العادات المُدهشة للمفكرين المبدعين!

6

يظل الإبداع محورًا لعدد كبير من التساؤلات التي يسعى الكثيرون للإجابة عليها في محاولة لفهم كينونته، وإدراك أسبابه، ومعرفة السلوكيات والعادات وطريقة التفكير التي تميّز المبدعين.

كيف يستطيع المبدعون خلق الأفكار العظيمة؟ و هل يختلف المبدعون عن غيرهم؟

البروفيسور في علم النفس التنظيمي آدم جرانت، يجيب عن ذلك في دراساته حول المبدعين، ويقول:

المبدعون هم المفكرون الذين يحلمون بالأفكار الجديدة ويتحركون لتطبيقها.

ليس المبدعون هم الأشخاص الخارجين عن القواعد فحسب بل هم أولئك الذين يملكون الأفكار الجديدة ويدافعون عنها أيضًا، إنهم الأشخاص الذين يبرزون ويأخذون زمام المبادرة في الحديث، ويقودون الإبداع والتغيير في العالم، إنهم الأشخاص الذين تريد أن تراهن عليهم.

ويتحدث آدم خلال إحدى مؤتمرات تيد عن ثلاثة أشياء تعلمها عن المبدعين مما جعله يعجب بهم أكثر، هذه الثلاثة أشياء هي العادات المدهشة للمفكرين المبدعين.

6

يستعرض آدم كمثال على مفكرين مبدعين قصة المجموعة المؤسسة لـ Warby Parker، وهي علامة تجارية أمريكية تقوم ببيع النظارات الطبية والشمسية عبر الانترنت تأسست سنة 2010، وتُعرَف اليوم على أنها المؤسسة الأكثر ابتكاراً على مستوى العالم، ثم يوضح العلاقة بينها وبين سلوكيات للمبدعين.

أولاً: أن إقلاع هذه المؤسسة كان بطيئًا وهو ما يشابه عقلية الشخص المماطل.

22

لقد أوضح بحث قامت به إحدى طالباته حول عدد المرات التي يماطل فيها الأشخاص الذين استهدفهم البحث ويعملون في مجموعة من الشركات، ثم دراسة معدل الإبداع والابتكار لديهم، أن الذين يسارعون في أداء المهام هم أقل إبداعًا من الأشخاص الآخرين الذين لديهم معدل متوسط من المماطلة، أما بالنسبة للذين يماطلون لفترات طويلة وينتظرون حتى الدقيقة الأخيرة، هؤلاء يخفقون في إيجاد أي أفكار جديدة، أما المبدعين فهم في منطقة الوسط بين هاتين الفئتين.

المماطلة لا تولد الإبداع، والمبدعين لديهم عادات عمل سيئة. لماذا؟

لمعرفة السبب قام فريق البروفيسور آدم بعمل مجموعة من التجارب، حيث طلبوا من أشخاص ابتكار أفكار تجارية جديدة، ثم تقييمها من قبل قراء مستقلين من ناحية الإبداع والفائدة، وطلب من بعضهم عمل المهام فورًا، بينما سمح لآخرين بالمماطلة قليلاً عبر جعلهم يشاهدون لعبة لمدة خمس إلى عشر دقائق، وكانت النتيجة أن أصحاب المعدل المتوسط من المماطلة هم أكثر إبداعاً بنسبة 16% من المجموعتين الآخرتين.. هذه التجارب هي مادفع ادم لكتابة كتاب عن المبدعين.

المماطلة تعطيك الوقت لتأخذ بعين الاعتبار الأفكار المختلفة، ولتفكر بطريقة غير مألوفة، ولتصنع قفزات غير متوقعة.

لقد اكتشف آدم أن الكثير من المبدعين العظماء عبر التاريخ كانوا مماطلين:

  • ليوناردوا دافنشي استغرق 16 عامًا لإنجاز لوحة الموناليزا، لقد شعر بالفشل، وكتب عن ذلك كثيرًا في دفتر يومياته.
  • مارتن لوثر كينغ وفي الليلة التي تسبق أكبر خطاب سيلقيه في حياته، أعاد كتابة الخطاب. استمر مارتن يشطب ويعدل في خطابه حتى اللحظات الأخيرة التي تسبق صعوده على المنصة، وأطلق كلماته التي غيرت مجرى التاريخ (أنا لدي حلم)، هذه الكلمات لم تكن موجودة في النص المكتوب. بتأخير مهمة إنهاء النص أعطى الفرصة لنفسه للانفتاح على مجال واسع من الأفكار المحتملة، ولعدم وجود النص فهو لم يَعلق في حدوده وكانت له حرية الارتجال.

فيما يخص الإنتاجية فإن المماطلة تعتبر شيئًا سيئًا، لكنها تقوي الإبداع، ما يحدث هو أن المبدعين العظماء يبدؤون بسرعة وينجزون ببطء.

لتكون مبدعًا لا ينبغي أن تبدأ أولاً وقبل غيرك، كل ماعليك هو أن تكون مختلفاً وأفضل منهم.

44

ثانياً: لقد كان أفراد المجموعة ممتلئين بالشكوك.

يظهر الكثير من المبدعين واثقون من أنفسهم، لكن مايحدث خلف الستار أنهم يشعرون بنفس الخوف والشك اللذان يشعر بهما الجميع، لكن الفرق يكمن في أنهم يديرون الأمر بشكل مختلف.

لقد اكتشف آدم خلال بحثه وجود نوعين مختلفين من الشكوك، فهناك الشك في النفس والشك في الفكرة، إن الشك في النفس يشل حركة الشخص ويعيقه عن إنجازاته، بينما الشك في الفكرة يعتبر محفزاً للشخص لاختبار وتجربة وصقل الفكرة.

فمثلاً: هناك دليل قوي أن مستخدمي متصفحي كروم وفايرفوكس يتفوقون على مستخدمي انترنت اكسبلورر وسفاري، ويحافظون على وظائفهم لفترة أطول بنسبة 15%، والسبب وراء ذلك ليست الميزة التقنية، فالأربع متصفحات تتشابه في نظام الطباعة، ولها مستويات متشابهة من المعرفة، إنه يتعلق بكيفية حصولك على المتصفح، لأنك إذا أردت استخدام انترنت اكسبلورر أو سفاري فهما مثبتان مسبقاً على جهازك، وعليك أن تقبل الإعدادات الافتراضية التي تُعرض لك.

لكن إذا أردت استخدام فايرفوكس أو كروم فعليك أن تشكك في المتصفح الافتراضي وتبحث عن خيارات مختلفة، ثم تقوم بتحميل المتصفح الجديد وتثبيته، قد يعتقد من يسمع هذا المثال أنه إذا أراد أن يتحسن أداؤه الوظيفي عليه ترقية متصفحه. لكن هذا غير صحيح.. إن الأمر لا يتعلق بذلك بل بما عليه أن يكونه.

عليه أن يكون الشخص الذي يبادر ويشك في الأمر الافتراضي ويبحث عن خيارات أفضل.

ماذا عن الخوف؟ المبدعين يشعرون بالخوف أيضاً، إنهم يخافون من الفشل، لكن ما يميزهم عن غيرهم أنهم يخافون من الفشل في المحاولة، إنهم يعلمون أنهم يمكن أن يفشلوا عند افتتاح تجارة ما وقد يعلنون إفلاسهم أو قد يفشلون من البداية، إنهم يعلمون أن ندمنا الكبير خلال الجولات الطويلة ليس بسبب أفعالنا وإنما بسبب تكاسلنا.

5

ثالثًا: الأطنان من الأفكار السيئة.

“أخبرني Elon Musk وهو المدير التنفيذي لكل من Tesla و SpaceX أنه لم يكن يتوقع نجاح Tesla، وكان متأكداً من فشل مركبات SpaceX في دخول المدار ثم العودة، لكن من المهم جداً عدم التوقف عن المحاولة، وبالنسبة للكثير منا، عندما نمتلك فكرة هامة لا نهتم بالمحاولة.”

الكثير من الناس يعتقد أنه سوف يحاكم على أفكاره السيئة لكن ذلك لن يحدث. و إذا نظر داخل الكثير من الصناعات وسأل الناس عن أكبر أفكارهم وأهم مقترحاتهم فإن 85% منهم سيظلون صامتين، إنهم خائفون من إحراج أنفسهم ومن أن يبدوا أغبياء، لكن المبدعين لديهم أطنان من الأفكار السيئة.

4

ماذا لو عرفت من هو صاحب هذه الدمية الناطقة التي لا تخيف الصغار فقط بل تخيف الكبار أيضا؟

إنه توماس أديسون مخترع المصباح الكهربائي.

إذا نظرت في كل المجالات ستجد أن المبدعين العظماء هم أكثر الأشخاص فشلاً لأنهم أكثرهم محاولة، فمثلاً: مؤلفو الموسيقى، لماذا تجد الكثير من الصفحات على الانترنت تتحدث عن أفضلهم، والكثير من ألحانهم يتم تحميله أكثر من مرة؟ إن هذا يرجع إلى الحجم الهائل من المؤلفات التي أنتجوها. حتى أيقونات الموسيقى الكلاسيكية الثلاثة: موزارت، باخ، بيتهوفن، كان عليهم أن ينتجو المئات والمئات من ألحانهم ليحصلوا على عدد قليل من المقطوعات الرائعة.

كلما زاد معدل إنتاجك كلما زاد التنوع الذي ستحصل عليه، وكلما زادت فرص عثورك على شيء مبدع حقاً.

عندما حاول مؤسسو Warby Parker إيجاد اسم لشركتهم، كان عليهم أن يختاروا اسماً مُرضياً ومميزاً وخالٍ من السلبيات لبناء علامة تجارية، واختبروا أكثر من 2000 احتمال قبل أن يتوصلوا في النهاية إلى اسم Warby وParker.

لذا أنت الآن تدرك أن المبدعين ليسوا مختلفين عن البقية، فهم يشعرون بالخوف والشك ويماطلون، لديهم أفكار سيئة، وفي بعض الأوقات لا يعود ذلك إلى كفاءتهم لكنهم نجحوا بسببها.

“اعلم أن عليك أن تماطل أي أن تبدأ طريقك بسرعة وتنهي إنجازك ببطء لتعزز إبداعك، إنك تستطيع تحفيز نفسك بالشك في أفكارك وليس في نفسك، وتتقبل الخوف من الفشل في المحاولة، أنت بحاجة للكثير من الأفكار السيئة لتحصل على القليل من الأفكار المبدعة. أن تكون مبدعاً ليس شيئاً سهلاً، لكن ليس لدي شك في أنه الطريق الأفضل لتحسين وتطوير العالم من حولنا.” – ادم جرانت

6

شاركنا رأيك حول "العادات المُدهشة للمفكرين المبدعين!"

  1. lounis imene

    موضوع أكثر من رائع .. حقا استفدت الكثير … جزاك الله سيدتي على هذه الكلمات الراقية ♥

  2. Abdelfattah Mossad

    كما تحدثتي في المقال لإيجاد العمل المتقن سيتحتم عليك خوض العشرات بل المئات من التجارب و لا اقول عليها فاشلة لأنها ناجحة بالنسبة لصاحبها نظراً لإيمانه الشديد بها .. و اضرب مثال للمصمم الذي يريد ان يتوصل الا شعار فني و كم التجارب الذي يخوضه و في النهاية قد لا يفوز إطلاقاً و هذا لا يعني نهاية المسار بل هو إحباط مؤقت لا أكثر

أضف تعليقًا