امتدت لكافة الاختيارات في حياتي، فقبل السفر مثلًا لابد من قراءة عشرات التقييمات للفندق أو المنتجع عن مدى رضا نزلاءه عن جودة الطعام ونظافته، وغالبًا ما اصطحب معي مجموعتي من المفارش والمناشف والوسادات الخاصة بي، وفي العام الماضي اتخذت قرارًا بالتوقف عن السفر أي كانت الوجهة، لأن المجهود البدني للسفر أصبح مشقة تتفوق على متعة السفر في حد ذاته، توقفت أيضًا عن الاشتراك في صالات اللياقة البدنية والنوادي الصحية المعروفة لأنها تضم عدد ضخم من الزائرين، وبدأت البحث عن أماكن غير مشهورة في نطاقات أضيق، فمثلًا حمامات السباحة بالنوادي الكبرى المحتشدة بالتمارين والبطولات لا تلائمني تمامًا، وإذا رغبت في نزهة فورية فيكفي أن أقود سيارتي في الشوارع بينما استمع لملك العود فريد الأطرش، فألحانه قادرة على تغيير حالتي المزاجية، كما أنني أتلمس في صوته مزيج من الألم والشجن حتى في أغانيه السعيدة، وهو ما يمثلني تمامًا.

تلك القيود أثارت حولي الكثير من الانتقادات أينما ذهبت، وخاصة لأن الغالبية لا تدرك حالتي الصحية، منهم من شعر أنني أبالغ كثيرًا وما هي سوى طريقة أخرى للتعالي والغطرسة عما هو عادي ومألوف والبعض الأخر اعتقد أنني أقرأ أكثر من اللازم واتبع نمط الحياة الصحي الدارج باعتباره موضة عالمية منتشرة، وأنا يا أعزائي اعتدت الإنصات فقط دون الرد، ابتسم ثم اصمت، فلن أشرح حياتي للجميع.

ومع ظهور فيروس كورونا في مدينة ووهان بالصين، بدا المرض بعيدًا عن دائرتي ولكن مع انتشاره المتصاعد بدأ القلق في التضخم مع ارتفاع عدد المصابين والضحايا، فالأمر لا يحتاج إلى الكثير من البحث لأدرك أنني واحدة ضمن قائمة الأشخاص الأكثر عرضة لمواجهة مضاعفات المرض الخطيرة، فالأمراض المزمنة لا تقتصر على السكري وخلافه بل وأيضًا مرضى الأمراض المناعة لاسيما من يتناولون مثبتات مناعية مع الكورتيزون ويزيد عليهم في حالتي تدني مستوى كريات الدم البيضاء وتليف مبدئي بالرئتين.

للمرة الأولى أشعر أن الهلع ينتاب الجميع، أراه في أعين المحيطين بي وعبر الشاشات في التلفاز، لأول مرة أشعر أن الجميع يمتلكون نفس هاجس القلق الذي امتلكه منذ خمس سنوات، يتهافتون على المطهرات ويستخدمونها، يبحثون عن ماهية الطعام الصحي ويتجنبون الوجبات الجاهزة، يجلسون في بيوتهم دون رفاهية الخروج أو السفر، يشعرون مثلي كالفأر في المصيدة.

هذه هي حياتي، أنتم الآن تدركون جيدًا ماذا يعني أن يكون جسمك هشًا لالتقاط أي عدوى، وأي عدوى حتى لو كانت بسيطة أو اعتيادية للأشخاص الطبيعية فإنها تصبح كابوس حي وتهاجمني بشراسة وتستغل الفطريات الانتهازية الإصابة وتبدأ في احتلال لساني وفمي، وأسأل الله أن يزيح عنكم وعني تلك الغمة قريبًا، لأن أبدًا حياتي ليست النمط الأفضل للعيش والاستمتاع، بل مع الوقت سيجد الاكتئاب طريقه إليكم كما وجدني من قبل، لدي ملاحظة قد تفيديكم نابعة من تجربتي ألا وهي..رغم كل الإجراءات التي اتخذتها في محاولة لحماية نفسي من العدوى الفيروسية والفطرية والبكتيرية، كانت الثغرة الوحيدة التي واجهتني هي التقاط المرض عبر الدائرة الصغيرة من حولي أي زوجي وطفلتي وأخوتي، وهي ثغرة أحاول كل مرة الالتفاف حولها، فأتوقف عن رؤية أخوتي في حال إصابتهم بمرض معدي، وأعزل زوجي في غرفة منفصلة في حال إصابته، مشكلتي كانت طفلتي، لا استطيع تركها ولا التخلي عنها، ومهما حاولت ففي الغالب التقط العدوى منها، ولهذا الزموا الحذر خارج المنزل وداخله أيضًا إن أمكن خاصة مع وجود كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.

أسأل الله أن تنتهي تلك الأزمة سريعًا، وأتمنى لكم وفير الصحة والعافية.

3