منذ بداية اطلاعنا كطلاب في المرحلة الابتدائية والإعدادية على مادة الأحياء تعلمنا أن المادة الوراثية التي تحمل معلومات كل الكائنات الحية سواء كانت حيوانات أو حشرات أو بشر أو غيرهم تنحصر في نوعين لا غيرهما وهما DNA وRNA ولكلٍ منهما وظيفته المحددة، ولكن هل توقعت يومًا أنه قد يوجد كائن حي يتكون من مادة وراثية مختلفة تمامًا عنا في كوكب بعيد عن كوكب الأرض بمليارات الكيلومترات؟ يبدو كالخيال العلمي أليس كذلك؟ حسنًا هو قد يبدو فعلًا كذلك لكنها إحدى النظريات الموضوعة التي يتبناها علم الأحياء الفلكية وتُرجح وجود أشكال أخرى من الحياة في الكون!

مع تزايد عدد الكواكب المُكتَشفة حديثًا الشبيهة بكوكب الأرض يُلح على أذهان العلماء أسئلة كثيرة وأهمها: هل من المحتمل وجود حياة على أحدها؟ أم نحن فقط سكان كوكب الأرض من مُيز بها؟ وهل لو كانت فعلًا موجودة هل ستكون من نفس مادتنا الوراثية أم ذات بصمة وراثية فريدة؟ ليستطيع العلماء التوصل لإجابات تلك الأسئلة كان عليهم أولًا دراسة أصل الحياة على كوكب الأرض دراسة تفصيلية ليعرفوا شروط تواجدها من الأساس لكي يحددوا كيف يبحثون عنها خارج ذلك النطاق، ومن هنا ظهر علم حديث نسبيًا وهو علم الأحياء الفلكية.

دعنا أولًا نُبسط بعض المصطلحات السابق ذكرها إذا كنت عزيزي القارئ لم تكن واسع الاطلاع على علم الأحياء بصفة عامة، المادة الوراثية هي جزء أساسي في خلايا كل كائن حي على سطح الأرض فهي المسؤولة عن حمل كل المعلومات الخاصة به كالجنس ولون البشرة ولون العينين وشكل الأنف وطول القامة وكثافة الشعر وهكذا، وهي توَرث من جيل إلى جيل، ولذلك إذا كنت مثلًا تملك أبوين من ذوي العيون الخضراء ففي الأغلب ستكون أنت من ذوي العيون الخضراء أيضًا، لم أقل هنا أنك من المؤكد أنك سترث لون العينين لأن للوراثة حسابات أخرى لن أطول في شرحها لكنها قد تجعلك مثلًا من ذوي العينين الزرقاء مثل جدك!

المادة الوراثية نفسها تنقسم لنوعين DNA وRNA، ببساطة شديدة الـ DNA هو جزيء يتكون من شريطين مزدوجين يرتبطا ببعضهما البعض وهو ما يُحمل عليه كل صفاتنا الوراثية بكل تفاصيلها أما الـ RNA هو جزيء يتكون من شريط منفرد وظيفته هو ترجمة المعلومات الوراثية المحملة على الـ DNA إلى بروتينات لتقوم كل منها بدورها المحدد في العمليات الحيوية اللازمة لكي ينمو الجسم وتعمل أجهزته بكفاءة.

علم الأحياء الفلكية - Astrobiology

هو العلم الذي يختص بدراسة كل ما يتعلق بوجود الحياة في الكون فهو يدرس أصل نشأتها ومراحل تطورها ومستقبلها، وبناءً على تلك البيانات فهو يساعد العلماء في البحث عن أشكال الحياة المحتملة في أماكن أخرى من الكون بخلاف كوكب الأرض ولذلك فهو يجمع بين فروع مختلفة من العلوم ليصل لتلك الغاية المنشودة كعلم الفلك والأحياء والكيمياء والجيولوجيا والفيزياء وغيرها.

بدأ هذا العلم في الظهور والتطور تدريجيًا منذ خمسينيات القرن الماضي خصوصًا في الوقت الذي لم نكن نعرف فيه الكثير عن تربة المريخ كما نعرف الآن، ففي عام 1970 أرسلت وكالة ناسا الأمريكية مركبة فايكينج التي كان أحد أهدافها الأساسية هو البحث عن أي إشارة تدل على وجود حياة ميكروبية على سطحه، فأجرت فايكينج بعض التجارب التي يتم فيها زراعة ميكروبات على بعد سنتيمترات بسيطة من سطح التربة، لكن التجربة بالنهاية فشلت فشلًا ذريعًا فلم يكن هناك أي نشاط يدل على وجود حياة، وحينها تأكد العلماء أنه لأمر مستحيل أن يكون هناك أي نشاط بيولوجي على المريخ نتيجة للإشعاعات الخطيرة عليه.

بعد العديد من تلك التجارب دون جدوى أصبح توجه العلماء مُنصَب على البحث عن المواطن المحتمل وجود حياة عليها وفقًا للظروف المحيطة بتلك المواطن أولًا ثم الشروع في البحث على الحياة هناك، ولذلك كان عليهم وضع الشروط المحددة التي تدعم وجود الحياة والتي سيتم البحث على أساسها.

المنطقة الصالحة للسكن - The Habitable Zone

ما هو مؤكد لدى العلماء في الوقت الحالي هو أن الماء هو السبب الرئيسي المحفِز لوجود الحياة ولذلك تم تعريف المنطقة الموجودة حول كل نجم والتي تكون فيها درجة الحرارة ليست بالساخنة جدًا أو الباردة جدًا بحيث تسمح بوجود المياه في صورة سائلة هي ما يُطلق عليه منطقة صالحة للسكن فإذا وُجد كوكب في تلك المنطقة فسيكون مرشحًا جيدًا للبحث على حياة على سطحه. وبالنظر لمجموعتنا الشمسية سنجد أن كوكب الأرض يقع في منتصف المنطقة الصالحة للسكن حول الشمس مما أهله ليصبح الكوكب الوحيد المأهول بالكائنات حتى الآن.

وكما هو معروف فلكل قاعدة استثناء

في عالم الفضاء السحيق يمكنك توقع أي شيء، فبالرغم من أن المنطقة الصالحة للسكن أصبحت هي المرشِد الذي نسير تبعه عندما نبحث عن وجود حياة خارج المجموعة الشمسية إلا أن بعض الأماكن البعيدة كل البعد عن هذا النطاق المحدد أظهرت لنا بعض الدلائل التي قد تحتمل وجود حياة فيها!

فمثلًا هناك تيتان قمر زحل الذي يوجد عليه غلاف جوي كثيف مثلنا ضف على ذلك أنه المكان الوحيد في المجموعة الشمسية الذي نعرف أنه يوجد على سطحه أنهار وبحيرات ومحيطات مثلنا تمامًا بالرغم من بعده الكبير جدًاعن الشمس! لكن الفرق هنا أن تلك المساحات الشاسعة لا تحتوي على مياه بل إيثان وميثان مسال، لكن يظل تيتان يحمل علامة استفهام كبيرة حول احتمالية وجود كائنات عليه من عدمها، ولذلك تعمل ناسا على إرسال مركبة إلى هناك بحلول عام 2030 لحل ذلك اللغز.

علم الأحياء الفلكية: نظريات تُرجِح أصل الحياة على كوكب الأرض

لا توجد منهم أي نظرية مؤكدة ومدعمة بالأدلة حتى هذه اللحظة توضح كيف بدأت الحياة على سطح الأرض، لكنها بعض التصورات التي تحاول تحليل المشهد بقدر الإمكان.

فإحدى تلك النظريات تُرجح أن الحياة على الأرض بدأت بنيزك قادم من المريخ يحوي على سطحه ميكروبات دقيقة جدًا هي من شق طريقها لسطح الأرض بعد اصصطدامها به وبدأت تتكاثر وتتكيف مع بيئتها الجديدة، كانت تلك النظرية مدعومة بعثور العلماء فعلًا على إحدى النيازك المريخية في أنتاركتيكا عام 1984 وبعد تحليل مكوناته أعلنوا وجود مواد عضوية بين طبقاته وبالتالي قد يدل على نشاط ميكروبي فعلًا! لكن في دراسة صدرت منذ شهرين فقط تم إثبات عدم صحة هذا الافتراض حيث أن المواد العضوية ترجع لنشاط جيولوجي طبيعي نتج من تفاعل المياه مع الصخور حدث على سطح المريخ كما يحدث على الأرض تمامًا.

إحدى النظريات الأخرى ترجح أن الحياة بدأت بكائنات دقيقة تتكون من RNA فقط حيث كان هو السائد في بداية الأمر ثم على مدار ملايين ومليارات السنوات تطور شكله وتحور حتى ظهر الـ DNA الذي أصبح بدوره هو السائد الآن في أجسام الكائنات الحية.

أما أكثر النظريات غرابة هي التي تُرجح أن العالم كان يسيطر عليه مادة وراثية مختلفة عما نملكه تمامًا! أطلق عليها العلماء XNA اختصارًا لـ Xeno Nucleic Acid وهي جزيئات قد تشبه الـ DNA لكن لها خصائص مختلفة تمامًا عنه، ففي دراسة تُشرت في مجلة نيتشر العام الماضي توصل فريق من العلماء من اليابان أنه قبل مرحلة وجود الـ RNA كمادة وراثية أساسية لكل ما هو على سطح الأرض كانت تسيطر تلك الجزيئات على الوضع لأنها كانت أسهل في التكون على عكس الـ RNA فكانت لا تحتاج لإنزيمات محفِزة لكي يتم تكوينها.

بالفعل قام الفريق بتكوين تلك المادة في المعمل ووجدوا أن لها مميزات غريبة فهي تملك قدرة كبيرة على حمل والاحتفاظ بالمادة الوراثية بدون أن تستطيع خلايا الجسم البشري تكسيرها بالإنزيمات العادية فهي كأنها خفِية لا تستطيع الخلايا تفرقتها عن باقي الخلايا الأخرى! كما وجدوا أن بعض جزيئات الـ XNA تستطيع التصرف كالإنزيمات وترتبط ببروتينات معينة في الجسم، مما جعل العلماء يفكرون في احتمالية استخدام تلك المادة الغريبة في المجالات الطبية وصناعة الأدوية لما تظهره من خصائص فريدة وفعالة.

كيف تعرف أكثر عن علم الأحياء الفلكية؟

كما رأيت، فعلم الأحياء الفلكية هو بحر واسع لا ينضب لا يمر يوم عليه إلا ويتغير فيه شيء ويظهر ما هو جديد! إذا أردت أن تعرف المزيد عنه فيوجد الكثير من المصادر التي يمكن أن تساعدك أرفقت لك جزءًا بسيطًا منها لتبدأ به رحلتك:

Astrobiology and the Search for Extraterrestrial Life

"علم الأحياء الفلكية والبحث عن حياة خارج الأرض" هو كورس من جامعة ايدينبرج مدته 11 ساعة، يعطي الكورس فهمًا عامًا عن مقومات الحياة وكيف كانت الأرض بيئة مثالية لتدعمها، وعن كيف كانت المجموعة الشمسية من مليارات السنوات وما الأماكن الموجودة فيها والتي تبشر أكثر من غيرها باحتمال وجود كائنات عليها، ثم ينتهي بكيفية البحث خارج نطاق المجموعة الشمسية وكيف تساعدنا التكنولوجيا على تحقيق ذلك.

Astrobiology: Exploring Other Worlds

"علم الأحياء الفلكية: استكشاف العوالم الأخرى" هو كورس من جامعة أريزونا مدته 24 ساعة، نتعرف فيه على تاريخ العلماء في التعرف على الكون من مئات السنين وعلى إثر ذلك كيف تطورت التليسكوبات والتكنولوجيا على مدار تلك المدة لتواكب اكتشافات العلماء السريعة، كما نتطرق لكيف يتم البحث عن الكواكب الخارجية وكيف نتأكد من احتمالية وجود حياة على أحدها.

Imagining Other Earths

"تخيل وجود كواكب أخرى شبيهة بالأرض" هو كورس من جامعة برينسيتون مدته 26 ساعة، في هذا الكورس نأخذ جولة سريعة بين كواكب وأقمار المجموعة الشمسية لنتعرف أيهم يملك مقومات الحياة وأيهم لا يملكها ثم نذهب لخارج المجموعة الشمسية مع مهمات كيبلر لنكتشف معها كيف يتم العثور على الكواكب الخارجية وما التقنيات المستخدمة.

Emergence of Life

"أصل الحياة" هو كورس من جامعة الينوي مدته 45 ساعة، يتعمق هذا الكورس في فهم الحياة بحد ذاتها كيف ظهرت على الأرض وكيف تطورت أشكالها من كائنات وحيدة الخلية لكائنات متعددة الخلايا مع الوقت، كيف كانت الأرض نفسها من 4 مليارات سنة وتحولت من بيئة خطرة مليئة بالبراكين والإشعاعات إلى أن وصلت لشكلها الحالي الذي يعج بالحياة في كل سنتيمتر على سطحها.

اقرأ أيضًا: “صيد الكواكب” قد يُصبح هوايتك المُفضلة.. فكيف نتعلم رصد السماء ونتأملها؟