أخلاقيات التعليم بين المثل العليا والواقع المرير

0

أن تكون طالبًا هذا شيء يحتاج إلى الدعم المعنوي فعلًا. لكن أن تكون مُعلمًا، هذا يحتاج لكل صور الدعم المعروفة، وبجانبها أطنان من المهدئات وأكواب الشاي وأدوية الضغط والسكر. لذلك الحالة المأساوية التي يعيشها المُعلم في العالم العربي تجعلنا نتسائل عن مفهوم أخلاقيات التعليم بالنسبة له.

لذلك في مقال اليوم سوف نتحدث عن مفهوم أخلاقيات التعليم بالمُجمل، وما هو التطبيق الواقعي لتلك الأخلاقيات في العالم العربي. هل هي تُطبق بالحذافير؟ هل لا تُطبق على الإطلاق؟ أم أن هناك من يأخذون ببعضها ويتركون الباقي؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه اليوم. أحب أن أنوه أن المقال واقعيّ بالكامل، فأنا مُعلم من مصر، وأعمل فيها أيضًا، لذلك سردي سوف يكون من واقع خبرة عملية.

ما هي أخلاقيات التعليم من الأصل؟

حسنًا، مهنة التعليم مثلها مثل أي مهنة في الوجود، لها لائحة قوانين يجب على المُعلم الالتزام بها من أجل إتمام عملية تعليمية سليمة، وأيضًا من أجل الحفاظ على مهنته ذاتها. لكن دائمًا ما يختلط الأمر على الناس بين (دستور القانون) و (دستور الأخلاق). فهناك فرق شاسع بين كلمة Laws وكلمة Ethics، أو قوانين وأخلاقيات.

القوانين هي مجموعة من التعليمات (الجبرية) التي يجب على كل مُعلم الالتزام بها حتى لا يخسر وظيفته. ومن ضمنها مثلًا أن يلتزم المُعلم بوقت حصته، ألّا يدعو الطلبة للدروس الخصوصية خارج حدود المدرسة، وبالتأكيد ألّا يختصر من الدرس لأنه ملّ من التدريس منذ طلوع النهار.

أما الأخلاقيات من الجهة الأخرى هي مجموعة من الأفعال (الإنسانية) التي ينبغي على كل مُعلم أن يتحلى بها. هي ليست إلزامية بحكم المهنة، لكن إلزامية بحكم كون المُعلم إنسانًا في النهاية. أخلاقيات التعليم من ضمنها أنه لا يجب ضرب أي طالب مهما كان، وأنه يجب تشجيع جميع الطلاب حتى ولو كانت إجاباتهم خاطئة، وأن التدريس رسالة وليس مهنة، ولا يجب على المُعلم أن يتوقع عائدًا ماديًّا كبيرًا منها، بل أن يتوقع رضا طلّابه عنه عوضًا عن ذلك.

لكن هل الواقع تتم مراعاة أخلاقيات التعليم فيه؟ للإجابة على السؤال ننتقل إلى النقطة التالية.

أخلاقيات التعليم على أرض الواقع

هنا يجب علينا الحديث عن حال المُعلم في العالم العربي أولًا، ثم نحكم عليه لماذا يفعل أو لا يفعل تلك الأخلاقيات من العدم.

المُعلم في العالم العربي شيء من اثنين: إما مُعلم في دولة نامية، أو مُعلم في دولة متقدمة.

إذا كان في دولة مُتقدمة، فستكون أحواله المادية ميسورة، ولن يحتاج إلى إعطاء حصص خاصة خارج إطار المدرسة كي يُعيل نفسه وعائلته، فبالتالي سيحب مهنته ويتعامل مع الطلبة بمنتهى الإنسانية. أما إذا كان في دولة نامية، هنا تصبح لدينا مشاكل.

المُعلم في الدول النامية من أقل الفئات والشرائح الوظيفية أجرًا دون مُبالغة، بينما المُعلم هو الذي يُخرج الطبيب والمهندس والصيدلي والخبير في كل زمان ومكان، يُعامل كأنه إنسان درجة ثالثة مقارنة بهم من حيث التعامل المادي والتعامل المعنوي. فبالتالي يُجبر المُعلم على أن يستخرج من المُجتمع حقه المسلوب، فيبدأ في مُعاملة الطلّاب على أنهم أوراق نقدية منثورة أمامه، ويصبح التعليم بالنسبة له مهنة أكثر من كونها رسالة سامية.

لكن الراتب ليس السبب الوحيد لتخلي المُعلم العربي في الدول النامية عن أخلاقيات المهنة، فهناك أسباب أخرى منها الآتي:

  • الطالب يُعامِل معلمه بعدم احترام. عندما يذهب المُعلم لمنزل الطالب من أجل الدرس الخصوصي، تبدأ هيبته في الاهتزاز، فبالتالي يُعامل بنوع من عدم الاهتمام في المدرسة. وكذلك عندما يرى الطالب طاقم التدريس يُعامل مُعلمه بطريقة غير حسنة (كالأمر بالذهاب إلى الفصل الفلاني أو القيام بإدارة إشراف أحد أدوار المدرسة)، يبدأ الطالب في تقليد الآمرين، فبالتالي يصل الأمر إلى إهانة المُعلم بالقول، أو الإعتداء عليه باليد.
  • دائمًا ما يكون تعيين المُعلمين الجدد محدودًا، فبالتالي يتم الضغط على المُعلم الحالي. فبدلًا من أن يأخذ نصابه القانوني من الحصص (10 إلى 15 حصة) أسبوعيًّا، يأخذ أكثر 30 حصة أسبوعيًّا لسد العجز. كما أنه ينتقل من مدرسة إلى أخرى باستمرار لسد العجز أيضًا، وأغلبها يكون بعيدًا عن منزله بآلاف الكيلومترات، لكن يذهب مُجبرًا كيلا يتعرض للتحقيق. فبالتالي كل هذا يجعل صحته النفسية مُدمرة، فلا يقدر على التفكير في جزء من أخلاقيات التعليم حتى.

لكن هي معنى ذلك أن أخلاقيات التعليم غير موجودة على الإطلاق؟

في الواقع لا، هي موجودة، لكن لا تستطيع رؤيتها باستمرار.

المُعلم الحقيقي هو عملة نادرة جدًا في العالم العربي، وخصوصًا بالدول النامية. المُعلم الحقيقي هو الشخص الذي اغترف من العلم الكثير، ولم يقل: “حدود معرفتي هي حدود كتاب الوزارة”. وهو الشخص الذي يُعامل كل الطلبة على أنهم أولاده، ويستطيع أن يقتنص الأذكياء من الوهلة الأولى، ويستطيع أن يتعامل مع كل طالب بالطريقة التي تناسبه في حدود الأدب والاحترام.

هذا المعلم موجود، لكن بشكلٍ نادر. فإذا صادفت مُعلمًا يُحب مادته جدًا، ويستطيع الإجابة على أي سؤال، ويُعاملك باحترام ويستمع إلى مشاكلك حتى لو كانت خارج حيّز الدراسة والتعليم من الأساس، فتمسك به تمام التمسك، واعمل على اكتسابه كأخ أكبر وليس كمُجرد مُعلم سينتهي دوره بنهاية العام الدراسي.

كلمة أخيرة..

التعليم كاصطياد السمك. كلما أعطيتها وقتًا، كلما أصبحت متمكنًا فيها. يمكن للبعض أن يأخذ سنوات كي يتمكن من الإمساك بالصنّارة جيدًا، ويمكن للبعض أن يُمسكوها ببراعة من أول مرة، لكن في النهاية يستطيع الجميع الحصول على صيد ثمين.

0

شاركنا رأيك حول "أخلاقيات التعليم بين المثل العليا والواقع المرير"