مباشرةً، ولمجرد أن تطرق كلمة التأمل مسمعك، ستتخيل عالمًا من الهدوء والسكينة، لا يدنسه رنين إبرة. ستجد نفسك على ما أعتقد، جالسًا في عالمٍ يبدو للوهلة الأولى محاطًا بجدران عازلة كليًا للصوت، وتبدأ رحلتك نحو عوالم لا تدرك أين تنتهي؛ لتختتم جلسة تأملك بسعادة وراحة، بعد رميك لأكوام من التوتر كانت عالقة في رأسك مذ بدأت الحياة تخطّ بأقلامها عليك، وترسم في صحيفة ذكرياتك مشاهد وضغوطات ومتاعب لا تستطيع أن تتخلص منها. لكن هل تعتقد أنك تعرف فوائد التأمل كافة؟ أو هل تعتقد أنك على دراية بأهمية ممارستك لبعض جلسات التأمل من حين لآخر؟ فالأمر لا يقتصر على التخلص من التوتر فحسب. لذا سنتعرف سويًا على أبرز فوائد التأمل في مقالنا هذا.

التأمل من وجهة نظر علمية

كما نعرف جميعًا، ليس التأمل أمرًا حديثًا، بل يعتبر إحدى عادات أسلافنا القدماء، الذين لطالما اعتادوا التأمل في الغابات والمناطق الطبيعية المختلفة. في حين تشتهر العديد من المناطق في مختلف أنحاء العالم حتى الآن بممارستهم لطقوس التأمل المختلفة على مدار حياتهم.

فمنذ القديم الغابر، بدأت ممارسة التأمل كإحدى الطرق لزيادة الاسترخاء وتحسين التوازن النفسي، بالإضافة إلى التخفيف من حدة ووطأة بعض الأمراض وتعزيز الصحة العامة. وبحسب تقرير المسح الوطني للمقابلات الصحية في العام 2017، فقد تضاعف مقدار استعانة البالغين بطقوس التأمل بمقدار ثلاثة أضعاف بين عامي 2012 و2017. كما زاد استخدام الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و17 عامًا للتأمل من 0.6% في العام 2012 حتى 5.4% في العام 2017.

ويوجد أنواع كثيرة للتأمل، إلا أنها تصب جميعًا في ذات الفوائد والاشتراطات التي تتمثل في أربعة عناصر مختلفة هي: المكان الهادئ، والوضعية المريحة (الجلوس أو الاستلقاء أو المشي أو غيرها)، بالإضافة إلى التركيز الكامل والاستحضار النفسي وغض النظر عن المحيط.

أبرز فوائد التأمل

يعتبر التأمل عملية تدريبية للدماغ، تساعده على التركيز وإعادة توجيه الأفكار، وزيادة الوعي بالنفس والمحيط للحد من التوتر وتطوير عمليات التركيز. ويشيع للتأمل العديد من الفوائد التي تتمثل في:

التخفيف من التوتر

يمكن القول إن التخفيف من التوتر يعتبر من أشيع فوائد التأمل وأكثرها انتشارًا بين الناس. فعادة ما يسبب الإجهاد العقلي والجسدي زيادة في مستويات هرمون الكورتيزول، مما ينتج عنه العديد من الآثار الضارة للإجهاد؛ كإطلاق المواد الكيميائية الالتهابية التي تدعى السيتوكينات، والتي تؤثر على النوم وتعزز من حالات الاكتئاب والقلق، وزيادة ضغط الدم.

ووفق مجموعة من الدراسات، ظهر أن التأمل قد يحسن من أعراض الحالات المرتبطة بالإجهاد، بما فيها متلازمة القولون العصبي، واضطراب ما بعد الصدمة، والألم العضلي الليفي، وغيرها.

التخفيف من حدة القلق

ترتبط معاناتك من القلق وقلة النوم، بسماع نصيحة أحدهم والتي تتمحور حول الاسترخاء وسماع بعض الموسيقى الهادئة؛ أو الاستكانة إلى أحد المناطق الطبيعية عدة أيام بعيدًا عن صخب وضغوطات الحياة والعمل. هنا تأتي أهمية التأمل، الذي يوفر لك مساحة من الاسترخاء تساعدك في امتصاص حالات التوتر المسببة للقلق الداخلي مختلف المنشأ.

وبحسب تحليل أجري على ما يقارب 1300 بالغٍ، وجد أن التأمل يحد من أعراض القلق للأشخاص الذين يعانون من اضطراب القلق المعمم. كما وجد أن ممارسة جلسات التأمل من شأنها زيادة الإنتاجية وتحسين التفاعل للأشخاص. ووفق دراسة أخرى أجريت على 47 شخصًا يعانون من ألم مزمن، وجد أن إكمال برامج التأمل لمدة 8 أسابيع يظهر تحسنًا ملحوظًا في أعراض الاكتئاب والقلق والألم على مدى عام واحد فقط.

كم أثبتت فعالية التأمل في السيطرة على حالات القلق المهني. فعند ممارسة مجموعة من الموظفين لتمارين وجلسات التأمل على مدى شهرين، لوحظ تحسن واضح في مشاعرهم، وانخفاض في حالات الضيق والإجهاد الوظيفي بينهم. لذا اعمد إلى جلسة قصيرة من التأمل بعد قضائك ليومٍ مهني مزدحم لتخفف من التبعيات الخفية لهذه الضغوطات عليك.

يعزز التأمل من الصحة العاطفية

يمكن أن تؤدي بعض أشكال التأمل إلى تحسين الصورة الذاتية ومنح المتأمل نظرة أكثر إيجابية نحو الحياة. وهو ما يجعله مندفعًا نحو الحياة، راغبًا في خوض غمارها، والانتقال في بحور عوالمها. إذ يساعد التأمل على تحسين أعراض الاكتئاب، وتخفيف حدة الأفكار السلبية التي تسيطر على بعض الأشخاص؛ وذلك نتيجة تقليله لمستويات السيتوكينات.

يعزز الوعي الذاتي

في إطار ذكرنا لفوائد التأمل المختلفة، لا يمكن إغفال قدرته على تعزيز الوعي الذاتي. فقد تساعدك بعض أشكال التأمل على تحقيق فهم أقوى لنفسك، مما يساعدك على تطوير ذاتك وفهمها بالشكل الأفضل، وتطوير فهمك لنفسك وكيفية ارتباطك بالمحيط من حولك؛ فكلما اكتسبت وعيًا أكبر بعاداتك الفكرية، يمكنك توجيهها نحو أنماط بنّاءة أكثر.

وبحسب إحدى الدراسات، تفيد ممارسة التاي تشي في تحسين الكفاءة الذاتية وقدرة الشخص على مواجهة الصعوبات والتحديات، وزيادة إيمانه بقدراته وذاته. في حين أظهرت دراسة أخرى أجريت على 153 بالغًا لجأوا إلى جلسات التأمل لأسبوعين انخفاضًا في مشاعر الوحدة وزيادة القدرة على التواصل الاجتماعي مقارنةً مع أقرانهم.

لذا ينصح العديد من الخبراء النفسيين مرضى الاكتئاب والانطوائيين على ممارسة جلسات التأمل بشكل منتظم، لحثهم على زيادة ثقتهم بذواتهم، والاندفاع في تكوين علاقات اجتماعية وتطويرها لتزداد متانةً مع الوقت.

يخفض من احتمالية الإصابة بفقدان الذاكرة المرتبط بالعمر

ربما تمنحك بعض الرياضة الذهنية وجلسات التأمل شبابًا وحيوية لعقلك أيضًا. إذ يعتبر نوع التأمل المعروف باسم كيرتان كريا وسيلة تأملية تساعد في تركيز الأفكار وتنسيقها وتنظيمها؛ مما يساعد أولئك الذين يعانون من فقدان الذاكرة العمرية؛ فيحسن من مستوى الأداء في مختلف الاختبارات العصبية والنفسية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لأنماط التأمل المختلفة تحسين ذاكرة مرضى الخرف.

يعزز المشاعر الإيجابية

لا يمكنك التطرق إلى فوائد التأمل دون ذكر هذا الأمر. حيث تزيد بعض أنواع التأمل من المشاعر الإيجابية تجاه النفس والآخرين. أما أفضل أنواع التأمل المرتبطة بهذه المنهجية فهي تأمل ميتا، الذي يعرف بتأمل المحبة واللطف، والذي يبدأ بتطوير الأفكار الرقيقة والمشاعر تجاه النفس، ليتعلم الممارس تدريجيًا توسيع دائرة المحبة والمغفرة في المحيط، فيبدأ بالأصدقاء، ثم المعارف، وهكذا حتى يصل حد الأعداء أيضًا.

يساعد التأمل في مكافحة الإدمان

قد يساعدك الانضباط العقلي التأملي على تخطي بعض القيود المختلفة عبر زيادة ضبط النفس والوعي بالمحفزات للسلوكيات الإدمانية. وقد أظهرت الأبحاث أن التأمل قد يساعد الناس على تعلم إعادة توجيه انتباههم، وإدارة مشاعرهم ودوافعهم، وزيادة فهمهم للأسباب الكامنة وراء مختلف هذه الدوافع.

ووفق دراسة أجريت على 60 شخصًا يتلقون علاجات اضطراب تعاطي الكحول، فقد وجد الباحثون أن التأمل التجاوزي قد ارتبط بمستويات أقل من الإجهاد والضيق النفسي والرغبة الشديدة في تناول الكحول وتعاطيه خلال ثلاثة أشهر من بدء جلسات العلاج التجاوزي. كما وجد أن ممارسة التأمل من شأنها المساعدة في السيطرة على الشهية والحد من تأثيرات الجوع العاطفي.

محاربة القلق وتحسين النوم

يعاني ما نسبته حوالي نصف سكان العالم من مشاكل الأرق في مرحلة ما من حياتهم. إلا أن العديد من هؤلاء استطاعوا إثبات أن جلسات التأمل كان لها عظيم الأثر في تخفيف حالات الأرق والمساعدة على الاسترخاء.

السيطرة على الألم

يرتبط إدراك الألم بالحالة الذهنية التي تكون في أوجها في الظروف العصيبة. وتشير الأبحاث إلى أن دمج التأمل في الروتين اليومي يمكن أن يساعد في السيطرة على الألم. فقد خلص تحليل كبير يضم ما يقرب 3500 مشارك إلى أن التأمل مرتبط بانخفاض الإحساس بالألم. حيث عانى مجموع المتأملين وغير المتأملين من ذات الأعراض؛ إلا أن المتأملين أظهروا قدرة أكبر على التعامل مع الألم، وأحسّوا بآلام أقل مقارنةً مع الآخرين.

يقلل من ضغط الدم

يمكن للتأمل أن يحسن من الحالة البدنية عبر الحد من الضغط على القلب. حيث ومع مرور الوقت، يؤدي ارتفاع ضغط الدم إلى عمل القلب بجهد أكبر لضخ الدم، مما يضعف وظائف القلب، ويسبب تصلب الشرايين أو تضيقها؛ مما يزيد من احتمالية الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية.

وقد وجد أن التأمل يساهم في السيطرة على ضغط الدم عبر تخفيف الإشارات العصبية التي تنسق وظيفة القلب والأوعية الدموية.

اقرأ أيضًا: في طريقهم للأفول.. لماذا سيقل عدد الأساتذة الجامعيين في المستقبل؟