التعاون بين الأهل والمدرسة
0

لم تكن سهيلة فتاةً سيئة، وهذا ما جعلني أحتمل سلوكياتها غير المسؤولة، التي تصل حد الرعونة أحياناً. لم يكن السلوك بحد ذاته ليستفزني ما دمت أعلم طيبة نفسها وحسن نواياها، فهي لا تقصد الإساءة لي أو لأي مدرّسٍ آخر يدخل الصف، لكنّ سلوكياتٍ كهذه من شأنها إضاعة وقت الحصة، فلا يحظى الطلبة بالمادة العلمية المقررة لها، إضافةً إلى كونها تشجّع الآخرين ممن لهم دوافع خبيثة لممارستها لكن يمنعهم الخجل أو الخوف من العقاب. ولهذين السببين لا يمكن تجاهل هذا السلوك، وهو ما جعلني أطلب التعاون بين الأهل والمدرسة لحلّ المشكلة.

بداية الحكاية

التعاون بين الأهل والمدرسة

منذ سنتين، كانت سهيلة في المرحلة الدّراسية المتوسطة، كنت أعزي حركتها الزائدة للمرحلة العمرية التي تمرّ بها، فمعظم الفتيات في هذه السن لا يمكنهن ضبط حركاتهن بسبب الطاقات العالية التي تتفجر في أجسادهن وتنعكس على أرواحهن، وهذا جعلها كغيرها من الفتيات اللّواتي يكثرن الحديث والحركة والضحك ضمن الصف، لكنّ حديثاً عابراً سمعته منها جعلني أتوقف عند هذه الفتاة تحديداً. كانت سهيلة تقف مع أماني في مدخل الحمامات، المكان الذي تضمن أن لن يسمعها فيه أحد؛ فقد أغلقت الباب خلفها دون أن تنتبه أنني كنت في غرفة المطبخ التي لا يسمح للطالبات بدخولها:

سهيلة: إيّاك أن تتحدثي بالأمر أمام رهام. ما زالت تفكر كالأطفال ولا تعرف معنى الحب.

أماني: طبعاً طبعاً، ولكن لماذا لا تشتري له كرة، الشبان يحبون كرة القدم.

سهيلة: كرة يا أماني! هل يعقل أن أهديه كرة قدم في عيد الحب؟

خرجتُ من الغرفة فتفاجأت أماني وصمتت مطأطئةً رأسها، لكنّ سهيلة وجهت حديثها لي: بالله عليك يا آنستي، هل كرة القدم هدية مناسبة لأهديها لأخي؟!

اهتمام خاص دون جدوى

التعاون بين الأهل والمدرسة

لم يفاجئني حديثها مع أماني بقدر ما فاجأتني ردة فعلها، فهي لم تنتفض لوجودي، ولم تشعر بالخجل الذي شعرت به أماني، هذا جعلني أتوقّف عندها وأتقرّب منها، ولكن دون أن آتي على حديثها الذي سمعته.

انتقلت سهيلة إلى المرحلة الثانوية، سنتان في هذه المرحلة كان من المفترض أن تصبح فيهما قادرةً على ضبط سلوكها، فلا تتحرّك داخل الصف بحريّة دون إذن، أو تتحدّث وتضحك مع كل من حولها.

تحدّثتُ إليها مراتٍ ومرات، وحتى لا أخسر ثقتها ابتعدت عن معاقبتها، في كلّ مرة كانت تعدني أنها لن تعيد الكرّة. ولكن الطّبع يغلب، فتعود لما اعتادت عليه.

ولأنّها اقتربت من الثانوية العامة التي تقتضي منها الاهتمام لتضمن مستقبلها، قرّرت أن أعالج أمرها بشكلٍ جذري فطلبت استدعاء وليّ أمرها.

والدها هو أصل المشكلة

التعاون بين الأهل والمدرسة

كان قراري باستدعاء وليّ أمرها هو مفتاح التشخيص لحالتها، حملت ورقة الاستدعاء وجاءتني تبكي وترجوني أن أتراجع عن الاستدعاء، لم أسمع منها فهذا أسلوب يستخدمه الكثير من الطلبة لإبقاء الأهل تحت مظلتهم، ينقلون لهم ما يشاءون من معلوماتٍ حول المدرسة ويخفون ما يشاءون، خاصةً عندما يكون للوالدين أعمالهم التي لا تتيح لهم زيارة المدرسة تباعاً.

إلحاح سهيلة وبكاؤها الذي كاد أن يصل حد الانهيار جعلاني أذهب لموجهة القسم لأسألها عن طبيعة والد سهيلة. أخبرتني أن والدها قاسٍ جداً، ولن يتورّع عن ضربها في المدرسة أمام الجميع لو حضر.

فكرت بالأمر ملياً: ما الذي سأجنيه من قدومه إذاً إن لم يكن ليتفهّم الخلل ويساعد في حله؟ ما سيقوم به قد يؤدّي لأمراضٍ نفسية مزمنة يصعب حلها، هذا إن لم تكن قسوته هي السبب في سلوك سهيلة في المدرسة، فالطاقات التي تُحبَس في البيت ستنفجر حين تجد شقاً صغيراً من حرية يخترق صخور الكبت الصلبة. وهذا ما كان يحدث مع سهيلة بالضبط.

استدعيت سهيلة لغرفة التوجيه وأخذت منها ورقة الاستدعاء، مزّقتُها بعد أن قطعت على نفسها عهداً أن تضبط سلوكها. ضحكت عيونها وبدأت حركاتها العشوائية المعتادة التي لا تستطيع التحكم بها.

ضحكتُ بعد أن غادرَت، فأنا أعلم جيداً أنها لن تكفّ عمّا اعتادت عليه، فهو سلوكٌ دفاعي يتخذه لا وعيها لتدفع عن شخصيتها خطر الذوبان في بوتقة القسوة.

جمانة: حالة مشابهة

ليست سهيلة وحدها التي تتعرض لهذه القسوة، فحالة جمانة لا تختلف كثيراً. إلا أنني لم أعرفها إلا في المرحلة الثانوية، فتاةٌ جميلة، هادئةُ المظهر، لديها الكثير من الطاقات الكامنة لكنّها تصرّ على عدم استخدامها. تجلس دائماً في الزاوية الخلفية للصف محاولةً إخفاء وجهها عنّي، فهي لا تتابع ولا تريد أن تتابع.

حين طلبتُ من الطالبات على سبيل النشاط أن تقوم كل مجموعةٍ منهن بإعطاء أحد الدروس، كان تحضير جمانة للدرس كافياً لمعرفة الطاقات التي تمتلكها، رغم أنها عملت بالحد الأدنى المقبول، فهي لم تحضّر عرضاً على البوربوينت ولم تأتِ بصورٍ خارجية ولا فيديوهاتٍ توضيحية كون الدرس في علم الأحياء ويحتمل الكثير من هذه الوسائل، ولكنها توسّعت بالشرح وأسقطت ما تقوله على صور الكتاب فاستطاعت توضيح الفكرة بأقل جهدٍ وأبسط أسلوب. وهذا بحد ذاته مهارة لا يمتلكها الكثيرون. بعد هذا الدرس حاولت الضغط عليها لتتخلى عن زاويتها في آخر الصف وتتابع الدروس، لكنها دائماً مشغولة بأمورٍ أخرى تناقشها مع زميلاتها بالإشارة ضمن الصف، وكأنّها تحكي لهن قصصاً حدثت معها وهنّ متحلّقات حولها بعيونهن. فرأيت أن التعاون بين الأهل والمدرسة هو الحل.

حين طلبت استدعاء ولي أمرها، جلست في مكانها دون أن تعترض أو تقول شيئاً، لكن بنظرة جامدة ووجهٍ بدت عليه علائم الاستسلام، جاءتني بعض طالبات صفها كوفد يتحدث باسم الصف كله من أجلها، تأكدتُ مما قلنه لي عن والدها، والدها لن يأتي، كلّ ما سيفعله هو أن يجبرها على ترك المدرسة؛ فالاستدعاء دليلٌ على أنّها ليست جديرة بالدراسة.

فمن وجهة نظره لا توجد عقبات يمكن أن تحل، ولا أخطاء يمكن أن تصحَّح. فإما أن تسير الفتاة بطريقها المستقيم بسلاسة دون أن يشعر بسيرها، أو أنّها لا تستحق هذا الطريق فلتجلس في البيت منتظرةً (عريس الغفلة) الذي لن يتأخر عن فتاةٍ تتمتع بقدر عالٍ من الجمال كجمانة.

الوقوع في حفرة صغيرة يعني عند البعض سقوطاً مدوياً

العنف المنزلي

لست أدري ما الذي يجعلني أتذكر حكاية الفتاة (س) التي حدثتني عنها من حضرت الواقعة قبل أكثر من عشر سنوات. (س) فتاة في الخامسة عشرة من عمرها، وهي في بداية المرحلة الثانوية، هذه المرحلة التي يبدأ فيها تفتُّح الأنثى كزهرةٍ فوّاحة جسداً وروحاً.

فتاة ارتكبت حماقة، قد يكون الدافع لارتكابها هو فضولها لاكتشاف جسدها الذي يتغير، ودفعت الثمن غالياً.

في ذلك اليوم جاء والد إحدى الطالبات إلى المدرسة واستدعى ابنته إلى غرفة الإدارة بحضور الكادر التدريسي كاملاً. فتح هاتف ابنته الجوال، ليعرض عليهم صورة أعضاء جنسية أنثوية بالكاد تظهر؛ فهاتفها لا يحمل ميزات التصوير عالي الدقة. بهت الجميع وتسمّروا في أماكنهم لا يعرفون ما الذي عليهم فعله، لكنه لم يترك لهم مجالاً لأية ردّة فعل، إذ أمسك بشعر ابنته وبدأ يلوحها في أرض الغرفة بقوة ثم يتركها لتهوي إلى إحدى الزوايا، وقبل أن تتوازن يمسكها من جديد ويعيد الكرّة، والفتاة تصرخ مستنجدة ولا أحد ينجدها، فأي تدخلٍ سيدخل في باب “تشجيع الفجور!”.

لم يكن في المدرسة يومها مرشدةً نفسية أو اجتماعية لتقوم بدورها، فقد كان المدرّسون يقومون بهذا الدور إضافةً إلى التدريس محبّةً بطلّابهم، لكن هذا الموقف كان أكبر من قدرتهم على احتوائه.

لا أعرف ما الذي جرى بعد ذلك، لكنّ كلمات الأب التي نُقِلت لي لا تنفك تتردد في مسامعي: (هذه ابنتكم، هذه تربيتكم)!! أعتقد أن التعاون بين الأهل والمدرسة فشل فشلاً ذريعاً هنا.

دلالٌ مفرط

وبالمقابل، هناك حالات معاكسة تماماً، فمثلاً ريما.. الفتاة المشاكسة التي تتباهى بقرابتها لمسؤولة النظام في المدرسة، التي تتخذ من هذه القرابة حمايةً لها من أي عقوبة، فهي تخالف القوانين المدرسية بجلّها، من اللباس إلى الأظافر الطويلة، مروراً بالشغب المتعمّد ضمن الصّف، وانتهاءً بمشاكسة المدرّسات والتطاول عليهن. ومن تعترضها من المدرّسات ستكون على اللائحة السوداء في المدرسة. وهذه حالة أخرى من حالات فشل التعاون بين الأهل والمدرسة.

ختاماً

باتت قضية التعاون بين الأهل والمدرسة محض تنظير، ولهذا ما عدت أعيرها اهتماماً أثناء عملي. وفي كل الاجتماعات التي يركّز فيها الجميع على تعاون الأهل، أجدني أعترض وأقول إنّ هذه شماعةٌ لتبرير الفشل.

فالمربّي الناجح هو الذي يستطيع تجاوز كل العقبات محاولاً مساندة الطلاب بغض النظر عن تعاون ذويهم، بالطبع هذا لا يعني تحييد الأهل عن العملية التربوية، وإنما أن يكون التواصل معهم بالشكل الذي يتناسب مع بيئاتهم ودرجة وعيهم وخلفياتهم الثقافية.

اقرأ أيضاً: 10 أمور ساعدتني على النجاة من العنف المنزلي والنجاح في دراستي

“”

0

شاركنا رأيك حول "خشيت أن أستدعيه فيضربها.. حالات يزيد التعاون بين الأهل والمدرسة فيها الطين بلة"