الإبداع وغسل الصحون
0

ينتشر على صفحات الإنترنت اقتباس يُقال إنّه قد قيل على لسان سيدة الرواية البوليسية أجاثا كريتسي، هذا الاقتباس هو: “أهتدي إلى حبكات رواياتي البوليسية وأنا أغسل الصحون، لأنّ هذا العمل الغبي يدفعك بشكل لا إرادي للتفكير في القتل”. عُرفت كريستي ببراعتها الكبيرة في حبكة الروايات بمنتهى الإبداع والدقة، ما جعلها تتربع على عرش روايات الجريمة في زمانها، وصارت قدوةً لمن أتَوا بعدها، إنها حقًا كاتبةٌ مذهلة.

الإبداع و غسل الصحون

لنعد لموضوعنا، أما عن الاقتباس المتداول عن أجاثا، فهناك بعض الشكوك حول صحته أو نسبته إليها، بالرغم من ذلك، فهو يحمل قدرًا كبيرًا من الصّحّة، وهنا لا أقصد أنها قالت هذا الاقتباس، لكن مسألة الإبداع وتوليد الأفكار الإبداعية أثناء عملٍ مثل غسل الصحون، له دلائل علمية، وهذا محور موضوعنا الآن.

حسنًا، دورنا الآن معرفة كيف يُولّد نشاطٌ مثل غسل الصحون (أو الأنشطة الأخرى) الأفكار الإبداعية، لكن قبل ذلك، لنعرف إجابة السؤال التالي:

ما هو الإبداع وكيف يعمل؟

في تقريرٍ سابق، تحدّثت عن الإبداع وكيف يتولد، لكن لنُلّخص الموضوع سريعًا. هل تريد معرفة ماذا تعني كلمة إبداع؟ ببساطةٍ شديدة، إذا وضعت عددًا من الأشخاص في غرفة واحدة، وأعطيتهم بعض الأشياء وطلبت منهم تخمين الاستخدامات المختلفة لهذه الأشياء، سيجد أغلبهم أفكارًا محدودة، بينما أقلية قليلة جدًا -ربما شخص أو اثنين من بين 10 أشخاص- منهم سينتجون أفكارًا إبداعية أكثر ومذهلة. هؤلاء هم القلة المبدعين، فالإبداع هو النظر إلى الأشياء من زاوية مختلفة وجديدة، وهذا ما يميّز العباقرة من أمثال آينشتاين وستيفن هوكينغ وغيرهم ممن تركوا بصمةً واضحة في تاريخ العلم.

الإبداع و غسل الصحون

أما عن كيفية عمل الإبداع، فقد اتفق كثيرٌ من العلماء على أنّه يعمل من خلال تجميع الأفكار وخلطها والخروج بفكرةٍ أصيلة. لأبسّط الأمر قليلًا بمثال، وليكن مخفوق الحليب بالموز، سواءً أتفقت معي أو اختلفت على مذاقه، فهو فكرة إبداعية، بدلًا من تناول الموز والحليب كل على حدة، لمَ لا نتناولهما مع بعضهما في مشروبٍ واحد؟ أردت أن أكون أكثر إبداعًا في إحدى المرات واستخدمت البطيخ مع الحليب، وكان المذاق رائعًا (لم يتناوله أحدٌ غيري، لكن لا بأس، إنها أذواق). بغض الطرف، في مثل هذه الحالة، هل أنا مبدعة؟ إلى حد ما، لكن الأكثر إبداعًا هو الذي خلط الموز مع الحليب من البداية وألهمني لهذه الفكرة. من هو ذلك العظيم صاحب أو صاحبة فكرة الحليب مع الموز؟ لا أعلم، لكنه عظيم على كل حال.

من زاوية أخرى، هناك اعتقاد شائع بأنّ الإبداع يتركز في الجانب الأيمن من الدماغ، لكنه محض خرافة، فهناك العديد من الدراسات التي أُجريت لمراقبة نشاط الدماغ أثناء انخراط المشاركين في مهام إبداعية، أو في حالات المرضى الذين أُصيبوا بمشكلة ما في الدماغ، ما أثّر بدوره على الإبداع. اتّضح أنّ هناك منطقة في الدماغ تسمى القشرة الأمامية “Frontal Lobe” ترتبط بالعمليات الإبداعية، وقد بدا هذا التفسير منطقيًا للعلماء، إذ تعالج هذه المنطقة العمليات المعرفية مثل الذاكرة والتخطيط وغيرهم.

لكن مهلًا، لنعد إلى مثال الحليب بالبطيخ، أقصد الحليب بالموز، اتفقنا أنّ صاحب الفكرة الأول، استخدم المعطيات والأفكار حوله وخرج بفكرة إبداعية (أجل، الحليب بالموز)، وجد العلماء أنّ الحُصين أو قرن آمون “Hippocampus”، يستطيع تجميع الحقائق والتجارب، مثلًا، تجربة مررت بها منذ 10 سنوات أو حفلة حضرتها منذ 3 سنوات وهكذا، أي يجمع الأفكار ويذكّرك بها، حتى إنّك تُدرك مشاعرك وقتها سواءً أكانت فرحًا أو حزنًا أو غضبًا أو رضا وغيرها.

مع ذلك، الأمر لا يتوقف عند القشرة الأمامية والحُصين، بل هناك ما يُسمى بـ العقد القاعدية “Basal ganglia”، وهي منطقة في الدماغ داخل المادة البيضاء (سنتعرف عليها الآن)، تساعد هذه العقد في معالجة ذاكرة المهارات، مثال، عند ممارسة رياضة ركوب الدراجات، ستقع من المرة الأولى، ومع الممارسة، ستُلاحظ تطورًا ملحوظًا. بالضبط هذه هي ذاكرة المهارة التي تعالج ما يتعلمه جسدك. إنّ تطوير مهارة كهذه يُصنّف على أنّه مهمة إبداعية.

وعن المادة البيضاء “White Matter”، فهي تساعد في ربط هياكل الدماغ، وعندما ترتبط مناطق الدماغ المختلفة بقوة، تزداد القدرة على معالجة المعلومات والمعطيات بشكلٍ أفضل، ما يعزّز العمليات الإبداعية في الدماغ.

الإبداع و غسل الصحون
صورة توضح المادة البيضاء والحُصين والقشرة الأمامية في الدماغ.

من ناحية أخرى أظهرت دراسة نُشرت عام 2018 أنّ الإبداع يحتاج إلى تفاعل 3 شبكات مختلفة من الدماغ وهم: الشبكة الافتراضية وشبكة التحكم التنفيذي والشبكة البارزة، ويمكن التنبؤ بإبداع الشخص من خلال قياس مدى قوة اتصال هذه الشبكات الثلاث. لكن مهلًا، هذا ليس كل شيء! الإبداع ليس في الدماغ فقط، كيف ذلك؟ قبل الإجابة، لنتطرق إلى دراسة مهمة.

غسل الصحون ينشّط الدماغ

في عام 2014، نُشرت دراسة في مجلة “Mindfulness” أجراها عددٌ من الباحثين في جامعة فلوريدا بقيادة دكتور “آدم هانلي“، شارك في الدراسة 51 طالبًا، طُلب من بعضهم غسل الأطباق مع التركيز على التّنفس واللمس والرائحة والشعور. بينما طُلب من الآخرين عدم الاهتمام بما يفعلون.

الإبداع وغسل الصحون

لاحظ الباحثون زيادة التأثير الإيجابي، أي الإلهام وتوليد الأفكار الإبداعية بنسبة 25%، كما لُوحظ انخفاض مستوى التوتر بنسبة 27% للطلاب الذين ركّزوا أثناء الغسل، حيث ساعدهم التركيز على ملمس الماء الدافئ ورائحة الصابون في تنشيط أدمغتهم. أما أولئك الطلاب الذين لم يركّزوا، فلم يستفادوا شيئًا من المهمة. وأفضت النتائج إلى دور بعض الأنشطة الحياتية المفيدة في تعزيز اليقظة الذهنية. حيث قال مؤلفو الدراسة: “يبدو أنّ ممارسة نشاطٍ عن قصد، يعزّز اليقظة والإدراك”.
فجّرت الدراسات العلمية مؤخرًا أنّ توليد الإبداع يحتاج إلى اتّحاد أجزاء الجسم كله. أجل، هذا حقيقي، وهو ما يفسّر التأثير الإيجابي لغسل الصحون على الطلاب وتعزيز توليد الأفكار لديهم. علّق دكتور آدم هانلي -المؤلف الأول للدراسة- في بيانٍ وقال: “لقد كنت مهتمًا بكيفية استخدام الأنشطة اليومية العادية لتعزيز حالة الذهن”.

بيل غيتس يغسل الأطباق كل ليلة

أجل، كما قرأت بالضبط، مؤسس شركة مايكروسوفت يغسل الأطباق كل ليلة ويستمتع بذلك، وجاء هذا في تصريحه عندما سأله أحدهم عام 2014 على “Reddit Ask Me Anything: “ما الشيء الذي تستمتع بفعله ولا يتوقعه أحد منك؟” رد غيتس قائلًا: “أنا أغسل الأطباق كل ليلة”.

ليس غسل الصحون فقط.. العقل السليم في الجسم السليم

النوم.. معالجة الأفكار

الإبداع و غسل الصحون

هل لاحظت من قبل أنّه عندما تفكّر في معضلة ما وتنام، تستيقظ في الصباح ولديك الحلول الفعّالة؟ حسنًا، هذا يحدث كثيرًا، وهناك تفسيرٌ علمي، حيث يساعد نشاط الدماغ أثناء فترة من النوم، وهي مرحلة نوم حركة العين السريعة التي نرى فيها الأحلام، في تعزيز الذاكرة والتعلم، ما يزيد فرصة توليد الأفكار الإبداعية لحل أي مشكلة ومعالجة الأفكار. لذلك، إذا استعصى عليك شيء، اذهب للنوم.

المشي.. استمد أفكارك الإبداعية من خلال قدميك

الإبداع و غسل الصحون

عام 1889، كتب الفيلسوف الألماني “فريدريك نيتشه“: “تُولد كل الأفكار العظيمة أثناء المشي”.

وفقًا لدراسة أجراها علماء بجامعة ستانفورد عام 2014 ونُشرت في “Journal of Experimental Psychology”، يساعد المشي في توليد الأفكار بنسبة 60% مقارنةً بالجلوس.

شارك في الدراسة 176 طالبًا، وأُجريت عدة تجارب في ظروف مختلفة، منها:

  • المشي داخل غرفة أمام الحائط (باستخدام جهاز المشي).
  • الجلوس داخل الغرفة دون مشي.
  • المشي في الهواء الطلق.
  • الجلوس في الهواء.

في كل هذه الحالات، كان عليهم التفكير في استخدامات جسم أو شيءٍ معين. اتضح أنّ المشي في الهواء الطلق كان أكثر فعّالية في توليد الأفكار الإبداعية بنسبة 60%.

كان مؤسس شركة آبل “ستيف جوبز” يعقد اجتماعاتٍ أثناء المشي، كما شُوهد “مارك زوكربرج”، مؤسس فيسبوك يعقد اجتماعاتٍ أثناء المشي أيضًا. كما يوصي “جيف وينر”، الرئيس التنفيذي لشركة لينكدان بالمشي 30 دقيقة عدة مرات يوميًا. لماذا نذهب بعيدًا؟ أنت نفسك ربما تجد السير على الأقدام ذهابًا وإيابًا أثناء الدراسة أفضل، أليس كذلك؟

مبدأ أرخميدس.. أوريكا.. أوريكا

الإبداع و غسل الصحون
صورة لـ أرخميدس

واحد من أشهر قوانين الفيزياء العالمية، تعود قصته إلى عصور ما قبل الميلاد، عندما شك ملك سيراكوس في الصائغ الذي صنع له التاج، وظن أنه لم يُصنع من الذهب الخالص. فدعا عالمنا الجليل أرخميدس، وطلب منه معرفة ما إذا كان التاج مصنوعًا من الذهب الخالص أم لا.

فكّر أرخميدس في حل، لكن يبدو أنّ الأمر قد شكّل معضلةً له، وبينما كان في حوض الاستحمام، لاحظ إزاحة الماء عندما جلس فيه، وجاءت له فكرة أنّ الحجم يساوي مقدار الماء المُزاح.

يُقال إنّه خرج يصرخ وهو عارٍ قائلًا: أوريكا.. أوريكا، بمعنى “وجدتها.. وجدتها” وهي نفس الكلمة التي نردّدها في بعض الأحيان عند حلّ معضلةٍ ما. هذا منشأها. من ذلك نلاحظ أنه حتى أرخميدس، استطاع الخروج بفكرةٍ إبداعية أثناء نشاطٍ حياتي نمارسه كلنا.

تمامًا مثلما حدث مع نيوتن، الذي كان جالسًا تحت شجرة، وهبطت تفاحة من أعلى. وخطرت عدة تساؤلات على باله، أسفرت عن نظرية الجاذبية الأرضية، لقد نشأت فكرة واحدة من ضمن أربع قوى مشهورة على مستوى العالم تحت شجرة.

وأخيرًا.. اتّفق عددٌ كبيرٌ من العلماء على أنّ الإبداع يُولّد من ممارسة الأنشطة الحياتية، ربما أثناء غسل الصحون أو التركيز لبرهة أثناء الاستحمام يجعلك تبتكر مبدأً جديدًا في الفيزياء، وتخرج مسرعًا وتقول: وجدتها.. وجدتها. أو تسقط ثمرةً أثناء جلوسك في صحراء جرداء لا عشب فيها ولا ماء، وتفكر في قانونٍ جديد لهذه الحالة غير المنطقية. أما بخصوص قصة مقولة أجاثا كريستي، فغالبًا هذا الإبداع الذي يُولّد لديها أثناء هذه المواقف حقيقي (الإبداع وليست المقولة).

0

شاركنا رأيك حول "هل حقًا يزيد غسل الصحون الإبداع؟ أم أنّ آجاثا كريستي وبيل جيتس خدعانا؟"