مقارنة الطفل
3

“لايك من جوة الصورة” هكذا ترسل لي إحدى صديقاتي على الفيس بوك… ادخل لأتعرف عن ماهية الصورة لأجد صورة لابنتها ذات الأعوام الأربع وأفهم أن الحضانة التي تذهب إليها الطفلة يقيمون مسابقة “أجمل بنت” والتي يتحدد الفوز بها عن طريق أكثر عدد من اللايكات.

“بماذا ستشعر البنت صاحبة أقل عدد من اللايكات؟ وكيف تتعامل البنت صاحبة المركز الأول مع زميلاتها؟ وكيف سيكون شعورها الداخلي بعد أن تعرف أنها أجمل بنت؟” أحدث نفسي.

يعتقد بعض علماء النفس وأبرزهم ليون فيستينجر أن رغبتنا في مقارنة أنفسنا بالآخرين هي دافع فطري يقارب الجوع والعطش، إلا أنه في حقيقة الأمر أن المقارنات تسرق بهجة الإنسان وتقضي على فرصة استمتاعه بحياته، فعندما يقارن الإنسان نفسه وإنجازاته بالصديق والأخ والجار والشخصية الشهيرة عبر السوشيال ميديا، حتمًا سينتهي به الأمر بالشعور بالدونية والانطفاء ويصيبه الكدر والغم لأنه ببساطة لا أحد يستطيع أن يقارن نفسه بكل هؤلاء ويكون صاحب المركز الأول دائمًا. هذا بالنسبة للبالغين، فكيف الحال مع الأطفال اللذين يجدون أنفسهم دومًا في سباقات ومقارنات مع أقرانهم ومطالب منهم دومًا وبصورة لا تنقطع الحصول على المركز الأول في الدراسة وفي التمارين الرياضية وفي الرسم والموسيقى وحفظ القرآن.

يرى الباحثون أن مقارنة الطفل وإمكانياته بطفل آخر حتى ولو كان أخاه يؤثر على ثقة الطفل بنفسه وبمواهبه وقد يؤثر على مستقبل الطفل بأكمله. فكلنا ما زال يتذكر ذلك المعلم الذي وصفه بالفشل في مادة دراسية ومازال يكرهها حتى الآن، وكلنا يعلم في داخله أن يكره ذلك الجزء من جسده لأن أحد الأقارب أخبره بسوء شكله مقارنة بأخاه أو أحد أبناء عمومته… في هذا المقال نحاول توضيح أثر المقارنات على الطفل.

أكذوبة الدرجات النهائية والمركز الأول

يسعى جميع الأباء لتوفير فرص التعليم المناسبة لأولادهم ويتمنون النجاح دومًا، لكن من القائل بأن صاحب المركز الأول هو فقط الشخص الذي يمكنه النجاح في الحياة؟

هذه السطور بالطبع ليست دعوة لإهمال الدراسة، ولكن للأسف ما زال نظام التعليم في الدول العربية يُقيْم الطلاب فقط من خلال درجاتهم الدراسية، فالفصل الموجود بداخله عدد من الطلاب المختلفون في درجة التركيز والقدرة على الاستيعاب وفروقات فردية كبيرة جدًا يؤدون امتحانًا واحدًا يُقيمون جميعهم من خلاله. ثم تأتي النتيجة بالتقسيم المعروف، صاحب الدرجات النهائية هو صاحب المركز الأول وهو الشخص الأنجح من بين أقرانه. ثم تتدرج التصنيفات بين الممتاز والمتوسط والمقبول. كم من شخص عاش حياته كأنه شخص ضعيف في كل شيء بسبب تلك الدرجات؟ وكم شخص عاش خيبات متتالية بسبب فشله في النجاح بوظيفة معينة وهو الذي عاش حياته صاحب المركز الأول؟

من هنا يجب على الوالدين والمعلمين أن يضعوا تلك الاختبارات في مكانها الصحيح، هي فقط وسيلة يقيس بها المعلم مدى استيعاب الطلاب للدروس دون تقييم شخصي لأي طالب.

النتائج المترتبة على مقارنة طفلك بغيره

  1. مقارنتك الدائمة لطفلك بغيره، يجعله يشعر أنك لا تحبه خصوصًا إذا قارنته بأخوه.
  2.  المقارنة الدائمة تجعل من كل من يحيط بابنك منافس محتمل، فهو سيبحث في كل شخص يراه عما يمتلكه من مميزات قد يفتقدها طفلك مما يثير حفيظته.
  3.  أكثر ما يزعزع ثقة طفلك بنفسه هو مقارنتك إمكانياته بغيره وتفضيل غيره عليه.
  4. إذا كان طفلك “صاحب المركز الأول” فإن مقارنتك له أن أنجح وأكثر فلاحًا من زملائه، قد يسرب له الشعور بالتباهي والشعور بالزهو والغرور.
  5. المقارنة الدائمة تخلق من طفلك طفلًا غيورًا لا يشعر بالرضا الداخلي أبدًا.

كيف يمكنني تحفيز الطفل؟

  1. المقارنة الزمنية وهي مقارنة الطفل بنفسه، فنقارن بين التفوق الدراسي للطفل في هذا العام وما كان عليه في العام السابق، والتحدث معه عما يريد أن يكون في العام المقبل ووضع الخطط معه ومساعدته في الالتزام بها.
  2. بث روح التعاون والمشاركة بدل من المنافسة.
  3. اكتشاف مواهبه ومساعدته على تنميتها.
  4. الحب غير المشروط والتقبل المطلق للطفل.
  5. مساعدة الطفل على اكتشاف نقاط قوته.

المسابقات تبعًا لمنهج ماريا مونتيسوري

في كتابها سر الطفولة نهت ماريا مونتيسوري القائمين على تعليم ورعاية الطفل عن عقد أي شكل من أشكال المقارنات بينه وبين طفل آخر. الأعظم من هذا أنها نهت المعلمات عن عقد أي مسابقات في الفصل بين الأطفال. لا توجد مسابقة للرسم؛ كلما رسم طفل ما لوحة، سألته المعلمة عن مدى رضاه عن الرسمة، إن كان يراها جيدة، يأخذها إلى البيت. وإن كان ما زال يرى أنه يريد إضافة أي شيء لها تركها بالفصل، ثم عاد إليها مجددًا.

هكذا يدخل الطفل في مقارنة مع نفسه وتساعده المعلمة في تطوير نفسه مع الوضع في الاعتبار مواهبه وقدراته. سعي الإنسان للشعور بالتميز غريزة يمكنه إشباعها عن طريق مقارنة نفسه بغيره خصوصًا في الأطفال، فقد تجد المعلمة فجأة طفلًا يصيح “خلصت كتابة الأول” يجب أن يكون رد المعلمة “المهم اللي أتقن خطه وكتب بشكل أحسن”. هكذا يجب على المعلم والوالدين التركيز على ترسيخ القيم وتعليم الطفل الأخلاق التي تساعده على النجاح في الحياة.

3

شاركنا رأيك حول "أكذوبة الدرجات النهائية والمركز الأول وتأثيرها على الطفل"