ضربونا لكي نحفظ جدول الضرب.. لماذا تعلمنا الرياضيات في المدارس ونسيناها ولم نستخدمها؟

الرياضيات: أوراق وآلة حاسبة
روان سالم
روان سالم

7 د

كانت مادة الرياضيات -وما زالت- المادة الأصعب بالنسبة للطلاب، مقارنةً بالمواد الدراسية الأخرى، وذلك ليس مجرّد كلامٍ شفهيّ، فتشير الدراسات الاستقصائية أن 89% على الأقل من الآباء حول العالم، أدلوا بأن مادة الرياضيات هي أصعب مادة يقومون بتدريسها لأطفالهم. وبالفعل، نادرًا ما تصادف طالبًا يعشق مادة الرّياضيات. واليوم، يدور سؤالٌ مشترك في ذهن خريجي الجامعات، بعد كل عناء الفهم والحفظ، والمتتاليات وقوانين التكامل والتفاضل، وخوازميات القسمة والمثلّث متساوي الأضلاع.. ماذا استفدنا من دراسة الرّياضيات؟ لمَ لمْ يتوقف الأمر على الجمع والطّرح والقسمة والضرب؟ العمليات الأربع الأساسية.. هل ذهبت سنون رياضيّاتنا هباءً ولم نستخدمها؟ إذًا لماذا تعلمنا كل تلك الرياضيات في المدارس؟


هل الرياضيات مفيدة أم لا؟

أشارت استطلاعاتٌ حديثة أن استخدام الرياضيات يقتصر تقريبًا على العمليات الحسابية البسيطة، وأن قلّة قليلة من الناس تستخدم الكسور أو حسابات المثلثات، أو خوارزميات القسمة المتعددة التي تعلّمناها في المدرسة. بل وتُعتبر الآليات الحسابية الأكثر تقدّمًا، مثل الجبر والتفاضل والتكامل، هي الأقل استخدامًا!

قبل أن ننسى، أريد أن أنوّه للقرّاء أننا لا نتحدّث هنا عن مدى تأثير التكنولوجيا في عقول الناس، وأنها جعلت البعض يحسبون 2+2 على الآلة الحاسبة، لا، نحن نتحدث عن نقطة أبعد من ذلك. ربما يمكنك حساب تفاضل قيمة معينة على الآلة الحاسبة، ولكن الفكرة الرئيسية هنا أن لا أحد يتوصّل في أعماله الحياتية إلى التفكير في عملية تفاضل وتكامل ليُدخلها إلى آلته الحاسبة!

في دراسة استقصائية أُجريت عام 2003 شملت حوالي 18000 أمريكي اختيروا عشوائيًا، أُعطي كل من هؤلاء مجموعة من الأسئلة تضمنت مشاكل رياضيّة في المواقف التي قد يواجهونها. طبعًا أنشأ مؤلفو الاستطلاع مقياسًا لتصنيف قدرات الأمريكيين على النحو التالي: كان مؤشر المهارات الأدنى من الأساسية، ينطوي على إضافة رقمين لإكمال رقم إيداع مصرفي، أما متوسط القدرة فاستطاع حساب تكلفة شطيرة وسلطة من قائمة أسعار موضوعة أمامه. استطاع المحترف حساب حصة موظف من تكاليف التأمين الصحي لمدة عام، وذلك باستخدام جدول يوضح اختلاف التكلفة الشهرية للموظف باختلاف الدخل وحجم الأسرة.

وكانت المفاجأة أنّ 13% فقط من العدد الكلي، قد بيّنت درجاتهم أنهم محترفون، بينما كان أكثر من نصفهم إما متوسطي القدرة أو مهارتهم أقل من المستوى الأساسي.

ذو صلة

حتى نحكم على أمرٍ ما بعدميّة فائدته، يجب أن ننظر في حيثياته، ونقارن بين ما قدّمه لنا، وما أضاع وقتنا به. هل نحن نستخدم الرّياضيات بشكل فعّال في حياتنا اليومية؟ ما مدى استفادتنا مما تعلّمناه؟ للأسف، أشارت الأدلة الاستطلاعية الواقعيّة أن معظم الناس لا يستخدمون الرياضيات في الحياة اليومية، طبعًا بخلاف تلك العمليات البسيطة اللازمة، الجمع والطرح والقسمة والضرب.

لاحظ معي عزيزي القارئ: لقد قلت إن الأدلة بيّنت أن "الناس لا يستخدمون الرياضيات"، وليس الرياضيات ليست قابلة للاستخدام. وهذا ما يدلّنا على أن المشكلة الرئيسية لا تكمن في مادة الرّياضيات، بل في مستخدميها!

نعم هذا صحيح، وهذا ما تدعمه الدراسات الأنثروبولوجية التي أُجريت على الناس، وأفادت الملاحظة بأن معظمهم يفشلون في استخدام المستويات العليا من العمليات الرياضية، وذلك بناءً على الاستطلاع التي أجرته عالمة الأنثروبولوجيا جان ليف (Jean Lave)، والتي استقصت حجم العمليات الرياضية التي يستخدمها الناس يوميًا، وتبيّن في نتيجة دراستها أن المشكلة لا تكمن في الرياضيات بقدر ما تكمن لدى متعلّميها، فوجدت أن أداء الناس غالبًا ما يكون معقولًا وجيدًا في مشكلات مواقف الحياة الواقعية، بينما يقلّ أداؤهم وتنخفض قدرتهم عند التعبير عن ذات تلك المشكلات في شكل اختبار رياضي.

وفعلًا، لو قلت لك: أعطني ثلثيّ (⅔) ثلاثة أرباع (¾) كوب من الحليب، فغالبًا لن يخطر على بال نسبة كبيرة منكم أن يطبّق عملية حسابية بسيطة تقتضي بضرب تلك الكسور، والذي سيعطي نتيجة هي أنني أريد نصف كأس من الحليب (½)، بل غالبًا سيقوم الأفراد بوضع ثلاثة أرباع كوب من الحليب واقتطاع ثلثي الكمية واقعيًا ماديًا، أي بالتجربة البحتة.

إذًا، الرياضيات ليست عديمة الفائدة، ولم تذهب هباءً، لأن البعض يطبّقها في الحياة اليومية، أو في مهنته التي تعتمد على الرياضيات، ولكن كما هو واضح، لا يقوم معظم الناس بالاستفادة منها، على الرغم من قضاء سنوات في تعلّمها. ما السبب؟


لمَ يتعلم الناس الرياضيات ويفشلون في تذكّرها واستخدامها مستقبلًا؟

هناك ثلاثة أسباب رئيسية يمكن أن تفسّر إهمال الناس لاستخدام الرّياضيات:


فشل عملية التعليم: لا يتعلّم البعض الرياضيات بشكلٍ كافٍ للاستفادة منها

سبب واقعي فعلًا، وهناك الكثير من الإثباتات التي تدعم هذه الحجّة. أنت ستتجه إلى الحلول السهلة البديلة تلقائيًا، عندما تواجه مسألة رياضية تحتاج عملية حسابية. إذا كان من الصعب عليك حلّ مسألة حسابية لحلّ مشكلة واقعية، فستجد طريقة أخرى لحلّ المشكلة بحث لا تعتمد على الرياضيات، مثلما حدث في عملية ثلثي ثلاثة أرباع كوب الحليب، القليل من الناس سيحسب العملية ذهنيًا ويكتشف أنه يحتاج نصف كوب، وبدلًا من ذلك يميلون إلى معالجة ذلك يدويًا، أسهل فكريًا!

عندما تجري عملية التعليم بالشكل الصحيح والكمّ الصحيح والطريقة الصحيحة، سيجد الإنسان نفسه يتجه تلقائيًا إلى استخدام ما تعلّمه في الرياضيات لحلّ المشكلات، لأنه تعلّم الرياضيات بطريقة فهم فيها أنها حلّ لمشكلات كثيرة، وليست مجرد عمليات حسابية يجب حفظها لنحظى بعلامة امتحان جيدة ودرجة مقبول!


لا يعرف الكثيرون كيفية ترجمة المواقف الواقعية اليومية إلى مشكلات رياضية

نعم، نحن نتعلّم جميع الحسابات الرياضية في المدرسة، لكنّنا لا نستطيع ترجمة المشكلات الحقيقية إلى تنسيقٍ من كلمات تقودنا إلى تطبيق ما تعلّمناه في الرياضيات لإيجاد حلّ علمي. وجدت الدراسات أن أكثر ما يعاني منه الطلاب بخصوص هذه المشكلة هو الجبر، وكيفية تحويل الصيغة الكلامية إلى معادلات مفيدة، خاصة وأن الكلمة الواحدة في أي مشكلة، تأخذ مكانها في صيغة المسألة الحسابية للمشكلة، وتأخذ شكلًا في الحل.

تقف طريقة المعلّم في إلقاء دروس الجبر بشكلٍ خاص، حاجزًا أمام توسيع دائرة تفكير الطالب، خاصّة وأنه نادرًا ما يقدّم لطلّابه مشاكل رياضية كلامية مستحيلة الحلّ، لذا ترى الطالب يكتفي بمعارفه ومعلوماته السابقة، لتقديم الحلول، سيفترض أن ما يمليه عليه أستاذه ما هو إلا مسألة عابرة يجب أن يحلّها لينتقل إلى المستوى التعليمي الأعلى.

لا يعرف الجميع ترجمة المواقف اليومية إلى مشكلات رياضية، إنما يكتفون بالتفكير الذهني الذي تدعمه التجارب اليومية. على سبيل المثال: اشتريت أنا وصديقتي خضارًا بقيمة 5 آلاف ليرة، وقلتُ للبائع أنني سأدفع 25% من القيمة، فوجّه إليّ نظرات الاستغراب، وهو ينتظر منّا أن ندفع. أعطيته 1250 وانتظرت صديقتي لتدفع، لكنه اندفع بالقول: الحساب 5000! أخبرته مرة أخرى أننا سندفع سويةً، وهنا فهم أن عليه أن ينتظر باقي الحساب من صديقتي.

لم يفهم ما عنيته بدايةً بـ 25%، لأنه لا يعرف أن 25% من الـ 5000 تعني: 5000*25/100 وتساوي 1250.

وهذا مثال بسيط جدًا على عدم إمكانية ترجمة الكلام إلى صيغة رياضية.


ببساطة، الرياضيات ليست الحلّ السحري لكل المشكلات اليومية!

دعنا لا نبالغ كثيرًا، لا يمكن للرياضيات أن تكون استراتيجية حل لجميع المشاكل الحياتية، ففي مثالنا السابق، يمكنك الحصول بالفعل على ثلاثة أرباع ثلثي كأس الحليب، بدون حساب. ومن جهة أخرى، يجادل البعض بأهميتها، ويأتي هنا دورنا كي نبيّن حقيقة هذا اللغط.

ببساطة، سيرى الأشخاص الجيّدون في الرّياضيات، والذين لديهم قدرة على حلّ معظم مشكلاتهم عن طريقها، أنها الطريقة الأنسب للحصول على أجوبة المشاكل اليومية، وأما أولئك السيئون في هذا المجال، سيحاولون استبعاد الرياضيات من معظم يومياتهم. ولكل من هذين القسمين تفسيرًا لرأيه الشخصي بخصوص القسم الآخر:

يجادل مؤيّدو استخدام الرياضيات بأن فشل كارهي الرياضيات في رؤية أهمية تطبيقها في الحياة، يرجع إلى عدم قدرتهم على استخدامها، بينما يجادل منتقدوها بأن هناك تحيّزًا واضحًا من قِبل الطرف الآخر في قضية فهم الرياضيات وتطبيقها، وهناك مبالغة، فهم يحلّون كل شيء عن طريق الرياضيات حتى لو كان أمامهم خيارات حلول أخرى أسهل. والتفسير هنا لكِلا الطرفين هو فطرة الكائن البشري، الذي يميل إلى تجميل معارفه وتقديرها، ورفض المعارف التي لا يقدر لها.

برأيي الشخصي، يجب عدم تهويل الأمور أو الانتقاص منها إلى درجة كبيرة، فليتعلّم الرياضيات ويفهمها من يريد، ويستخدمها، وليذهب الآخرون لحل مشاكلهم بطُرُقٍ أخرى. يمكنك ألا تنسى الرياضيات وأن تتابع وتحاول تسيير حياتك حسابيًا، ويمكنك ألا تفعل ذلك.


إذا أردّت ألا تنسى الرياضيات التي تعلّمتها، فإليك بعض خيارات تسهيل دمجها في حياتك:

  • المزيد من الممارسة والتمرّن: من المعروف أن قضاء المزيد من الوقت في عمل أي شيء، يجعلك مع الوقت أكثر مهارة في هذا الشيء. ولهذا، يجب أن تبدأ الأمر بالممارسة الدائمة للمواد الأكاديمية الرياضية، ومحاولة تطبيقها في الحياة الواقعية.
  • محاولة تفسير المواقف والمشاكل رياضيًا: لا تعتمِدْ الرياضيات كمادة تلاعُبْ بالرموز فقط، بل حاول تحويل المواقف اليومية إلى مسائل حسابية واطلب المساعدة في حلّها والتفكير في حيثيّاتها.
  • قدم لنفسك تحديات واقعية يومية تحتاج استخدام الرياضيات: إذا لم يكن لديك مشاكل حقيقية يومية تحتاج إلى التفكير والمهارة، فستبدأ عاجلًا بنسيان ما تتعلمه. ولهذا السبب، يحتفظ الأشخاص المختصون بالعلوم والتكنولوجيا والرياضيات وغيرها، بمهارات حسابية ملفتة، لأنهم يحتاجونها في يومياتهم بالفعل.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة