النصيحة التي لا يفتأ الأهل والوالدان بتكرارها على مسامع كل تلميذ أو طالب، وهي أهمية التواجد بالقرب من الطلاب المميزين الذين يقضون أيامهم في الجد والدراسة لا في اللعب واللهو. فكما يُقال في اللهجة العامية بأنّ «الصاحب ساحب» فإن كان سيئًا سيسحبك نحو دائرة الشر الخاصة به، أما لو كان مجتهدًا مجدًا فلا شك أنه سيستدرجك نحو دائرته المحترمة المبنية على العلم والمعرفة، وبالتالي يحصل التماس معهُ وترتفع أنت بدورك أيضًا.

ولعلَ هذه النصيحة صادقة إلى حد كبير، إذ يشير عدد من الأبحاث لأنّ التواجد بالقرب من الأصحاب المجتهدين يؤدي لتحصيل نتائج أكبر في الاختبارات. إلا أن كيفية حدوث التأثير ما تزال مجهولة وتحت عدسة الدراسات المعمقة أكثر. وذلك لصعوبة وضع اليد بشكل واضح على تلك العوامل المساهمة في خلق ذلك التأثير الجيد.

حيث نوّهت بعض الدراسات لازدياد اهتمام الآباء بأبنائهم عندما يرونهم يعاشرون الطلبة أصحاب المعدلات الجيدة. ويمكن لهكذا نتيجة أن تفسر جزءًا من الحقيقة.. في حين أن هناك جزء آخر ما زال معتمًا، لا سيما وقد وُجد أنه لا ازدياد ملحوظ في ساعات الدراسة التي يقضيها الطلبة عندما يصاحبون أصحاب المعدلات الأعلى، فهي ثابتة على حالها، فما الذي يفسر الصعود بالنتائج إلى الأعلى؟

أي أن الأمر ربما يشير لأن الأقران الجيدين يفيدون الطالب في دراسته، دون أن يدرس ويكرس وقتًا أكثر للدراسة حتى!

تحاول التجارب الاجتماعية معرفة ذلك

تختبر إحدى الدراسات المجراة تأثير ذلك بين الطلاب، إذ وجدوا 19 طريقة محتملة يمكن من خلالها حدوث ذلك التأثير على الطلبة وفقًا لثلاثة تقسيمات رئيسية: أولها سلوك الطالب نفسه، ثانيها دعم الأهل واستثمارهم في أبنائهم، وثالثها البيئة المدرسية. كما غطّت هذه الدراسة عدّة آليات أخرى بإمكانها أن تؤثر على جمهور الطلبة، بما في ذلك مقدار نشاطهم ضمن الصف، وتطلعاتهم للدراسة في الجامعة، والوقت الذي يخصصه الآباء لأبنائهم ومقدار دعمهم لهم، وحرص المعلمين على الطلاب أيضًا.

وقد استخدمت البيانات على مسح أُجري لحوالي 20 ألف طالب ومدير ومعلم مدرسة في تايوان. تضمنت البيانات العديد من الخصائص المهمة كعدد ساعات الدراسة في الأسبوع الواحد، وما هي الشهادات الدراسية التي يملكها الوالدان، وكم من الوقت يقضونه معهم.

حللت الدراسة البيانات لتلاميذ بين عمر (12 إلى 14 سنة) دون النظر لأي اعتبارات لهؤلاء التلاميذ وكيفية تسجيلهم ضمن المدرسة ومقارنتهم مع الآخرين. كما تعرض هؤلاء التلاميذ لاختبارين اثنين، أولهم في سن السابعة والآخر في سن التاسعة، وذلك بغية قياس التغيير الذي طرأ عليهم خلال هذه الفترة.

وتمت المقارنة بين الطلاب الذين خضعوا للاختبار في عمر السابعة وتلك الصفات التي كانت بارزة لديهم وأحدثت فرقًا في نتائجهم. ولعلَ كان من أبرز تلك الصفات، دراسة الوالدين، وكمية الوقت الذي يقضيه التلميذ وهو يدرس، إضافةً لتحفيز المعلم لهُ. ولعل الاختلاف الوحيد بين التلاميذ خصوصًا فيما يتعلق بنتائجهم الدراسية، أنهم كانوا من صفوف مختلفة عشوائية.

تؤدي الاختبارات الأصعب لدرجات أعلى!

ليكون الأمر واضحًا وبسيطًا سنضرب المثال التالي، لدينا طالبان في نفس الصف والمرحلة العمرية، أحدهما ارتاد مدرسة اختباراتها تعتبر وسطية الصعوبة في حين أن الآخر ذهب نحو مدرسة أخرى اختباراتها أصعب. وهذا هو الفرق الوحيد بينهما، كل شيء آخر متطابق ما عدا أن الاختبارات تكون ذات طبيعة أعلى.

أجريت الدراسات على نتائج هؤلاء الطفلين بعد سنتين من ارتيادهم لتلك المدارس. وكانت النتيجة أن الطفل الذي دخل للمدرسة الصعبة حقق تقدمًا أكبر من ذلك الذي كان في مدرسة تعتبر عادية. إذ أجاب كلا الطفلين على 31 سؤالًا بشكل صحيح عندما كانوا في عمر السابعة ضمن اختبار موحد لقياس قدراتهم، في حين أنهم في عمر التاسعة، أحدهم -الذي درس في مدرسة عادية- أجاب على 31 سؤالًا؛ أي نفس نسبته السابقة، في حين استطاع الطفل الآخر على الإجابة على 32 سؤالًا! أي بنسبة زيادة 2.4% للأجوبة الصحيحة.

وعلى الرغم من اعتبار النسبة طفيفة نوعًا ما، إلا أنها ذات مدلول إحصائي كبير، خصوصًا أنها توافق الخط العام لمثل هكذا دراسات سابقة، إلا أن هناك المزيد ليكشف عن الأمر..

التواجد بالقرب من الطلاب المميزين.. أشياء أخرى قد اكتشفت!

أظهرت الدراسة أيضًا أن الطالب ذا المعدل الأعلى كان أكثر ميلًا للالتحاق بالجامعة بنسبة 1.7% من ذلك الطالب العادي. إضافةً لأن الطالب الأول كان أكثر ثقةً بنفسه وقدراته ومؤهلاته للدخول إلى الجامعة. ومما ظهرَ لاحقًا أيضًا وكان لافتًا للانتباه أن كلا الطالبين لم يزيدا في ساعات دراستهما شيئًا، بل كانت متساوية تقريبًا.

ولعلَ مما كان ظاهرًا في هذه النقطة أن الطالب صاحب الدرجات الأعلى كان يتمتع بدعم من الأهل بنسبة أكبر من ذلك العادي، خصوصًا فيما يتعلق بالدعم العاطفي والنفسي للطفل.

اقرأ أيضًا: أكذوبة الدرجات النهائية والمركز الأول وتأثيرها على الطفل

الكثير من آليات التأثير ما تزال مبهمة

تستبعد الدراسة الجديدة الكثير من العوامل السابقة التي ظنّ أنها تؤثر على زيادة نشاط الطالب عندما يُقرن مع الأطفال المجتهدين، فالكثير من العوامل كالغش، والسلوك السيئ للطلبة، وارتياد الدروس الخصوصية، ومدى انخراط المعلمين وتفاعلهم، لم تكن على علاقة مباشرة وواضحة مع نجاحات الطلاب. إلا أن تواجد الأقران المجتهدين والخضوع لاختبارات عالية المستوى أثّر بشكل إيجابي على النتائج ولو بشكل طفيف. 

اقرأ أيضًا: التعليم المدرسي.. ما بين تعليم الأطفال وتعليب عقولهم!

دراسة صينية: تعثّر بعض الطلاب قد يضر ببقية الطلاب أيضًا!

في دراسة منشورة ضمن مجلة الاقتصاد السكاني، درست عينة من الطلاب في المدارس الصينية وجدت أن الدرجات المنخفضة للطلاب بين عمري الـ 12 - 13 سنة تنقص من التحصيل الأكاديمي لبقية الطلبة. وكانت الفئة الأكثر تضررًا ضمن الطلبة هم أولئك الذين يكونون في المستوى المتوسط تارةً والمنخفض تارةً، إلا أن الطلاب المتفوقين كانوا في حيز بعيد عن التعثّر نوعًا ما.

إلا أن الدراسة لاحظت زوال التاُثير السلبي بمجرد الخروج من المدرسة المتوسطة والاتجاه نحو الصفوف الأعلى، أي أن التأثيرات كانت ذات طبيعة قصيرة الأمد وتتلاشى على المدى الطويل، كما عزا الباحثون زوال التأثير لعدة أسباب أبرزها وجود ضغط أكاديمي ودراسي أكبر كلما تقدم الطالب في السن، إضافةً للتغييرات التي يجريها الطلبة ضمن صداقاتهم بشكل مستمر وبالتالي يتغير معها من يدرسون معهم أو يرافقونهم.

أين دور المعلم في كل ذلك؟

من المفترض أن يُلام المعلم وتوجه له أصابع الاتهام فورًا عندما يكون هناك تدني في مستوى الطلاب وتراجعهم إلا أنّ هذه النظرية باتت قديمة نوعًا ما، خصوصًا أن غالبية الأبحاث القديمة السابقة كانت قد أشارت لنسبة قد تبلغ الـ 30% لدور المعلم في التأثير على الطالب وتحسين درجاته، إلا أن دراسة حديثة كانت قد أجريت على حوالي 4500 توأم، نشرت في مجلة علم النفس التربوي، وجدت أنّ مدى انخراط المعلم في الصف والعملية التدريسية لا تمثل إلا 2 - 3% من العوامل المساهمة في نجاح وفشل الطالب.

أما العوامل الأخرى المساهمة فتشمل الحالة الاجتماعية للمدرسة، والناحية الإدارية، وبعض النواحي الاقتصادية الأخرى والبيئية التي تلعب دورًا كبيرًا في تنشيط الطالب وتحفيزه نحو القراءة والدراسة بشكل أكبر.

اقرأ أيضًا: في طريقهم للأفول.. لماذا سيقل عدد الأساتذة الجامعيين في المستقبل؟