“ملك وكتابة”.. منهج علمي مُعتمد لتغيير السلوكيات التعلمية السيئة

0

يعتبر التعلم من أهم النقاط التي يجب التركيز عليها والاهتمام بها وبجودتها، وذلك راجع لأهميتها في حياة الشخص في مختلف مراحلها سواء منذ صغره أو حتى دخولها الجامعة أو اعتماده على التعلم الذاتي خارج أسوار المؤسسات الدراسية. بين كل هذا، هناك الكثير من التقنيات والأساليب التي تُطور من طرف متخصصي التربية وعلماء التعلم بصفة دورية، آملين في مساعدة المُتعلمين على تجاوز الصعاب وتجهيز أرضية تعلم صلبة وصالحة، لضمان فعالية أكبر.

من خلال هذا الموضوع سنحاول أن نقدم طريقة Face/Pile أو ما يترجمُ عربيًّا بـ ملك وكتابة وهي طريقة بسيطة تمكن من تغيير النظرة التعلمية للفرد لما هو أفضل له من أجل تعلم نجاح وفعال.

ملك وكتابة .. ما هي؟

تحدثنا في موضوعٍ سابق عن الكاتبتين الفرنسيتين Audrey Akoun و Isabelle Pailleau واللتان سخرتا أبحاثهما من أجل التعريف بعلم التربية الإيجابية. في سبتمبر 2017، طرحت الكاتبتين كتابًا جديدًا عنوانه “!Vive les Zatypiques” والذي يعتبر دليلًا شاملًا لكل متعلم من سن 3 إلى 20 سنة أو أكثر من أجل تحسين جودة التعلّم.

من بين الأمور التي تم طرحها نجد منهاج ملك وكتابة ، وهو ببساطة اسم أطلقتاه على فكرة بسيطة أساسها أن السلوك التعلمي للأفراد مهما بدى سيئًّا فإنه يخفي خلفه سلوكًا جيدًّا إن هو استخرج بطريقة سليمة فإنه سيساعد في تحسين التعلم. بمعنى آخر، تثبت الكاتبتان أن تقديرنا لشخصيتنا التعلمية ومحاولتنا لفهمها بصفة إيجابية سيساعدنا في استخراج نقاط القوة والتي تختفي غالبًّا تحت ستار النقاط التي يراها الآخرون نقاط ضعف. وبالتالي، فكل سلوك تعليمي له وجهان “ملك وكتابة”، يكفي أن ندير وجهًا لنرى الآخر.

أمثلة السلوكيات التعليمية

لازالت الفكرة مبهمة وغير واضحة، فتابع الأمثلة التي قدمتها الكاتبتان في أبحاثهما لأهم السلوكيات التعلمية “السيئة” والتي يمكن أن يستنبط منها سلوكيات تعليمية “جيدة”.

فرط النشاط

هو سلوك يمكن ملاحظته بسهولة، خاصة في فئة المُتعلمين الأطفال، بحيث يكون الطفل كثير الحركة وأحيانًا صعب السيطرة. قد يعتقد لوهلة أن الأمرَ سيءٌ وأنه سيؤثر سلبًا على التحصيل المعرفي والعلمي خاصة وأنه قد يؤدي إلى تشتت التركيز والإجهاد البدني. لكن على العكس، ففرط النشاط هو طاقة كاملة يجب أن تُستغل، فالشخص هنا لايتعب بسهولة، ويتميز – حسب ما أثبتت الدراسات – بنسبة أعلى من العناد والإصرار.

لهذا، فحسن توجيه المُتعلم واستخدام طرق تعلمية تعتمد على الحركة الجسدية كالمشيء أثناء الحفظ أو الكتابة من أجل الاستظهار أو ممارسة الرياضة… قد يؤدي إلى نتائج إيجابية أكثر، وتحويل لوجه “الملك” إلى “كتابة” (أو العكس).

الشرود الذهني

إن الشرود الذهني لايعني بالضرورة الانعزال أو فقدان الانتباه، بل يمكن أن يُنظر إليه كوسع في الخيال وقدرة أكبر على الإبداع والتفكير. لهذا، وفي هذه الحالة، يجب أن يوجه المُتعلم بطريقة غير ممنهجة وأكثر حرية. حيث أن هذا النوع من السلوكات يفضل ألا يُقيد بطرق تقليدية، ويجب العمل على محاورته ومحاولة تشجيع أفكاره مهما بدت غريبة وغير واقعية، فبذلك، ستتمكن من توجيهها تلقائيًّا بما يتناسب مع بيئة التعلم، وستمكن الشخص من الربط بين عالمه الخاص الذي يشرد فيه وبين الواقع المُعاش عن طريق الإفصاح عن أفكاره وإيجاد شخص مستعد للإصغاء والتوجيه.

الخجل التعلمي

إن الشخص الخجول هو الذي يواجه صعوبة عن التعبير عن عدم فهمه أو عن أفكاره التي تدور في ذهنه حول الدرس أو القضية التي يتم مناقشتها داخل قاعة الدرس أو خارجها. لكن، الجانب الإيجابي المستتر للخجل التعلمي، هو أنه ينمي عند المتعلم القدرة على الملاحظة أكثر من الكلام، وبالتالي، فهو شخص حكيم يستقبل أكثر مما يقدم، وله قدرة أكبر على الانتباه ومتابعة التفاصيل.

استغلالًا لهذه النقطة، يمكن العمل على خلق حوارات ثنائية مع هذا الشخص وليس طلب جوابه مثلًا أمام بقية الزملاء، فانت بذلك تضع في موقف انتباه يعتبره “محرج” كونه لم يعتد عليه. استغل إذًا نقطة انتباهه وإصغائه، وحاول كمخزن من المعلومات الذي يجب تزويده وملؤه، فكلما زادت معلوماته، نمى فضوله التعلمي إلى أن يتجاوز بتلقائية الخجل.

قلة التنظيم

يكفي أن أقول هنا ما قالته بعض الأبحاث العلمية: “الشخص غير المنظم هو شخص مبدع !” إن أنت إذًا غيرت نظرته لنفسك أو إلى المُتعلم غير المنظم وأصبحت تراه شخصًا مبدعًا، فأنت بذلك تعطي له مساحة تعبير جيدة، وربما لاحظت قدرته وأسلوبه الخاص في التعبير أو المذاكرة أو غيرها.

لهذا، لا تحكم على الشخص غير المنظم أنه عشوائي أو مستهتر بالوقت وبالالتزامات، بل على العكس، يمكن لعدم تنظيمه هذا أن يكون وسيلةً خاصة في التعلم وأنه الأسلوب الذي يفضله هو والذي يريحه.

المخاطرة

هناك طالب لم يذاكر فقرتين من الامتحان واكتفى بواحدةٍ لأن “إحساسه” يخبره أنها موضوع الامتحان، وشخص شخصٌ يخبر الأستاذ بتحدٍ أنه كان حاضرًا الأسبوع الماضي رغم أنه لم يستيقظ مبكرًا ولم يأتِ للجامعة طوال اليوم، وآخر لايحضر للحصص التطبيقية رغم أنه يعلم أن نقطتها قد تزيد من فرصة نجاحه في الامتحان… وغيرها من الأمور البسيطة التي يقوم بها بعض الطلاب والتي تثبت أنهم أشخاصٌ يحبون المخاطرة.

هؤلاء، قد ينظر لهم بأنهم أشخاص غيروا مسؤولين، لكنهم ليسوا كذلك إطلاقًا، فإن عدت للأمثلة التي ذكرتها، قد ترى أن أحدهم اتبع حدسه، والآخر لولا ثقته بألا دليل يثبت غيابه لما واجه الأستاذ، وبأن نقطة الامتحان كافية لنجاحه لما تغيب… لهذا، فهم أشخاص في الحقيقة، يزنون الأمور من منطلق مغاير فقط، ونظرته للأشياء ولأهميتها تختلف عن البقية؛ بروفايل البورصة إن شئت التعبير.

في الأخير، يجب الإشارة إلى أن نظرتنا الخاصة للأشياء إن كانت ملك أو كتابة هي التي تحدد كيفية تعاملنا معها سواء بالإيجاب أو بالسلب. لهذا، يجب محاولة تفسير كل السلوكات التعليمية على أنها تحملُ جزءًا مميزًا يكفي استخراجه من أجل تعزيز التعلم.

0

شاركنا رأيك حول "“ملك وكتابة”.. منهج علمي مُعتمد لتغيير السلوكيات التعلمية السيئة"

أضف تعليقًا