انتشر مصطلح الهولوجرام، لكن لا يعرف الجميع ماذا يعني؟ وكيف يفيد الهولوجرام في التعليم أو الطب أو الحياة عمومًا؟ حسنًا، إنه تقنية ممتعة، لكن لأبسطها لك من خلال مشاركتك بحُلم من أحلامي.

أريد الجلوس مع أينشتاين لأخبره كم هو عظيم، وأسمع شرحه المُبسط لنظرية النسبية العامة، ثم أحتسي كوبًا من القهوة مع مندل في حديقته التي كان يجري فيها تجاربه وأراقبه وهو يلاحظ نمو البسلة ويقارن ألوان أزهارها. بعد ذلك، أذهب إلى أرسطو وأجلس بين تلاميذه، لأسمع بعضًا من فلسفته، ويا لها من فرصة عظيمة إذا صادفت الاسكندر الأكبر هناك وهو جالس في حضرة معلمه الفيلسوف الجليل. وأنهي جلستي معهما، ثم أبحث عن حتشبسوت، لأجدها جالسة على أريكتها الفرعونية الرائعة وهي تستمع إلى ابنتها "نفرو رع".

ربما تنعتني بالشخصية الحالمة. أجل، أحب الاستمتاع بالخيال العلمي، لكن هناك تقنية تستطيع إتاحة هذه الفرصة لي ولك وللعالم أجمع، وهذا لا يعني أننا سنعود بالزمان للوراء. كلا، لكن نستطيع محاكاة هذه الشخصيات افتراضيًا وفقًا للبيانات والمعلومات التي بين يدينا في كتب التاريخ لا أكثر. مثلًا، لا تستطيع معرفة الألغاز التي عجز التاريخ عن تذكرها أو أخفاها في ثناياه وبخل علينا بها إلى حين أو للأبد!

متى وُلد الهولوجرام؟

وُلد الهولوجرام على يد العالم المجري "دينيس غابور"، عندما طور نظرية التصوير المجسم خلال عمله على رفع مستوى دقة المجهر الإلكتروني. وجاءته الفكرة بينما كان يلعب التنس في يوم الأحد الموافق لعيد الفصح عام 1947.

صاغ غابور مفهوم الفكرة في كلمة يونانية تسمى هولوجرام، وهي تتكون من مقطعين وهما:

  • هولوس: تعني كامل.
  • جرام: وتعني رسالة.

والمقطعين على بعضهما "هولوجرام"، يعني الرسالة الكاملة، حيث تحتوي تلك الصورة ثلاثية الأبعاد على المعلومات الكاملة للموجة الكائن الحي. وتقوم فكرة الهولوجرام على الطبيعة الموجية للضوء. لتبسيط الفكرة، ركز معي في الآتي..

بافتراض أنك تريد تصوير كرة بهاتفك، كبسة زر بسيطة، تستطيع الحصول على صورة فوتوغرافية للكرة، لكنها مسطحة، لا تستطيع رؤيتها إلا من اتجاه واحد. لكن في حالة الهولوجرام، فالأمر مختلف تمامًا، حيث يتم تسجيل شفرة الجسم فوق سطح فوتوغرافي عندما تصطدم موجات الجسم المراد تصويره (الكرة) مع موجات الضوء (الليزر)، ما يؤدي إلى تداخل الموجتين. ثم تأتي مرحلة البناء، وفيها يتم توجيه الضوء إلى السطح الفوتوغرافي، فيحيد الضوء، مكونًا صورة مصغرة ثلاثية الأبعاد. وهذا هو الهولوجرام. من ذلك نجد أنّ الهولوجرام مستندًا على خاصيتين مميزتين للطبيعة الموجية للضوء، وهما: التداخل والحيود.

أكمل دينيس عمله، حتى استطاع تحقيق الصورة ثلاثية الأبعاد التي كانت في البداية مجرد فكرة، وحصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1971، لتطويره فكرة الهولوجرام.

الهولوجرام.. كما أوضحه ستيفن هوكينغ

في عام 2014، كان عالم الفيزياء "ستيفن هوكينغ" في جزيرة "تنريفي" التابعة إلى إسبانيا، يجلس على كرسيه المتحرك الآلي، ويقدم عرضًا بشأن تقنية الهولوجرام. ربما أدرك هوكينغ أنه سيأتي يوم ويُوظف الهولوجرام في التعليم والعمل ورحلات الفضاء، وفي الحياة عمومًا كما صورت أفلام الخيال العلمي من قبل. أثناء عرضه، تحدث هوكينغ عن الهولوجرام، قائلًا:

"أريد التحدث عن الكون وكأنه صورة ثلاثية الأبعاد، والهولوجرام هو تمثيل كائن ثلاثي الأبعاد على سطح ثنائي الأبعاد.. ولقد ظهرت في ستار تريك على أنني هولوجرام.. وربما تشاهدوني ألعب البوكر مع أينشتاين ونيوتن وكومندر داتا حقًا."

بالفعل ظهر هوكينغ في مسلسل ستار تريك، وكان هو الشخص الوحيد الذي لعب دوره، وفي مشهد كان يلعب البوكر حقًا مع ممثلين يأدون أدوار أينشتاين ونيوتن وداتا (وهو شخصية خيالية في المسلسل، ليس له وجود تاريخي). لذلك، فهو لا يستبعد أنه قد يأتي اليوم الذي تستطيع فيه هذه التقنية أن تجسده ويلعب البوكر مع هؤلاء الأشخاص حقًا بدلًا من اللجوء إلى تمثيلهم.

الهولوجرام في التعليم 

يُوفر الهولوجرام صورة ثلاثية الأبعاد، تساعد الطلاب على تخيل الأحداث وإدراك المعاني الصعبة للموضوعات العلمية، حيث تتمتع هذه التقنية بمميزات فائقة قادرة على إحداث ثورة في مجال التعليم حول العالم. ولنكن أكثر إنصافًا، إنها قادرة على تطوير جميع المجالات، لكن تركيزنا في موضوعنا هذا على عملية التعليم تحديدًا. لكن، كيف ستُساعد تقنية الهولوجرام في التعليم؟ حسنًا، إليك الصور المختلفة:

محاكاة المرضى في كليات الطب

يفتقد كثير من طلاب الطب حول العالم إلى الممارسة العملية، حيث يضطرون للانتظار حتى يأتي الأساتذة بحالات حقيقية درسوها نظريًا. لكن هذا يؤثر بشكل ما على عملية التعلم، فالتطبيق بعد فترة من تلقي المعلومة، لا يكون تجربة مثالية كتلقي المعلومة ثم التطبيق مباشرة. وهنا يأتي دور تقنية الهولوجرام التي ستتيح للطلاب صورًا ثلاثية الأبعاد، يستطيعون ممارسة ما تعلموه عليها بصورة افتراضية، ما يعزز ثقتهم بأنفسهم مستقبلًا عندما يحين موعد ممارسة الطب كمهنة.

تبادل طلابي في نفس الموقع

هل سمعت من قبل عن منح التبادل الطلابي أو الثقافي؟ نعم، هي تلك الاتفاقيات بين الدول لتبديل الطلاب أو المواطنين بينهم لفترة مؤقتة، ليتعرف كل منهما على ثقافة الآخر ويتعلم منه. ربما يجد بعض الأشخاص مشكلة في السفر إلى بلاد غريبة، وتأتي تقنية الهولوجرام بالحل الأمثل، حيث توفر اتصال بينك وبين أشخاص من بلاد مختلفة في شكل صور ثلاثية الأبعاد، تستطيع التواصل معهم والتعرف على ثقافتهم والتعلم منهم بسهولة دون الحاجة للسفر. هذا بدوره يخلق تجربة تعليمية قيّمة، موفرة للوقت والمجهود.

الجلوس في حضرة العظماء 

في محاضرته عام 2014، افترض هوكينغ أنه سيأتي اليوم الذي يشاهده الناس فيه وهو يلعب البوكر مع أينشتاين ونيوتن وداتا. قطعًا لن يكونوا أحياءً يرزقون، ولكنها صورهم ثلاثية الأبعاد. وهذا ما ستتيحه لك تقنية الهولوجرام، حيث يمكنك الجلوس مع نابليون بونابرت وتسأله ما تشاء من التاريخ، وتستطيع مناقشة أينشتاين في النسبية العامة. وتستمع إلى الكاهن المظلوم مندل الذي لم يأخذ حقه في الشهرة عندما عرض نظرياته الوراثية. يمكنك التحدث إلى داروين ونيكولا تسلا وتوماس أديسون. بل تستطيع محاكاة البيئة التي عاشوا فيها والاستمتاع بمؤثرات صوتية وبصرية لا يفرقها عن الحقيقة سوى عقلك الذي يدرك تمامًا أنّ هذا كله مجرد صور افتراضية ليس إلا.

يستطيع المعلم التواجد في عدة أماكن 

تخيل نفسك جالس في الفصل الدراسي وأمامك مُعلمك يشرح الدرس، في تلك اللحظة، نفس الشخص يشرح الدرس في فصول أخرى مجاورة. مذهل، أليس كذلك؟ هذه ميزة أخرى تتيحها تقنية الهولوجرام، حيث تساعد المدرس على الحضور في أماكن مختلفة، ما يفتح نافذة التعلم أمام أولئك الأشخاص الذين يعيشون في بلاد بعيدة ليس لديها عدد كاف من المدارس والمعلمين. إضافة إلى ذلك، يستطيع الأساتذة الجامعين من كل أنحاء العالم التواصل مع الطلاب، ما يوفر فرصًا لتحقيق انتشار أوسع للتعليم المتميز في الجامعات العالمية.

محتوى حيوي

"أفضل أنواع تعليم، ليس الذي يكتفي بتلقيننا معلومات، ولكنه ذلك الذي يجعل حياتنا أكثر انسجامًا مع الوجود"
رابندرانات طاغور - شاعر وروائي بنغالي

في كثير من الأحيان، يصعب على الطلاب تخيل المحتوى المكتوب. مثال بسيط، تخيل نفسك جالي في حصة الرياضيات، واليوم يشرح لك المُعلم درس قياسات المكعب. سيخبرك أنه مجسم هندسي يتكون من 6 أوجه مربعة الشكل. أخبرني، هل تستطيع تخيل هذا الشكل إلا إذا كنت قد رأيته من قبل؟ ربما نعم أو لا، لكن الأكيد أنّ الأمر يختلف تمامًا عند مشاهدة صورة ثلاثية الأبعاد للمجسم.

هناك أمثلة أخرى كثيرة لا يستوعبها الطالب إلا إذا رآها. حتى إنّ بعض المؤسسات التعليمية أدخلت شاشات عرض كبيرة، لتمكين الطلاب من مشاهدة فيديوهات تساعدهم على استيعاب المواد الدراسية المعقدة. لذلك، بدلًا من ترك الطالب لخياله، يُفضل تقديم عروض ثلاثية الأبعاد، تساعده على التفاعل وإدراك العلم جيدًا، ما يعزز عملية التعلّم ويجعلها أكثر جدوى.