التناسب العجيب … لماذا كلما زاد عدد المتعلمين زادت البطالة؟!

Education vs. Unemployment
0

يُعد ارتفاع مستوى تعليم القوة العاملة ظاهرة نشهدها جميعًا. لقد شهدت منتصف الخمسينات من القرن المنصرم نموًا مطردًا وسريعًا في المستوى المتوسط للتعليم لأفراد القوى العاملة المدنية، وذلك في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، فالفروق بينهما هي فروق نسبية وليست مطلقة.

ففي الولايات المتحدة الأميركية مثلًا، انخفض عدد الأفراد الذين أمضوا ثمان سنوات أو أقل في التعليم الرسمي انخفاضًا كبيرًا، بينما ارتفع عدد الذين التحقوا بالجامعة ارتفاعًا ملحوظًا، فلقد شهدت الستينات والسبعينات والثمانينات من هذا القرن توسعًا كبيرًا في أعداد الأفراد الملتحقين بالجامعات، وأيضًا ازدياد عدد الأفراد الذين أتموا مرحلة التعليم الأساسي خلال نفس الفترة.

إنّ السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا تعني هذه الاتجاهات؟ وهل هُناك علاقة سببية في الأمر؟

تعني هذه الاتجاهات أنّ القادمين إلى القوى العاملة، وبالتالي إلى سوق العمل، أفضل تعليمًا من أسلافهم، والأهم من هذا، أنّ ذلك يعني، أنّ العاملين الجدد سيحلون محل أفراد أقل تعليمًا منهم بكثير، وقد تصل الفروق في مستوى التعليم الرسمي بين الجدد والقدماء إلى أربع أو خمس أو حتى ست سنوات دراسية.

إنّ الآثار المترتبة على ذلك الوضع الجديد بالنسبة إلى القوى العاملة تعتبر عميقة، فشباب العاملين الذين سينضمون إلى القوى العاملة في السنوات القادمة، سيكونون أفضل وأعلى تعليمًا بكثير عن هؤلاء العاملين القدامى الذين سيقومون بإحلالهم.

إنّ التعليم وذلك في كل دول العالم كان يعتبر أداةً للارتقاء الطبقي في السلم الاجتماعي، ووسيلةً لتحسين الدخل، وأيضًا لرفع مستوى رضا الفرد عن الحياة بصفة عامة، كما أنّ هُناك علاقة وثيقة بين مستوى التعليم والبطالة، حيث نلاحظ أن المجتمعات المتعلمة تنخفض فيها مستويات البطالة بشكل كبير مقارنةً مع غيرها.

وإذا كانت الأدلة التاريخية تدعم هذه النظرة إلى التعليم، فإنّ الأدلة الحديثة بدأت تشكك في هذا الافتراض.

معدل البطالة حسب المستوى التعليمي في الولايات المتحدة خلال الفترة من عام 1992 حتى 2011
معدل البطالة حسب المستوى التعليمي في الولايات المتحدة خلال الفترة من عام 1992 حتى 2011

فوفقًا لمكتب إحصائيات العمل Bureau of labor statistics في الولايات المتحدة الأمريكية، نجد أنّ 20% فقط من الوظائف تتطلب تأهيل علمي أعلى من مستوى الثانوية العامة.

ونجد اليوم أنّ واحدًا من كل أربعة عاملين يدخلون القوى العاملة حاصل على مؤهل جامعي، بينما في سنة 1970 كنا نجد واحد من كل ثمانية عاملين حاصل على درجة جامعية.

وعليه يجب على هذه الدول أن تنشئ فرص عمل لخريجي الجامعات، فإذا كان هناك عدد كبير من المتعلمين، وفرص عمل قليلة هذا يمكن أن يؤدي إلى مشكلة كبيرة التي هي البطالة.

هذه المشكلة تطال بشكل خاص القطاعات التي تتطلب عمال في الوظائف العادية، والتي لا تتطلب العديد من الكفاءة، ففي هذه الحالات عادةً ما يبقى العمال في الوظائف التي تتطلب متطلبات تعليم وكفاءة عالية؛ بسبب قلة وجودهم والحاجة اليهم.

هذا الوضع في حد ذاته إيجابيًا أو سلبيًا، ولكن تبدأ هذه الأرقام في النذير بالخطر، إذا لم يتم خلق وظائف جديدة بسرعة تكفي لاستيعاب الخريجين الجدد ذوي الدرجات العلمية المرتفعة.

وإذا كانت الصناعات الجديدة ومجالات العمل الحديثة تتطلب عمالة أعلى تعليميًا، فإنّ عرض العمالة الجديدة الداخلة في سوق العمل، والتي تحمل مؤهلات جامعية وعليا، بدأ يزيد وبسرعة كبيرة عن معدل خلق وظائف جديدة تكفي لاستيعابها.

إنّ عدد الأفراد الحاصلين على مؤهل جامعي ارتفع ارتفاعًا أكبر وأسرع بكثير عن حاجة سوق العمل، وقد ازدادت الفجوة بين عرض العمالة المؤهلة جامعيًا والطلب عليها في سوق العمل خلال العقود الثلاثة الأخيرة، مما دفع العديد من المنظمات وأصحاب الأعمال في محاولة لسد هذه الفجوة، إلى رفع المتطلبات العملية للوظائف فيها، دون تغيير طبيعة الوظائف ذاتها.

أحيانًا تقوم المنظمات بذلك لفرز المتقدمين لشغل الوظائف أو لرفع مستوى أو مكانة الوظيفة ذاتها، ولكن هذا الوضع ينبع أيضًا من الاعتقاد بأنّ العاملين الأفضل تعليمًا يسهل تدريبهم ويكونون أكثر انضباطًا وخضوعًا للنظم واللوائح المنظمة للعمل، وأكثر إنتاجيةً ومرونةً وانفتاحًا ذهنيًا ودافعيةً للعمل عن نظائرهم الأقل تعليمًا.

ومازال هذا الاعتقاد سائدًا بالرغم من أنّ الارتباط بين مستوى تعليم العامل ومستوى أدائه لم يتم إثباته، ونجد أنّه نتيجةً لهذه الاتجاهات، فقد ارتفع مستوى تعليم القوى العاملة ارتفاعًا ملحوظًا، ولكن من ناحية أخرى فإنّنا نلاحظ بذوخ ظاهرة جديدة، وهي الارتفاع الكبير في نسبة البطالة بين المؤهلين تأهيلًا جامعيًا، حتى في الولايات المتحدة الأمريكية والدول المتقدمة بصفة عامة.

وينتج ارتفاع نسبة التعطل بين خريجي الجامعات إلى عدم قدرة النظام في أي دولة على إحداث التوازن المطلوب بين العرض والطلب على العمالة بأنواعها ومستوياتها المختلفة، ويترتب على ذلك أن عددًا كبيرًا من الأفراد يعملون، وسوف يستمرون في العمل في وظائف أقل بكثير من حيث متطلباتها عن مستوى تأهيلهم العلمي والعملي والأكاديمي.

فنحن نشهد اليوم أفراد حاصلين على درجة الدكتوراه في هندسة الطائرات، ويعملون بائعين في المتاجر الكبرى.

وتنتج هذه الأوضاع، والتي تمثل ظاهرة حديثة في الدول المتقدمة، عدم قدرة نظام السوق الحرة على الموازنة الصحيحة بين مهارات شاغل الوظيفة ومتطلبات الوظيفة ذاتها.

وعلى الجانب الآخر نجد أنّه وبرغم من أنّ هُناك أعدادًا كبيرة يتخرّجون كل فترة من الجامعات، إلاّ أنّ أرباب العمل يستمرّون في التّحذير من مخاطر تناقص مهارات وخبرات موظّفيهم، وكذلك من صعوبة عثورهم على الموظّفين المناسبين لإدارة أعمالهم.

فبحسب دراسة أجرتها مؤسسة ماكينزي عام 2012، وتم نشرها تحت عنوان “من التعليم إلى التوظيف” فإنّ أقلّ من نصف أرباب العمل الذين جرى مقابلتهم يرون أنّ خريجي الجامعات لا يملكون المهارات اللازمة لسوق العمل. إذ يؤكد أصحاب الشركات الكبيرة أنّ فرص العمل متوفّرة لكنّ الشباب لا يملك المهارات اللازمة لتعبئتها.

وإذا كان هذا هو الوضع في الدول المتقدمة فما بالنا بالدول النامية، وبالذات الدول العربية، التي تعاني من سوء تخطيط القوى العاملة على المستوى القومي، وعدم ربطه بالسياسة التعليمية للدولة، مما أدى إلى تفشي البطالة بين حملة المؤهلات العليا، ليس فقط البطالة المقنعة، والتى كانت سائدة منذ فترة طويلة – ستينات القرن الماضي في مصر مثلًا – بل أيضًا البطالة السافرة، هذا بالإضافة إلى الاستخدام غير الرشيد لهذه العمالة المؤهلة تأهيلًا عاليًا، وإهدار لما يمكن أن نسميه بالقوى العاملة الاستراتيجية في الدولة.

فبحسب تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في نهاية عام 2014، فإنّ معدلات البطالة بين الشباب في المنطقة العربية هي الأعلى في العالم، وتصل إلى نسبة 27.2٪ في منطقة الشرق الأوسط، وإلى أكثر من 29٪ في شمال أفريقيا، أي ما يفوق ضعف المتوسط العالمي.

وهُناك وجب علينا أن نقف لحظةً لنتسأل حول من هو المتسبب الرئيسي عن ارتفاع نسبة البطالة بين المُتعلمين؟ فهل هي مخرجات التعليم العالي التي تضخ أعدادًا مهولةً سنويًا من الحاصلين على شهادات في تخصصات تفيض عن حياة السوق؟ أم أنّ سوق العمل نفسه بات صغيرًا وفشل في خلق فرص عمل جديدة تستوعب الأعداد المتزايدة من الخريجين؟ شاركونا أرائكم وتعليقاتكم حول تلك المُعضلة الكُبرى …

0

شاركنا رأيك حول "التناسب العجيب … لماذا كلما زاد عدد المتعلمين زادت البطالة؟!"

أضف تعليقًا