العمر الأمثل لتعلم اللغة..هل فعلاً العلم في الصغر كالنقش على الحجر؟

تعلم لغة
1

ياسين مسلماني / مصر

لطالما كان تعلم لغة جديدة هو هدف الكثير من الباحثين عن فرصِ أفضل، وسواء كان هذا الهدف سعياً إلى تنمية الذات، أو زيادة الدخل، أو الحصول على عمل جيِّد، فإنّه تظل الفائدة الأكبر من تعلُّم أى لُغة جديدة هى القدرة على التواصُل مع أصحاب هذه اللغة، والتُّعرف على ثقافتهم المختلفة، ولكن يبقى سؤال أساسي، هل هناك سنٌ أمثل لتعلُّم لُغة جديدة؟!

عندما يتعلق الأمر بتعلم أى شئ جديد، كان من السائد دائماً أن “التعليم فى الصغر كالنقش على الحجر”، ، ولكن ليست هذه هى الحال دائمًا!

الأطفال يكتسبون اللغة ولا يتعلمونها

كأطفال رُضّع يمكننا أن نسمع ونميِّز بين ال 600 حرف ساكِن وال 200 حرف متحرِّك الذين يشكلون لُغات العالم كلها، وفى السنين الأولى تبدأ عقولنا فى التركيز على اللغة واللهجة السائدة فى المُحيط الإجتماعى الذى ننشأ فيه، وبإكتساب هذه اللهجة فإننا نبدأ بالتمتمة بها بل إننا نبكى ونصرخ أيضاً بنفس اللهجة. ولكن يأتى هذا التركيز على حساب تخلُّص عقولنا من المهارات الفِطرية لتمييز حروف ولهجات اللغات الأخرى التى لا نحتاجها، فمثلاً يمكن لطِفل يابانى أن يميِّز بين نطق حرفىّ I و R فى اللغة الإنجليزية، فى حين أن يابانى بالغ لايمكنه ذلك.

وفى دِراسة أجرتها جامعة MIT  على 670 ألف شخص من أعمار وجنسيات مختلفة، منهم حوالى 246 ألف فقط نشأوا على الإنجليزية كلُغة أُم، أما البقية فكانت لُغاتِهم الأم تشمل التركية والفنلندية والألمانية والروسية، وذلك عن طريق سؤالهم عدة أسئلة عن أعمارهم، ومتى بدأوا فى تعلُّم الإنجليزية وفى أى ظروف، وبعد ذلك تعريضهم لأختبار فى قواعد اللغة الإنجليزية؛ وبفحص كل النتائج توصل الباحثون أن الأشخاص الذين بدأوا فى دراسة اللغة قبل سن العاشرة وحتى السابعة عشرة، كانوا هم الأفضل أداءً بين المشاركين، فى حين أن النتائج كانت أسوأ لمن بدأوا فى تعلُّمها بعد سِن الثامنة عشرة؛ إلا أن الدراسة لم تقدم أسباباً واضحة لهذه النتائج فربما تكون الأسباب بيولوجية مثل أن يكون العقل أقل قدرة على التكيف والتغير مع التقدم فى العمر، أو أسباب أجتماعية مثل العمل فى وظيفة، أو الدراسة فى الجامعة بمجال معين، وكل هذا بالتأكيد يؤثر على التركيز على عملية التعلُّم.

تأثير المحيط الإجتماعى

ولكن كان هناك تفسير مختلف لهذه النتائج وهو أنه عند الإنتقال إلى مجتمع جديد ومحاولة تعلُّم لُغته؛ فإن المحيط الإجتماعى للأطفال يكون مختلف عنه للكبار، وإذا أعطينا مثالاً لتوضيح الأمر، فالنفرض أن هناك عائلة بأكملها انتقلت الى دولة أخرى تتحدث ِبلُغة مختلفة، فإنه يكون من الطبيعى جداً أن يتعلم أطفال هذه الأسرة اللغة بشكل أسرع؛ ذلك أنهم يمارسونها ويسمعونها كثيراً فى المدرسة، فى حين أن الشخص البالغ ربما يعمل وحيداً، أو فى عمل لايتطلب التواصُل القَوى مع زُملائه.

كما أنه فى حالة الطفل مثلاً، يُعتَبر إكتساب اللغة هو مطلب أساسي، إذا أراد أن يقوم بتكوين صداقات فى مَدرسته، وأن يكون مقبولاً وسط زملائه، وفى عالمه الجديد؛ فى حين أن الأهل ربما يكون لديهم قدرة أكبر على التواصل مع أقرانهم المُهاجرين مِن نفس بلدهم الأصلى، دون الحاجة إلى الإندماج الشديد فى المجتمع الجديد.

إن تعلم لغة جديدة فى أى مرحلة عمرية هو بالتأكيد شئ مفيد، ليس فقط على صعيد الإنجاز الشخصي، ولكن أيضاً لصحة العقل والذاكرة، حيث أثبتت الكثير من الأبحاث، أن تعلم لغة جديدة يقلل من خطر الإصابة بالخرف وضعف الذاكرة فى مرحلة الشيخوخة.[4]

التعليم المباشر للغة

تتمثل فكرة التعليم المباشر للغة فى أن يتلقى الشخص اللغة بشكل أكاديمى من خلال مُحاضر أو مُعلِم، دون الحاجة للإنتقال إلى مجتمع آخر يتحدَّث هذه اللغة، وهى الطريقة السائِدة فى مجتمعنا عند الرغبة فى تعلُم لغة جديدة، فليس كل منا قادر على تكاليف السفر الى دولة أخرى لتعلُّم لغتها. والغريب أنه فى هذه الحالة كانت الأفضلية فى سرعة التعلُّم للدارسين الأكبر سناً؛ هذا ما أثبتته دراسة حديثة أُجريت  على ثلاثة مجموعات من أعمار مختلفه هى 8 سنوات، 12 سنة، ومجموعة من البالغين، كلهم يتحدثون الإسبانية كلغة أُم، ويحاولون تعلم الإنجليزية. وجدت الدراسة أن الأشخاص الأكبر عمراً كانوا هم الأسرع والأفضل أداءً فى تعلُّم الإنجليزية.

وقد عزى الباحثون هذه النتائج إلى أن الأشخاص الأكبر سناً ربما ساعدهم فى ذلك؛ قدراتهم الأكفأ، التى طوروها من خلال خبراتهم الأكبر فى التعامل مع لغتهم الأم، وقدرتهم أيضاً على التعبير عن أنفُسهم ووصف العالم المُحيط بِهم بشكل أفضل.

لايمكننا القوّل أن هناك عُمْر معين يجب أن تتعلّم فيه اللغة، وإلا سيفوتك القطار؛ ولكن ما يمكننا قوله، هو أن كل مرحلة عٌمرية لها ما يميِّزها؛ فالأطفال يمتلكون مهارة فائقة فى التعلم الضِمنى للغة من خلال المُحيط الإجتماعى، وقدرة  هائلة على إكتساب اللهجات بسرعة شديدة وذلك عند الإنتقال إلى مجتمع يتحدث هذه اللغة. فى حين أن البالغين تكون لهم الميزة الأكبر فى حالة تعلم اللغة بشكل مباشر، عن طريق مُحاضِر أو مُعلِم. ولذلك فمن الأفضل لك أن تفكر مرة أخرى، إن كنت متردداً فى البدأ بتعلُّم لُغة جديدة، بدعوى أنه ربما يكون قد فات الأوان.

1

شاركنا رأيك حول "العمر الأمثل لتعلم اللغة..هل فعلاً العلم في الصغر كالنقش على الحجر؟"

أضف تعليقًا