0

أي لعبة أختار لطفلي؟ مهما تعددت الخيارات والألوان، غالباً ما تكون النتيجة ذاتها، الباربي لابنتي، والشاحنة لابني، فلنتوقف قليلاً، نأخذ نفساً عميقاً، هل نريد أن نربي أطفالنا على التمييز الجندري؟ أم نحلم بكسر النمطية والخروج بجيلٍ كامل لا يمكن له أن يجد فرقاً ولا حتى واحداً بين رجل وامرأة.

ما هو التمييز الجندري؟

الجندر أو النوع الاجتماعي أو الجنسانية، ويقصد به الأدوار الاجتماعية لكل من المرأة والرجل وتقسيمها، ورغم أن ترجمة مصطلح الجندر تعني الجنس، إلا أنه لا يعني الفروقات البيولوجية بين الذكر والأنثى، إنما الفروقات الاجتماعية بين الطرفين، التي غالباً ما يحكمها المجتمع ومعتقداته وعاداته.

التمييز الجندري، أو التمييز الجنسي، يقصد به عدم المساواة بين الجنسين، والتمييز القائم بناء على النوع الاجتماعي، ورغم أنّه منتشرٌ بكثافة ضد النّساء خصوصاً في عالمنا العربي، إلّا أن الرّجل قد يعاني منه أيضاً.

على سبيل المثال، حين يتقدّم رجلٌ وامرأة إلى وظيفة ما، وتقبل المرأة لأنّها امرأة، يعاني الرجل من التمييز الجنسي في العمل، بالمقابل وحين يتم استثناء سيدة ما من منصب ما في مكان وظيفتها لأنها امرأة، ويتم منحه لرجل لأنه رجل، يصبح ذ.

ما هي أخطاء التربية التي توصل المجتمع لـ التمييز الجنسي؟

التمييز الجندري

ألعاب الأطفال

يبدأ التمييز الجندري بالظهور في حياة الأطفال، منذ مراحلهم العمرية الأولى، فغالباً ستشتري الأم ألعاب الباربي والمطبخ والمكياج لطفلتها الصغيرة، بينما ستشتري الشاحنات والسيارات وألعاب باتمان لطفلها الصغير، فتعيش الطفلة في عالم الخيال والملابس والمكياج ويعيش الطفل في عالم الشاحنات والقوة.

الأخطر من ذلك، أنّ غالبية متاجر الألعاب تلجأ لتقسيم المحل إلى قسمين، قسم ألعاب ذكور، وقسم ألعاب إناث، ستجدين في قسم ألعاب الإناث كل ما يخص الأدوات المنزلية، كالفرن الصغير، والغسالة، وماكينة الخياطة، وعربة الطفل الصغير، والمشكلة أنّ الطفلة الصغيرة ستجد فيها غايتها، خصوصاً أنّها تريد التشبّه بأمّها وكيف تمارس الأعمال المنزلية وغالباً دون مساعدة من الأب، بالنتيجة ماذا سيحدث؟ إعادة إنتاج لصورة المرأة النّمطية في أن “المطبخ مملكتها!”.

بالمقابل سيمتلئ قسم ألعاب الصبيان، بألعاب التخيّل والمركبات المعقّدة، وألعاب القوّة التي ستفتح أفق التفكير والخيال لدى الطّفل الذّكر، مقابل تنميط ألعاب البنات التي لن تقدّم لهنّ شيئاً يذكر سوى الحفاظ على صورة المرأة التقليدية، التي تطبخ وتنفخ وتعمل… إلخ.

يستطيع الأهل سؤال أنفسهم: ما الذي يمنع طفلتي من الحصول على شاحنة أو طائرة، بينما من الممكن أن تصبح مهندسة ميكانيك متقبلاً؟

قصص الأطفال

حتى في اختيار قصص الأطفال تُظلم الفتيات، فغالباً يحصلن على قصص سندريلا، الأميرة النائمة، وغيرها من القصص المشابهة، ويحصل الفتيان على قصص الألغاز والقصص العلميّة، هل تدركون كأهل مخاطر هذا الاختيار؟

ستكبر الفتاة على أحلام أن يجدها الأمير ويطبع قبلةً توقظها من حياتها النّمطية إلى أخرى أكثر نمطيّة، وتنتقل من العمل المنزلي داخل منزل عائلتها، إلى العمل المنزلي داخل منزلها الزوجي، بينما سيحلّق الرجل في فضاءات العمل والطموح وهي ربما ستنتظر قبلته كل يومٍ مساءً قبل النوم! حقّاً هل نريد أن نرى أطفالنا بهكذا مستقبل!

لماذا لا تحصل الفتيات على قصص علمية، تشجعهنّ على التفكير والبحث، والتعرف على الحياة خارج إطار المطبخ والطريقة النمطية؟! عوضاً عن منحهنّ قصصاً ستزيد من معاناتهنّ مستقبلاً حين يكتشفن أن الحياة لا تحتاج أميراً على حصان أبيض، بل شهادةً علميّة وعملاً محترماً!

التمييز الجندري

قضاء الحاجة

تسيرين مع طفليك في الشارع، قال لك ابنك الذكر إنّه يريد قضاء حاجة، غالباً ستختارين ركناً ما ليقضي طفلك حاجتك وسط الشارع دون أيّ قيود، بينما لو طلبت منك طفلتك قضاء حاجتها، على الأرجح ستطلبين منها الصبر قليلاً ريثما تصلان إلى أحد الحمامات العامة أو إلى المنزل، لا أريد هنا مناقشة صواب ظاهرة قضاء الحاجة في الشارع من عدمه إنّما مناقشتها من باب التمييز الجنسي.

التّصرف على النحو السابق، سيغرس المزيد من الفروقات الاجتماعية بين الجنسين، الذّكر سيشعر أنّه حرٌّ أكثر، والأنثى ستشعر أنّها مقيّدة أكثر، بينما بالتأكيد عادة قضاء الحاجة في الشارع سيّئة وغير مقبولة، لذا الأصح أن تطلبي من طفلك الذكر تماماً ما طلبته من طفلتك الأنثى، وستضربين عصفورين بحجر واحد، تعلميهم احترام القوانين والمجتمع، وعدم غرس ثقافة التمييز الجندري فيهما.

الأعمال المنزليّة

سيكبر طفلاك قليلاً، وتبدأ بعدها مرحلة ثانية من التمييز الجنسي، سيسأل الأقارب طفلتك إن كانت قد بدأت بمساعدتك في الأعمال المنزلية، وتبدأ المقارنة بينها وبين أقرانها في العائلة، هل تمسح؟ هل تجلي؟ هل تطوي الملابس؟ بالمقابل لن يتوجّه أحدهم لسؤال طفلك الذكر شيئاً كهذا، وغالباً ستشاركين بهذا الأمر، وستعلمين طفلتك كيفيّة القيام بأعمال المنزل، في الوقت الذي يكون طفلك الذّكر إما نائماً، أو يلعب بالخارج أو عبر أحد تطبيقات الهواتف المحمولة.

ومجدداً ستكرسين الصّورة النّمطية، وتنتجين جيلاً قائماً على التمييز الجندري بممارساتٍ نمطيّة خاطئة لا تدركين كم هي خطيرة مستقبلاً.

هل تريدين الحصول على جواب سؤال، لماذا لا يساعدني زوجي في الأعمال المنزلية رغم أني موظفة مثلي مثله؟ حسناً إذاً جاوبي أنت على سؤال، لماذا كنت أعلّم طفلتي الأعمال المنزلية دون إشراك طفلي الذكر بها! كلّ شيءٍ يبدأ من التّربية يا عزيزتي.

لأنّي صبي!

تفاجأت صديقتي ذات مرة، حين ضرب طفلها الذكر (5 أعوام) طفلتها الأنثى (6 أعوام) بقسوة، وحين حضرت إليه وسألته لماذا فعل ذلك، أخبرها أنّ شقيقته تركته ولم تلعب معه، فقالت له صديقتي: “هل هذا سببٌ لتضرب شقيقتك؟” فيجيبها: “نعم لأنّي صبي”!، ضحكت وأخبرته أنّ الضّرب ممنوع وأنّ عليه أن ينتبه لشقيقته لأنّه “صبي” ومسؤول عنها!

الحادثة السابقة حدثت بالفعل، وأخبرت صديقتي وهي ممرّضة، أنّ طريقتها بالمعالجة كانت خاطئة، فتحجّجت بزوجها الذي يغرس التمييز الجندري بقوةٍ في أذهان طفليها الذكر والأنثى، من خلال ممارساتٍ معينة، كأن يطلب من طفلته مساعدة أمها في أعمال المنزل، ومن طفله الذهاب معه لمشاهدة مباراة كرة قدم، كذلك من خلال تلبية كافة رغبات طفله الذكر لمجرّد أنّه ذكر، والكثير من الممارسات الخاطئة الأخرى.

لأنك “صبي” في المجتمع العربي، ستحصل على الكثير من المزايا بدءاً من اللّباس وليس انتهاءً بسوق العمل، ولأنّها بنت ستعاني كثيراً من التمييز الجندري، المشكلة الحقيقية والخطيرة، هي أنّ كلا الطّرفين الأمّ والأب غالباً ما يكونان مقتنعين بهذه النتيجة، ويتعاملان باستهزاء مع فكرة المساواة بين الجنسين.

التمييز الجندري

الزّهري للبنات والأزرق للصبيان

تلقائياً ستختارين أنت أو طفليكِ، الملابس الزهرية للبنات، والملابس الزرقاء للصبيان، على بساطة هذا الأمر، إلا أنّه يعتبر أحد أركان التمييز الجنسي الذي يمارسه الأهل من دون قصد، غير مدركين لكيفية تعزيزه الفروقات بين الجنسين.

ما الذي سيحدث إن ارتدى الطفل الذكر الصغير اللون الزهري، وإن ارتدت الطفلة الصغيرة اللون الأزرق؟ هل تساءلتم يوماً عن جواب هذا السؤال؟

لن يحدث شيء، على العكس سيتعلّم كلا الجنسين أنّهما يستطيعان ارتداء ما يرغبان من ألوانٍ وموديلات، دون أيّ تمييز، ولن يساهم هذا الخيار الخاطئ في تعزيز الفروقات الوهمية القائمة على النوع الاجتماعي بينهما.

تكوين الصداقات

التمييز الجنسي في المدرسة، يبلغ أشدّه، فالأطفال باتوا في مرحلة عمرية تمكّنهم من التّعلم بشكلٍ أكبر وأوسع، وستبدأ معاناةٌ من نوعٍ آخر تواجههم، سيختار الأطفال الذّكور أصدقاءهم من الذكور، والإناث صديقاتهن من الإناث، هذا بالغالب مع بعض الاستثناءات التي قد تحدث فيما لو كانت التربية المنزلية مختلفةً عن الطريقة السائدة.

داخل الصف، غالبية المدارس المختلطة تُجلِس الفتيات مع الفتيات والذكور مع الذكور، وحتى وإن حدث العكس في بعض الحالات ستجدون هناك خجلاً واضحاً لدى الصبي أو البنت من الأمر، وهو خجلٌ يتمّ تعزيزه عن طريق ممارساتٍ خاطئة أخرى، مثل التنمّر على الولد لأنّه لعب مع بنت، أو على البنت لأنّها اختارت أن تلعب مع الولد!

تكوين صداقاتٍ من كلا الجنسين، سيساعد الأطفال مستقبلاً حين يدخلون الجامعة أو يسافرون للدراسة خارج البلاد، ستساهم بتنشئة جيلٍ مرن منفتحٍ على الآخر، وهذا كلّ ما تحتاجه مجتمعاتنا العربية لتخرج قليلاً من كبوتها، وإلغاء التمييز الجندري في مجتمعاتها.

تأكّدي صديقتي وتأكّد صديقي القارئ أنّ نوع الأعضاء التناسلية لا يحدّد المستقبل، ولا يمنح الأفضلية لشخصٍ دون آخر، لكنّ نوع التفكير وطريقة الحياة والطموح، هم الذين يحددون مستقبل أبنائنا الذي نتشارك في فكرة أنّنا نريده مشرقاً بكل ما للكلمة من معنى، فهل نبدأ اليوم تغييراً حقيقياً في كيفية تربية أطفالنا، لنحصل على الأثر التراكمي مستقبلاً؟

اقرأ أيضاً: 12 نصيحة لتحصين طفلك من التنمر ومنعه من أن يصبح هو الجلّاد

0

شاركنا رأيك حول "الشاحنة للولد والباربي للبنت.. التمييز الجندري يبدأ من الطفولة بأشياء تفعلونها دون أن تدروا"